صندوق إعادة إعمار سورية بين وعود التمويل الدولي وتعقيدات المرحلة الانتقالية

تقديم:

أعلنت النرويج وهولندا في تشرين الأول/أكتوبر 2026، تعهداتهما المالية لصندوق ائتماني متعدد المانحين (MDTF) أنشأه البنك الدولي بناءً على طلب السلطات السورية، لدعم إعادة الإعمار في القطاعات الأساسية، ولا سيما الصحة والطاقة.

وبينما يمثل هذا التطور خطوة مهمة في مسار إعادة إدماج سورية في النظام المالي الدولي، فإنه يطرح أسئلة جوهرية حول كفاية هذه التعهدات، وجدوى آليات التمويل الدولية في سياقات ما بعد النزاع، ومدى قدرة الحكومة الانتقالية على تحويل الوعود إلى إنجازات ملموسة.

هذا المقال لا يهدف إلى الاحتفاء بالصندوق أو التقليل من شأنه، بل إلى تفكيك آلياته، وقراءة أرقامه، وتقييم احتمالات نجاحه، في ضوء تجارب مماثلة، وأدبيات الاقتصاد السياسي الدولي.

أولاً: الإطار النظري:

لا يمكن فهم معضلة التمويل في سورية بمعزل عن أدبيات اقتصاديات ما بعد النزاع والتمويل التنموي.
وتشير هذه الأدبيات إلى ثلاث مفارقات أساسية تواجه أي صندوق لإعادة الإعمار:
المفارقة الأولى: مفارقة التوقيت، غالباً ما يأتي التمويل الدولي متأخراً عن ذروة الاحتياج، لأن المانحين ينتظرون "استقراراً سياسياً" لا يتحقق إلا بعد سنوات من انتهاء النزاع، وهذا يعني أن الأموال تصل عندما تكون الاحتياجات قد تفاقمت، وتكون تكلفة المعالجة قد تضاعفت.

المفارقة الثانية: مفارقة القدرات، تفترض صناديق إعادة الإعمار وجود مؤسسات وطنية قادرة على استيعاب التمويل، لكن هذه المؤسسات غالباً ما تكون هي نفسها ضحية النزاع، ويؤدي هذا إلى "فجوة القدرات" (Capacity Gap) التي تعطل التنفيذ، أو تدفع المانحين إلى اللجوء إلى منظمات خارجية، مما يُضعف الملكية الوطنية.

المفارقة الثالثة: مفارقة الشروط، حيث تفرض صناديق التمويل الدولية معايير صارمة للشفافية والرقابة المالية، وهي ضرورية لمكافحة الفساد، لكنها قد تتحول في سياقات هشة إلى أداة تعطيل إذا لم تكن هناك مؤسسات وطنية قادرة على تلبيتها، وهذا ما أشار إليه تقرير معهد فعالية الدولة (Institute for State Effectiveness) عندما لاحظ أن "المشكلة ليست في الشروط، بل في الفجوة بين الشروط والمؤسسات القادرة على تلبيتها".

هذه المفارقات الثلاث تفسر لماذا تكون الفجوة بين التعهدات والتحصيل الفعلي سمة هيكلية لصناديق إعادة الإعمار، وليس استثناءً.

ثانياً: حجم الاحتياج:

لا يمكن تقييم تعهدات الصندوق الجديد دون إدراك حجم الاحتياج الذي يواجهه الاقتصاد السوري، فقد قدّر البنك الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2025 كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة بنحو 216 مليار دولار، مع نطاق تقديري يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.

وتوزعت هذه الكلفة على 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.
وقد تضرر نحو ثلث رأس المال الإجمالي لسورية قبل النزاع، مع خسائر مباشرة في الأصول المادية بلغت 108 مليارات دولار، كانت البنية التحتية الأكثر تضرراً فيها (48% من إجمالي الأضرار، أي 52 مليار دولار).

وقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 53% بين عامي 2010 و2022,وانخفض الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من 67.5 مليار دولار في 2011 إلى 21.4 مليار دولار في 2024.

وعلى مستوى المؤشرات الاجتماعية، تكشف بيانات صندوق التنمية السوري في الربع الأول من عام 2026 أن أكثر من 80% من السوريين تحت خط الفقر، مع تجاوز معدل البطالة العام 50% وبطالة الشباب 60%. كما يحتاج نحو 15 مليون شخص إلى مساعدات لتغطية احتياجاتهم الأساسية، فيما تُقدَّر الخسائر الاقتصادية المتراكمة بـ 800 مليار دولار.

هذه الأرقام تعني أن أي صندوق دولي، مهما كانت تعهداته، سيبقى محدوداً أمام حجم الاحتياج، وأن نجاحه لا يمكن أن يُقاس بحجم الأموال التي يجمعها، بل بقدرته على تحفيز التمويل الإضافي وبناء ثقة المانحين.

ثالثاً: السرد الزمني:

من صندوق الائتمان القديم إلى الصندوق الجديد:

لم تبدأ قصة التمويل الدولي لإعادة إعمار سورية من فراغ، فمنذ عام 2013، كان صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا (SRTF) يعمل كأداة تمويل رئيسية، حيث وصل إلى أكثر من 18 مليون مستفيد من خلال نحو 150 مشروعاً في قطاعات الصحة والمياه والكهرباء والزراعة والأمن الغذائي.

وقد أُنشئ هذا الصندوق "مستقلاً عن المؤسسات الدولية الأخرى، مما يعكس نية مؤسسيه منع النظام السوري السابق من السيطرة عليه".

لكن هذا الصندوق، الذي أُنشئ في سياق الصراع، كان يعمل عبر منظمات غير حكومية ومجالس محلية، لا عبر الحكومة المركزية. وقد ظل أداة إنسانية أكثر منه أداة تنموية,وهذا ما يفسر لماذا لم يُحدث نقلة نوعية في الاقتصاد السوري.

2025: تحولات سياسية واقتصادية

جاء سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 ليفتح صفحة جديدة. وشهد عام 2025 سلسلة من التطورات:

  • 17 آذار/مارس 2025: أعلنت النرويج عن مساهمة لا تقل عن 400 مليون كرونة نرويجية (نحو 38 مليون دولار) لدعم سورية.
  • 8 كانون الأول/ديسمبر 2025: تعهدت النرويج بـ 55 مليون كرونة (5.4 ملايين دولار) إضافية لصندوق المساعدات لسورية (AFS).
  • 21 تشرين الأول/أكتوبر 2025: أصدر البنك الدولي تقريره التقييمي الذي قدّر كلفة إعادة الإعمار بـ 216 مليار دولار.
  • 2026: إطلاق الصندوق الجديد

في نيسان/أبريل 2026، اختتم الوفد السوري اجتماعات الربيع مع البنك الدولي، معرباً عن تطلعه لمساهمة البنك في إنشاء صندوق ائتماني متعدد المانحين، وفي 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بحث وزير المالية السوري محمد يسر برنية وحاكم مصرف سورية المركزي مع رئيس البنك الدولي أجاي بانغا التحضير لإطلاق الصندوق، مع التأكيد على أن حجم المنح المقدّمة بلغ نحو نصف مليار دولار.

وفي 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلنت النرويج تعهدها بنحو 90 مليون كرونة (9.5 ملايين دولار)، وأعلنت هولندا تخصيص 15 مليون يورو، مع توقعات بأن يبدأ الصندوق العمل خلال عام 2026.

2026: تعزيز الشفافية والاندماج المالي

في خطوة تعكس تحولاً في السياسة النرويجية، أعلنت أوسلو في نيسان/أبريل 2026 عن رفع الحظر عن استثمار صندوقها السيادي (2.2 تريليون دولار) في السندات السورية، وقد رحب وزير المالية السوري بهذا القرار، معتبراً أنه "يمثل مؤشراً قوياً على تنامي ثقة المجتمع الدولي بالمسار الاقتصادي وبرنامج الإصلاح".

رابعاً: قراءة نقدية:

  1. فجوة التمويل:
    التعهدات المعلنة حتى الآن – 9.5 ملايين دولار من النرويج و15 مليون يورو من هولندا – تمثل مجتمعة نحو 26 مليون دولار.
    إذا قارنا هذا الرقم بـ 216 مليار دولار كلفة إعادة الإعمار، نجد أن التعهدات الحالية تغطي 0.012% فقط من الاحتياج.
    وهذا يعني أن الصندوق، في مرحلته الأولى، لن يكون أكثر من أداة رمزية لجذب المزيد من التمويل، وليس حلاً جذرياً.
  2. فجوة التحصيل: 46% فقط
    لا تقتصر المشكلة على حجم التعهدات، بل تمتد إلى الفجوة بين التعهدات والتحصيل الفعلي، فصندوق التنمية السوري (SYDF)، الذي أُطلق في أيلول/سبتمبر 2025، سجّل تعهدات بقيمة 83 مليون دولار، لكن التحصيلات الفعلية لم تتجاوز 41 مليون دولار حتى 31 آذار/مارس 2026، وأي بنسبة تحصيل 46% فقط. هذه الفجوة تعكس تحديات عملية في تحويل الوعود إلى أموال فعلية، وقد تكون مؤشراً على تحديات مماثلة قد تواجه الصندوق الجديد.
  3. فجوة الملكية: من يقود؟
    أحد الأسئلة الجوهرية هو: من يقود الصندوق؟ المانحون أم الحكومة السورية؟ في تصريحه، أكد وزير التنمية الدولية النرويجي أسموند أوكروست "أهمية قيادة السوريين جهود إعادة إعمار بلادهم، بدعم من المجتمع الدولي".
    لكن، على المستوى العملي، لا تزال آلية الحوكمة غير واضحة، خاصة فيما يتعلق بصلاحيات الحكومة في تحديد الأولويات مقابل رغبات المانحين.
  4. فجوة الشفافية:
    لا يبدو أن الصندوق الجديد يتضمن تمثيلاً للمجتمع المدني في آليات الحوكمة والرقابة، وهذا فراغ خطير، لأن الرقابة المجتمعية هي الضمانة الوحيدة لضمان وصول الأموال إلى مستحقيها، وعدم تحويل الصندوق إلى أداة لتوزيع الامتيازات على شبكات النفوذ.

خامساً: توصيات رؤيوية مستقبلية:

على المستوى الحكومي:

لا يكفي أن تستقبل الحكومة التمويل، بل يجب أن تبني القدرات المؤسسية اللازمة لإدارته. وهذا يتطلب:

  • إنشاء وحدة وطنية لتنسيق التمويل الدولي,تكون قادرة على تقديم مقترحات مشاريع متوافقة مع معايير البنك الدولي، وتتولى التواصل مع المانحين وتنسيق الجهود.
  • وضع خطة تعافٍ وطنية بأولويات واضحة، تحدد القطاعات الأكثر إلحاحاً (الطاقة، الصحة، التعليم)، وتقدم جدولاً زمنياً للتنفيذ، وتحدد المسؤوليات.
  • الشفافية الكاملة في إدارة الأموال، عبر نشر تقارير دورية عن أوجه الإنفاق ونتائج المشاريع، وإخضاعها لرقابة ديوان المحاسبة والمجلس الأعلى للرقابة المالية.

على مستوى المانحين:

على المجتمع الدولي أن يدرك أن إعادة إعمار سوريا ليست عملاً خيرياً,بل استثماراً في استقرار المنطقة. وهذا يتطلب:

  • الانتقال من المنح إلى الضمانات الاستثمارية,لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في سوريا، عبر آليات مثل التأمين ضد المخاطر السياسية وضمانات الاستثمار.
  • ربط الدعم بالاستحقاقات الإصلاحية,مع تقديم مساعدة فنية موازية لبناء القدرات، بدلاً من فرض الشروط دون دعم التنفيذ.
  • توسيع نطاق الصندوق ليشمل قطاعات الإنتاج (الزراعة، الصناعة، الطاقة المتجددة)، وليس فقط الخدمات الأساسية.

على مستوى المجتمع المدني:

لا يمكن للصندوق أن ينجح دون رقابة مجتمعية فاعلة. وهذا يتطلب:

  • تمثيل منظمات المجتمع المدني في آليات الحوكمة والرقابة على الصندوق، لضمان أن الأولويات تعكس احتياجات المواطنين، لا رغبات المانحين أو الحكومة.
  • ·بناء قدرات المنظمات المحلية على متابعة المشاريع وتقييم أثرها، عبر برامج تدريبية وتمويلية.
  • إشراك القطاع الخاص المحلي في تنفيذ المشاريع، لتشجيع ريادة الأعمال وخلق فرص العمل.

على مستوى الإعلام:

يجب أن يلعب الإعلام السوري دوراً رقابياً في متابعة الصندوق، ونشر تقارير عن المشاريع الممولة، وكشف أي حالات فساد أو إهدار للمال العام. وهذا يتطلب:

  • تدريب الصحفيين على التحقيق في قضايا التمويل الدولي والمشاريع التنموية.
  • إتاحة المعلومات عن الصندوق للصحفيين والباحثين، عبر بوابة إلكترونية شفافة.
  • حماية الصحفيين الذين يكشفون الفساد، لضمان استقلالية الرقابة.

خاتمة:

يمثل الصندوق الائتماني متعدد المانحين خطوة مهمة في مسار إعادة إدماج سوريا في النظام المالي الدولي، لكنه لا يرقى إلى مستوى التحدي.

فالفجوة بين 26 مليون دولار تعهدات أولية و216 مليار دولار احتياج حقيقي تفوق قدرة أي صندوق منفرد على سدها.

ونجاح هذا الصندوق، في نهاية المطاف، لن يُقاس بحجم الأموال التي يجمعها، بل بقدرته على تحفيز التمويل الإضافي، وبناء ثقة المانحين,وترجمة التعهدات إلى مشاريع تلمس حياة السوريين. وهذا يتطلب إرادة سياسية، وحوكمة سليمة، وشراكة حقيقية بين الحكومة والمانحين والمجتمع المدني. وبدون هذه الشروط، سيبقى الصندوق وعداً مؤجلاً، لا نقطة تحول في مسار التعافي.

شاركها على:

اقرأ أيضا

رؤية "سورية بلا مخيمات" والتحذير من عودة النازحين قبل تهيئة مناطقهم

التحذيرات المتعلقة بعودة النازحين في ظل رؤية سورية بلا مخيمات وكيفية ضمان العودة بكريمة.

17 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع

اليوم الدولي للقضاء على الفقر

أهمية اليوم الدولي للقضاء على الفقر ودوره في تعزيز العدالة الاجتماعية والاقتصادية لجميع الفئات.

17 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع