مقدمة:
دائما ما يقف بنا سؤال جمالي عميق: ما موقع الفنون والذوق الجمالي في رؤيتنا الإسلامية الحضارية؟
لماذا نشعر أحياناً بالرهبة أمام صوت يقرأ القرآن بتجويد، أو بلحن يهيم، أو رسمة خلابة، أو منظر طبيعي أخاذ؟
هل هذا الشعور لذة حيوانية، أم تجلٍّ من تجليات الروح، ولمسة من لمسات الجمال الإلهي في هذا الكون؟
يبرز هنا السؤال الأكثر إشكالية كما أرى، إذ كيف نفهم النصوص الدينية التي يبدو ظاهرها التحريم، دون أن نقع في فخ التعميم أو الإنكار؟
هذا المقال أحاول فيه الإجابة عن هذه الأسئلة من منظور "الإسلام الحضاري" الذي ننادي به في تيار المستقبل السوري، مستنداً إلى نصوص الوحي، ومستلهماً من الفلسفة والفقه والتجربة التاريخية للمسلمين، ومنفتحاً على النقد الفكري المعاصر، لعلي أرسم رؤية حضارية للجمال والفنون، تليق بمقام الإنسان الذي كرمه الله.
أولاً: الجمال سر وحقيقة إلهية:
في قلب الرؤية الإسلامية للحياة، يكمن مبدأ جوهري، أن الجمال كما يبدو زينة، فهو حقيقة وجودية تفيض من الخالق على الخلق. فقد قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم بصحيحه: "إن الله جميل يحب الجمال"، وهو حديث تأسيسي يعكس أن الجمال صفة إلهية، وأن محبة الجمال فطرة مغروسة في النفس البشرية.
وقد أسس الإمام الحجة أبو حامد الغزالي (ت. 505هـ/1111م) لهذه الرؤية تأسيساً فلسفياً عميقاً، حين قسم الجمال إلى قسمين: "الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس، وجمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة. والأول يدركه الصبيان والبهائم، والثاني يدركه أرباب القلوب ولا يشاركهم فيه من لا يعلم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا".
يكشف هذا التمييز الجوهري أن تذوق الجمال في لُبه قُدرة روحية خاصة، لا يملكها إلا من يملك نفساً جميلة ذواقة.
وقد ذهب الغزالي إلى أبعد من ذلك، حين تحدث عن "معرفة السبب في تأثر الأرواح بالأصوات"، واصفاً إياها بأنها "من دقائق علوم المكاشفات". فهناك سر إلهي في تأثير اللحن على الروح، لا يدركه إلا من صفت نفسه ورقّت مشاعره. وهذا ما يجعل تذوق الجمال لوحده معجزة إلهية، لأنه يتجاوز مجرد الإدراك الحسي إلى انفعال نفسي تلتقطه "الحاسة الفنية" أو "القدرة على تذوق الجمال".
ثانياً: النصوص الشرعية بين الحكم الظاهر والسياق المقاصدي:
عندما نأتي إلى النصوص التي يبدو ظاهرها تحريم الموسيقى والغناء، لا يمكن أن نتعامل معها بمعزل عن سياقاتها التاريخية والواقعية؛ فالفقهاء المحققون كانوا دقيقين جداً في تفكيك هذه السياقات.
فبدايةً، نجد أن تحريم الغناء والمعازف في كثير من الأقوال ارتبط بسياقات غير أخلاقية محددة. فمجالس الغناء التي كانت شائعة في الجاهلية وصدر الإسلام كانت في الغالب الأعم مقرونة بالملهي، والخمر، والفسوق، والفجور. وقد أشار غير واحد من العلماء إلى أن مجالس الغناء إذا كانت مقرونة بهذه المحرمات وسلوكيات المجون فإنها تُحرم بالإجماع. ومن هنا، يرى اتجاه فقهي معتبر أن التحريم لم يكن موجهاً إلى "اللحن" أو "الصوت الحسن" في ذاته، بل إلى ما يحيط به من منكرات وعوارض خارجة عنه. وهذا هو ما أصله الفقهاء المقاصديون، وعلى رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي في العصر الحديث، الذي ذهب إلى جواز الغناء والموسيقى إذا "سلمت من الخنا، والألفاظ المحرمة، ومن التكسير والميوعة والإثارة، ولم تلهِ عن واجب شرعي".
ثم إن تفصيل الفقهاء المتقدمين في هذه المسألة يكشف عن مرونة واسعة؛ فقد ذهب الإمام ابن حزم الظاهري (ت. 456هـ/1064م) في كتابه "المحلى" إلى إباحة الغناء والمعازف مطلقاً، وضَعَّف الأحاديث الواردة في التحريم، ونقل عن عدد من الصحابة والتابعين استماعهم للغناء. وفي المقابل، ورغم أن جمهور الفقهاء كالحنفية والشافعية والحنابلة والحنابلة شددوا في منع الآلات الوترية والمزامير (كالبربط والطنبور)، إلا أنهم استثنوا بعض الآلات في المناسبات؛ كإباحة الدف في الأعراس والأعياد، وإجازة طبول الحرب والحج لدى آخرين. بل إن الإمام أبا حامد الغزالي أفرد "كتاب آداب السماع والوجد" في موسوعته "إحياء علوم الدين"، وعنون الباب الأول منه بـ "باب ذكر اختلاف العلماء في إباحة السماع وكشف الحق فيه"، وانتهى إلى إباحة السماع مالم تقترن به عوارض تحرمه كإثارة الشهوات الفاسدة أو الاقتران بمجالس الخمر.
هذا التفصيل الدقيق يضعنا أمام حقيقة منهجية، لو مسار معتبر، بـ أن الحكم الفقهي يدور مع علته، وأن المسألة في عمقها المقاصدي لا تتعلق بـ "الفنون الصوتية" كظاهرة إنسانية، بل بـ "السياق" الذي تُمارس فيه، والغاية التي تُستخدم من أجلها.
ثالثاً، من هم "الذين يُمسخون قردة وخنازير"؟:
في سياق النصوص التي تتحدث عن التهديد بالمسخ، لا بد من قراءة دقيقة للنص. الحديث يتحدث عن "أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف"، أي أنهم "يستحلون"، أي يعتبرون هذه المحرمات حلالاً، ويُصممون على ممارستها دون أي اعتبار للضوابط الأخلاقية.
وفي هذا السياق، يبرز في التراث الفقهي مصطلح "الديوث" الذي ورد في بعض أقوال الفقهاء، وهو الذي يقر الفاحشة في أهله ولا يغار على عرضه. وقد ارتبط هذا المصطلح في بعض النصوص بمجالس الغناء التي يقترن فيها التطريب بالخنا. لكن التأمل في هذا المصطلح يكشف أن المقصد ليس "السماع" في ذاته، بل بـ"الانحطاط الأخلاقي" الذي يذهب بالغيرة والكرامة. وهذا ينسجم مع القراءة التي تفرق بين "الإباحي الغريزي" الذي يهبط بالإنسان إلى مستوى الحيوان، و"الذواق الجمالي" الذي يرتقي به إلى مستوى الروح.
أما "الذواقون للجمال" ، فإنهم على النقيض تماماً. إنهم يرون في الفن مدخلاً إلى الروح، وفي اللحن رسالة إلى القلب، وفي الرسمة تأملاً في أسرار الخلق. إنهم لا يبحثون عن الغريزة، بل عن "المعنى" الذي يرفعهم من الأرض إلى السماء. وهم الذين قال فيهم النبي ﷺ، عندما سمع أبا موسى الأشعري يقرأ القرآن: "لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود" (رواه البخاري ومسلم)، وأثنى على صوته الجميل.
وهنا يبرز الفرق الجوهري، أن الإباحي يهبط، والذوّاق يرتقي.
الإباحي يرى الجسد، والذواق يرى الروح، الإباحي يبحث عن اللذة، والذواق يبحث عن الجمال.
والمسخ ليس عقوبة على "السماع" أو "النظر" كما يظهر، بل على الانحدار إلى مستوى الحيوان مع القدرة على الارتفاع إلى مستوى الإنسان.
رابعاً، التراث الفني الإسلامي:
شهادة التاريخ قاطعة على أن المسلمين، في عصور ازدهارهم، لم يكونوا أعداء للفن، بل كانوا أحد أعظم الشعوب الفنية في التاريخ. وقد ازدهرت في الحضارة الإسلامية فنون العمارة، والخط العربي، والزخرفة (الأرابيسك)، والتصوير، والموسيقى، والغناء. وكان الحجاز "من أكبر مراكز الفن في العالم الإسلامي"، وبلغت بغداد في العصر العباسي ذروة التطور الموسيقي. وقد عُرف عن العرب "204 آلات موسيقية" أشهرها العود والقيثارة والناي.
واليوم، ورغم التراجع النسبي، لا يزال سوق الفن الإسلامي يمثل ظاهرة اقتصادية وثقافية مهمة. ففي عام 2023، بلغت مبيعات آثار الفن الإسلامي في دور المزادات الكبرى 57 مليون دولار. وفي عام 2025، حققت مجموعة آغا خان للفنون الإسلامية مبيعات بلغت 45.7 مليون جنيه إسترليني في مزاد واحد بلندن. كما تشير تقديرات اليونسكو إلى وجود 761 متحفاً في الدول العربية، منها متاحف مخصصة للفن الإسلامي.
أما على صعيد صناعة الموسيقى، فقد حققت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نمواً بنسبة 22.8% في إيرادات الموسيقى المسجلة عام 2024، وهي أعلى نسبة نمو بين مناطق العالم. وتشير دراسات إلى أن 96.6% من الشباب (18-24 عاماً) في بعض المجتمعات الإسلامية يستمعون للموسيقى بشكل شبه يومي. كما أظهرت دراسة على الشباب المسلم في باكستان وجود "علاقة قوية بين التدين وحب الموسيقى".
على أن هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الظاهرة، بل تشير إلى التناقض الصارخ بين خطاب "التحريم الشامل" من جهة، والواقع الاجتماعي الذي يعيشه المسلمون من جهة أخرى. وهذا التناقض هو ما يستوجب إعادة النظر في المقاربة الفقهية للموسيقى والفنون.
خامساً، الحجج المضادة:
من الأمانة العلمية أن نعرض الحجج المضادة بموضوعية. حيث يذهب جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة إلى تحريم آلات الطرب (المعازف)، مستندين إلى حديث "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف" (رواه البخاري). وقد نقل ابن تيمية أن "آلات اللهو لا يجوز اتخاذها عند الأئمة الأربعة". واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (لقمان: 6)، حيث فسرها بعض الصحابة كابن مسعود بالغناء.
غير أن هذه الحجج، رغم قوتها الظاهرية، تخضع لعدة ملاحظات:
الأولى: أن حديث "المعازف" مختلف في صحته، حيث ضعفه ابن حزم، في حين صححه آخرون.
الثانية: أن تفسير "لهو الحديث" بالغناء تفسير محتمل غير قطعي، وقد فسره بعض المفسرين بغير الغناء، وبكل ما يُضل عن سبيل الله دون تقييد.
الثالثة: أن التحريم ورد مقيداً بـ "الاستحلال"، أي اعتبار المحرم حلالاً مع الإصرار عليه، وليس مجرد السماع دون اقتناع الحرمة.
الرابعة: أن الفقهاء أنفسهم استثنوا الدف في الأعراس، والطبل في الحرب، وأناشيد الحجاج، وحداء الإبل، مما يدل على أن العلة ليست في "الصوت" ذاته، بل في السياق والغرض.
وهذه الملاحظات لا تنفي وجود خلاف فقهي حقيقي، بل تؤكد أن المسألة اجتهادية، غير قطعية، وأن على الفقيه أن يوازن بين النصوص والمقاصد والواقع.
سادساً، نحو رؤية حضارية – الجمال كجزء من الاستخلاف:
في ضوء ما تقدم، يتضح أن الرؤية الإسلامية الحضارية التي يتبناها تيار المستقبل السوري تقدم إطاراً متكاملاً لفهم الفنون والجمال:
فأولاً: الجمال حق إلهي أصيل، إذ الجمال هو حقيقة من حقائق الوجود، وصفة من صفات الله (جميل)، وتجليات من تجليات قدرته في الكون.
وثانياً: إن القدرة على تذوق الجمال موهبة إلهية تُمنح لذوي النفوس الجميلة، وهي "حاسة فنية" تتجاوز الحس الظاهر إلى البصيرة الباطنة.
ثالثاً، الفنون وسيلة للارتقاء، لا للانحدار، بل الفنون قابلة لأن تكون "معراجاً" يرفع الإنسان من الطين إلى النور، أو "هاوية" تهبط به إلى الحضيض. والفارق هو "النية" و "السياق" و "الأثر".
ورابعا: الضابط الأخلاقي، دون التحريم الأعمى. المعيار هنا لا يقف عند ظاهر الحكم وعزله عن علته، بل يربط الحكم بـ (المصلحة الأخلاقية والمقاصدية) التي يقررها الشرع. فإذا كان الفن يهذب النفس، ويرتقي بالذوق، ويعزز القيم، فهو "حلال فطري". وإذا كان يثير الغرائز بشكل فج، ويحط من الكرامة، ويعزز الرذيلة، فهو "حرام أخلاقي".
وآخرها، أن الفن الإسلامي، في عصور ازدهاره، كان "جسراً حضارياً" بين الشرق والغرب، ونافذة على العالم، ووسيلة للتعبير عن الهوية، وتعزيز التواصل بين الحضارات.
خاتمة:
في نهاية هذا المقال، يمكن القول إن "الإسلام" بهذا المنحى لا يخشى الفنون، بل يرحب بها. لا يخشى الجمال، بل يعتبره "سراً من أسرار الله" في هذا الكون. ولا يخشى التذوق الجمالي، بل يراه "معجزة إلهية" تستحق الإجلال.
إن النصوص التي يبدو ظاهرها التحريم، هي نصوص سياقية، خاطبت مجتمعاً كانت فيه الفنون "سلاحاً للغواية" و "وسيلة للفساد". أما اليوم، وقد أصبح الفن "لغة عالمية" للتواصل والتعبير، فيجب أن نعيد قراءة هذه النصوص في ضوء مقاصدها الحقيقية: حماية الأخلاق، دون إعدام الجمال.
إن "الذواقين للجمال" ليسوا هم الذين يُمسخون قردة وخنازير، بل هم الذين "يرون الله في كل شيء"، ويسمعون لحن الخالق في خرير الماء، وحفيف الشجر، وتغريد الطير، وصوت الإنسان الجميل. أما "المسخ"، فهو لمن يرى في الجمال "سلعة" و "غريزة" و "متعة فانية"، ولايراها "رسالة" و "روحاً" و "معراجاً".
فالجمال، في النهاية، "دعوة إلى الله". والذّواق، في جوهره، "داعٍ إلى الله". ومن هنا، فإن "الإسلام" ليس عدواً للفن، بل هو "راعي الفن" و "حامي الجمال"، لأن "الجمال حقيقة، والحق جمال"، ولا يمكن أن يتصادما.
المراجع:
- الغزالي، أبو حامد. (د.ت.). إحياء علوم الدين (المجلد 2، كتاب آداب السماع والوجد). دار المعرفة.
- ابن حزم، علي بن أحمد. (د.ت.). المحلى بالآثار (المجلد 9). دار الفكر.
- ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. (د.ت.). مجموع الفتاوى (المجلد 11). دار الوفاء.
- القرضاوي، يوسف. (د.ت.). الحلال والحرام في الإسلام. مكتبة وهبة.
- Weinrich, I. (2021). Al-Ghazālī on Listening to Music. In Music and Religion in Islam. Brill. https://brill.com/downloadpdf/display/book/9789004515932/BP000043.pdf
- Vasalou, S. (2021). The place of aesthetic experience in al-Ghazālī’s ethics. In Islamic Ethics and the Environment. Taylor & Francis. https://www.taylorfrancis.com/chapters/mono/10.4324/9781003196556-2/place-aesthetic-experience-al-ghazālī-ethics-sophia-vasalou
- Gonzalez, V. (2001). Beauty and Islam: Aesthetics in Islamic Art and Architecture. I.B. Tauris.
- Behrens-Abouseif, D. (1999). Beauty in Arabic Culture. Princeton University Press.
- IFPI. (2025). Global Music Report 2025: Middle East and North Africa. International Federation of the Phonographic Industry. https://www.ifpi.org/
- UNESCO. (2021). Museums in the Arab Region in Comparison with the Rest of the World. ALECSO Observatory. https://observatory.alecso.org
- ArtChart. (2025, February 3). The Islamic and Neo-Traditional Art Market from Its Origins to the Present. ArtChart. https://artchart.net
- IslamWeb. (2012, July 30). حكم سماع الغناء. IslamWeb. https://fiqh.islamonline.net
- دائرة الإفتاء العام الأردنية. (2012، 30 تموز). ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقى. دائرة الإفتاء العام. https://aliftaa.jo
- IslamWeb. (2024, May 22). الموسيقى والغناء. IslamWeb. https://fiqh.islamonline.net
- الجابري، محمد عابد. (1990). العقل السياسي العربي. مركز دراسات الوحدة العربية.
- الشاطبي، إبراهيم بن موسى. (د.ت.). الموافقات في أصول الشريعة. دار ابن عفان.