انطلاق الدورة العادية الأولى لمجلس الشعب السوري

يتابع تيار المستقبل السوري باهتمام انطلاق أعمال الدورة العادية الأولى للدور التشريعي الأول لمجلس الشعب السوري، يوم الأحد 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026م، في خطوة مؤسسية تأتي ضمن مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية بعد سقوط النظام البائد، والانتقال من مرحلة التأسيس والتنظيم إلى مرحلة ممارسة المسؤوليات التشريعية والرقابية بصورة منتظمة.

وقد تضمنت أعمال الدورة مناقشة جملة من الملفات التشريعية المهمة، من بينها مقترحات تتعلق بقانون أراضي المناطق الحدودية، والعقوبات المرتبطة بترك العمل الوظيفي، والتشريعات الخاصة بتخصيص الشواغر الوظيفية لذوي الشهداء، وصلاحيات الاستيلاء على العقارات، إضافة إلى متابعة الأجوبة الحكومية بشأن قضايا التربية والتعليم والطاقة.

وإذ ينظر تيار المستقبل السوري إلى انتظام العمل البرلماني بوصفه ضرورة وطنية لاستكمال البناء المؤسسي، فإنه يؤكد أن قيمة المجالس التشريعية لا تُقاس بعدد جلساتها، ولا بحجم القوانين التي تصدر عنها، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق العدالة، وحماية الحقوق، ومراقبة السلطة التنفيذية، وترجمة تطلعات المواطنين إلى سياسات وتشريعات تنعكس على حياتهم اليومية.

وانطلاقاً من رؤيتنا الوطنية، ومواقفنا السابقة بشأن استقلال المؤسسة التشريعية، وضرورة استكمال البناء السياسي والدستوري للدولة، فإننا في تيار المستقبل السوري نؤكد على ما يأتي:

أولاً: يرى تيار المستقبل السوري أن انتظام انعقاد مجلس الشعب ينبغي أن يترافق مع ترسيخ استقلاليته الفعلية عن السلطة التنفيذية، بما يضمن ممارسته مسؤولياته الدستورية والرقابية دون تدخل أو توجيه.

فالمجلس التشريعي ليس امتداداً للحكومة، ولا خصماً لها بالضرورة، وإنما سلطة مستقلة تتكامل معها ضمن مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها.

ونؤكد أن التجربة السورية السابقة أثبتت خطورة تحويل المؤسسة التشريعية إلى جهة تصادق على القرارات دون ممارسة الرقابة والمساءلة، وأن تجاوز هذا الإرث يتطلب تغييراً في الثقافة السياسية، لا في الأسماء والهياكل وحدها.

ثانياً: يُجدد تيار المستقبل السوري دعوته إلى إدراج قانون الأحزاب السياسية ضمن الأولويات التشريعية العاجلة، انسجاماً مع المادة الرابعة عشرة من الإعلان الدستوري، التي تكفل حق المواطنين في تأسيس الأحزاب السياسية وفق القانون.

ونستذكر في هذا السياق دراستنا المنشورة بتاريخ 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026م، بعنوان «الأحزاب السياسية بين ضرورة التمثيل ومخاطر التأخير»، والتي أكدنا فيها أن استمرار الفراغ القانوني المنظم للعمل الحزبي يضعف فرص بناء حياة سياسية تعددية، ويحد من قدرة القوى الوطنية على ممارسة أدوارها بصورة مؤسسية.

ونرى أن تأجيل هذا القانون بحجة انتظار الاستقرار ينطوي على إشكالية سياسية جوهرية، ذلك أن التعددية السياسية المنظمة ليست نتيجة للاستقرار فحسب، وإنما إحدى الأدوات الضرورية لإنتاجه وترسيخه.

وعليه، ندعو مجلس الشعب إلى فتح نقاش وطني واسع بشأن قانون أحزاب انتقالي، يضمن حرية التنظيم السياسي، وشفافية التمويل، واستقلالية القرار الوطني، وتكافؤ الفرص، بعيداً عن احتكار المجال السياسي أو إخضاعه للاعتبارات الشخصية والفئوية.

ثالثاً: يتابع تيار المستقبل السوري باهتمام المشروعات والمقترحات المطروحة لمراجعة عدد من التشريعات السابقة، ويرى أن التخلص من القوانين التي كرست الظلم والتمييز وتقييد الحريات يمثل ضرورة لإصلاح المنظومة القانونية.

غير أننا نؤكد أن إلغاء أي تشريع يجب أن يسبقه تقييم موضوعي لآثاره القانونية والاجتماعية والاقتصادية، وألا يؤدي تصحيح مظلمة سابقة إلى إنشاء مظلمة جديدة.

وفي هذا الإطار، نلفت الانتباه إلى أهمية دراسة الآثار المترتبة على مشروع إلغاء القانون المتعلق بتخصيص نسبة من الشواغر الوظيفية لذوي الشهداء ومن في حكمهم، بما يحقق العدالة وتكافؤ الفرص، ويحفظ في الوقت ذاته الحقوق المشروعة لأسر الضحايا، دون تمييز أو إقصاء.

كما نؤكد ضرورة مراجعة التشريعات العقارية والاستملاكية بما يضمن حماية الملكية الخاصة، ورد الحقوق إلى أصحابها، ومنع استمرار الممارسات التي استُخدمت سابقاً للتعدي على ممتلكات السوريين.

رابعاً: يثمن تيار المستقبل السوري إدراج الأسئلة الموجهة إلى وزيري الطاقة والتربية والتعليم ضمن أعمال المجلس، ويرى ضرورة تطوير هذه الخطوة إلى ممارسة رقابية منتظمة تقوم على المساءلة الفعلية وتقييم الأداء الحكومي.

فالمواطن السوري الذي يعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف القدرة الشرائية، وتحديات الطاقة والتعليم والخدمات، لا ينتظر من ممثليه مجرد نقل الشكاوى، وإنما ينتظر نتائج قابلة للقياس، وإجراءات واضحة، ومحاسبة للمقصرين.

ونرى أن من واجب مجلس الشعب مطالبة الوزارات والجهات الحكومية بتقديم خطط عمل معلنة، تتضمن الأهداف والجداول الزمنية ومؤشرات الإنجاز ومصادر التمويل، مع نشر نتائج المتابعة بصورة دورية.

ونؤكد أن الرقابة البرلمانية الجادة لا تستهدف إضعاف الحكومة، بل تسهم في تصحيح أدائها، وحماية المال العام، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

خامساً: يدعو تيار المستقبل السوري إلى تعزيز علنية العمل البرلماني، ونشر مشروعات القوانين قبل مناقشتها بوقت كافٍ، وإتاحة الفرصة أمام الخبراء والنقابات والفعاليات المجتمعية والقوى السياسية لتقديم ملاحظاتهم بشأنها.

كما نرى ضرورة نشر محاضر الجلسات، ونتائج التصويت، ومواقف الأعضاء من التشريعات الأساسية، بما يتيح للمواطنين متابعة أداء ممثليهم وتقييمه.

فالتشريع الذي يمس حياة ملايين السوريين لا ينبغي أن يُصاغ بمعزل عنهم، والمشاركة المجتمعية في صناعة القوانين ليست ترفاً سياسياً، وإنما ضمانة لتحسين جودتها وتعزيز قبولها وفاعليتها.

سادساً: يؤكد تيار المستقبل السوري أن الظروف الاستثنائية التي رافقت تشكيل مجلس الشعب الحالي تفرض مسؤولية مضاعفة لتعزيز جسور التواصل بين المؤسسة التشريعية وجميع مكونات المجتمع السوري.

ونرى أن استكمال التمثيل الوطني لا يتحقق بالحضور العددي وحده، وإنما يتطلب إتاحة المجال أمام مختلف الآراء السياسية والاجتماعية، وتفعيل آليات التشاور والمساءلة، والعمل على تطوير النظام الانتخابي بما يضمن مستقبلاً تمثيلاً شعبياً أوسع وأكثر مباشرة.

كما نحذر من خطورة إعادة إنتاج ثقافة التبعية السياسية أو الولاءات الضيقة داخل المؤسسات التشريعية، ونؤكد أن معيار نجاح العضو البرلماني ينبغي أن يكون أداؤه واستقلالية موقفه وخدمته للمصلحة العامة.

سابعاً: وانطلاقاً مما سبق، يدعو تيار المستقبل السوري إلى:

  1. إدراج قانون الأحزاب السياسية على جدول الأولويات التشريعية العاجلة، وفتح حوار وطني موسع حول مشروعه قبل إقراره.
  2. تعزيز الاستقلالية الفعلية لمجلس الشعب، وتفعيل أدوات المساءلة والرقابة على أداء الحكومة والوزارات والمؤسسات العامة.
  3. إعداد خطة تشريعية معلنة لمراجعة القوانين الموروثة عن النظام البائد، وفق أولويات واضحة تراعي حماية الحقوق والعدالة الاجتماعية.
  4. ضمان عدم المساس بالحقوق المكتسبة والمشروعة للمواطنين عند إلغاء التشريعات أو تعديلها، ووضع ضمانات انتقالية للفئات المتأثرة.
  5. نشر مشروعات القوانين ومحاضر الجلسات ونتائج التصويت والتقارير الرقابية، بما يعزز الشفافية والحق في الوصول إلى المعلومات.
  6. إعطاء الأولوية للتشريعات المرتبطة بالمعيشة والطاقة والتعليم والصحة والعمل والاستثمار وحماية الملكية الخاصة.
  7. تفعيل دور اللجان البرلمانية في التواصل المباشر مع المجتمع المدني والقوى السياسية والنقابات والخبراء، والاستفادة من مقترحاتهم التشريعية.
  8. تعزيز الرقابة البرلمانية على الموازنة العامة، والإنفاق الحكومي، وإدارة الموارد والثروات الوطنية، بما يحمي المال العام ويحد من الفساد.

يرى تيار المستقبل السوري أن انطلاق الدورة العادية الأولى لمجلس الشعب يشكل استحقاقاً مؤسسياً مهماً، لكنه يمثل في الوقت ذاته اختباراً عملياً لقدرة الدولة السورية على الانتقال من شرعية التغيير إلى شرعية المؤسسات، ومن إدارة المرحلة الانتقالية بالقرارات إلى إدارتها بالقانون والمساءلة والمشاركة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

زيارة مؤسسة العاقل للتنمية المجتمعية الخيرية

زيارة وفد تيار المستقبل السوري لمؤسسة العاقل تساهم في تعزيز العمل الخيري والتنموي

19 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع

صندوق إعادة إعمار سورية بين وعود التمويل الدولي وتعقيدات المرحلة الانتقالية

صندوق إعادة إعمار سورية وكيفية تحويل الوعود الدولية إلى نتائج ملموسة في فترة ما بعد النزاع.

17 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع