التراث الثقافي بين خطاب الحماية وواقع التدمير

مقدمة:

في التاسع من نيسان/أبريل 2026، وقّعت وزارة الثقافة السورية عقداً بقيمة 6.3 مليار ليرة سورية (نحو 456 ألف دولار) مع شركة "الطائر التجارية" لترميم قصر الزهراوي التاريخي في حمص، وهي شركة لا تملك تاريخاً في ترميم المعالم الأثرية.
هذا الحدث يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بفلسفة الدولة في التعامل مع التراث الثقافي.

فهل تتعامل الدولة السورية الجديدة مع التراث باعتباره "ملكية عامة" تستوجب الحماية والمشاركة، أم باعتباره "أصلًا استثمارياً" يخضع لمنطق السوق والامتيازات؟

أولاً: من التراث كسلطة إلى التراث كحق:

قدم جون تونبريدج وغريغوري آشوورث مفهوم "التراث المتضارب" الذي يشير إلى أن التراث هو ساحة صراع بين روايات متعددة، وأن قرارات الحفاظ عليه أو تدميره هي قرارات سياسية بالضرورة.

ويؤكد آشوورث أن "جميع القرارات المتعلقة بالحفاظ على التراث أو إعادة بنائه تخضع لسيطرة سياسية، ولا تخدم إنقاذ الماضي بقدر ما تخدم توجيه الصور في الحاضر".

وفي سياق النزاعات المسلحة، يقدم روب نيكسون مفهوم "العنف البطيء"، الذي يشير إلى أشكال التدمير التدريجي وغير المرئي التي لا تُصنّف عادةً كجرائم حرب، مثل النهب المنظم، والاستيلاء على الممتلكات، والإهمال الممنهج. وينطبق هذا المفهوم بدقة على حالات مثل قصر الزهراوي، حيث لا يوجد "قصف" أو "تفجير" بل "ترميم" و"عقد" و"استثمار" – وهي أدوات عنف بطيء تفرغ التراث من معناه العام وتحوّله إلى سلعة.

ويشير كتاب "Narrating Heritage: Rights, Abuses and Cultural Resistance" إلى أن التراث الثقافي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحقوق الإنسان، وأن أشكال العنف – المباشر والبطيء – ضده تشكل انتهاكاً للحقوق الثقافية التي يكفلها القانون الدولي.

ثانياً: قصر الزهراوي:

قصر الزهراوي في حمص ليس مبنى تاريخي؛ إنه ذاكرة حية لمدينة عريقة.
استُملك العقار عام 1977 لصالح المديرية العامة للآثار والمتاحف "بغية تحويله إلى متحف".
لكن ما يحدث اليوم يثير تساؤلات جوهرية حول مصير هذا التراث.

المشكلة الأولى: غياب الشفافية والاختصاص، فالشركة المنفذة "الطائر التجارية" لا تملك أي تاريخ أو اختصاص في ترميم المعالم التاريخية، وفقاً لوثائق رسمية.

فقصر الزهراوي، ببنائه المملوكي والعثماني، وتفاصيله المعمارية الدقيقة، يحتاج إلى خبراء في الترميم الأثري، لا إلى مقاولين تجاريين.

وتشير الوثائق إلى أن أعمال الترميم السابقة (في الثمانينيات، و2008، و2020) كانت تنفذ عبر الكوادر الفنية لمديرية الآثار، ولم تُطرح سابقاً كعقد تجاري لشركة خاصة.

المشكلة الثانية: تجاوز الصلاحيات القانونية. بلغت قيمة العقد 6.3 مليار ليرة سورية، وهو رقم يتجاوز سقف الصلاحيات الإدارية والقانونية الممنوحة لوزير الثقافة، ما يستوجب موافقة مجلس الدولة – وهو إجراء غاب عن ملف التعاقد.

وتشير المعطيات إلى "سيناريو غريب"، فالوزير وقّع أمر المباشرة أولاً، ثم أُرسل الكتاب إلى مدير الآثار ليوقّعه.
هذا الخلل الإجرائي لا يقتصر على مخالفة قانونية، بل يكشف عن منطق "العجلة" الذي يتعارض جوهرياً مع منطق الحفاظ على التراث، الذي يتطلب وقتاً وتخصصاً وتشاوراً.

المشكلة الثالثة: الأثر الاستثماري، إذا كان القصر قد استُملك لصالح المديرية العامة للآثار والمتاحف، فهل يجوز استخدامه في أغراض استثمارية تجارية؟ الحقوقي شوقي عاصم الزهراوي أشار في بيان رسمي إلى أن "استخدام العقار في أغراض استثمارية تجارية يفقد الاستملاك شرعيته القانونية المخصصة أساساً للمنفعة العامة".

ثالثاً: "عرش بلقيس"

على الضفة الأخرى من العالم العربي، يواجه معبد أوام (محرم بلقيس) في مأرب اليمنية مصيراً لا يقل مأساوية.
أُدرج الموقع على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر في عام 2023، إلى جانب معالم مملكة سبأ القديمة. لكن الإدراج وحده لا يحمي.
أظهر الفيديو المتداول في الخامس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2025 نقشاً أثرياً – يعود إلى أكثر من 3000 عام – ملقى على الأرض، يُستخدم متكأً من أشخاص يتعاطون القات داخل حرم المعبد.

ووصف مندوب اليمن لدى اليونسكو، السفير محمد جميح، هذا المشهد بقوله: "ما حدث في معبد أوام من استهتار وإهمال من تعاطي القات ما كان ينبغي أن يحدث، فآثار مملكة سبأ التي أدرجت على قائمة اليونسكو للتراث العالمي مطلع عام 2023 مفتوحة ويدخلها العابثون دون رقابة أو محاسبة".

وتكشف تقارير اليونسكو أن لجنة التراث العالمي أدرجت "آثار مملكة سبأ القديمة" على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر في الدورة الاستثنائية رقم 18 التي عُقدت في باريس عام 2023. لكن الإدراج، رغم أهميته، لا يُترجم إلى حماية فعلية في ظل غياب الأمن والسلطة المركزية. وهذا يضع اليمن أمام معضلة: هل يصبح الإدراج على قوائم الخطر أداة لضغط دولي، أم مجرد اعتراف رسمي بالعجز؟

وذكرنا لهذه الحادثة رغم تباعد الجغرافية هو للقياس على واقع الدول المفتتة ألا تقع سورية بمثالها.

رابعاً، السياق الأوسع:

تكشف الدراسات الحديثة عن حجم هائل للدمار الذي أصاب التراث الثقافي في سورية، فوفقاً لدراسة نُشرت في مجلة "Heritage" المحكمة في تموز/يوليو 2026، تعرّض 59% من المواقع الأثرية في سورية لعمليات نهب أو تدمير بين عامي 2015 و2025، مقابل 13% فقط بين عامي 2011 و2016. وقد استُخدمت صور الأقمار الصناعية لتحليل 199 موقعاً، ووُجد أن 116 موقعاً (أي 59%) تعرّض لأشكال مختلفة من النهب والتدمير، شملت "النهب التقليدي"، و"النهب الميكانيكي بالجرافات" و"العسكرة" و"بناء المخيمات".

والأخطر من ذلك، حسب الدراسة ذاتها، أن النهب الميكانيكي – الذي يستخدم فيه الجرافات لتجريف السطح بالكامل – ارتبط بنشاط عسكري، حيث يشير الباحث جيسي كاسانا إلى أن "الجيش (الأسدي) الذي يُفترض أن يحمي الناس، لا أن يدمر المواقع الأثرية، يرتكب جريمة حرب".

وقد وُثّق هذا النمط بشكل خاص في منطقة عين دارا، حيث بدأت عمليات التجريف المنظم في عام 2019، ووصلت بحلول عام 2022 إلى تجريف "شبه كامل" للموقع، باستثناء معبد حجري يعود إلى الألفية الأولى قبل الميلاد.

وفي هذا السياق، تصبح حادثة قصر الزهراوي – التي قد تبدو "صغيرة" مقارنة بهذا الدمار الهائل – مؤشراً على نمط أوسع، نمط يتعامل مع التراث ليس كقيمة حضارية تستوجب الحماية، بل كأصل تجاري أو عقاري يمكن استغلاله.
وهذا النمط، إذا استمر، سيُنتج ما يسميه نيكسون "العنف البطيء"، وهو تدمير تدريجي لا يُصنّف كجريمة، لكنه يُفرغ المدن من ذاكرتها، ويُفقد الأجيال القادمة حقها في معرفة تاريخها.

خامساً، نحو سياسة تراثية قائمة على الحق والمشاركة:

انطلاقاً من هذا التحليل، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

أولاً: إقرار قانون عصري للتراث الثقافي، حيث يجب أن يُحدد هذا القانون بوضوح الأموال العامة التي لا يجوز التصرف بها تجارياً، وآليات المشاركة المجتمعية في قرارات الترميم، ومعايير الاختيار للمقاولين، والشفافية في العقود. ويجب أن يستند إلى مبدأ "التراث كحق"، لا "التراث كسلعة".

ثانياً: إنشاء هيئة وطنية مستقلة للتراث، على غرار هيئات مكافحة الفساد، يجب إنشاء هيئة مستقلة تُشرف على جميع أعمال الترميم والتأهيل، وتضم خبراء في الآثار والهندسة والقانون، وتكون قراراتها ملزمة، وترفع تقاريرها مباشرة إلى مجلس الشعب والرأي العام.

ثالثاً: إشراك المجتمعات المحلية، وهنا نوصي بـ أن تكون المجتمعات المحلية – بما فيها العائلات المالكة التاريخية – شريكة في قرارات الحفاظ على التراث، لا متفرجة عليها. وهذا يتطلب آليات واضحة للتشاور العام، وحق الاعتراض، ومراجعة القرارات.

رابعاً: الاستفادة من الخبرات الدولية، فعلى الحكومة السورية أن تستفيد من منح اليونسكو وخبرتها في ترميم المعالم التاريخية، بدلاً من اللجوء إلى شركات تجارية بلا خبرة.
وقد أشارت الوثائق إلى أن الوزارة لم تستفد من هذه المنح، رغم توفرها.

خامساً: تعزيز الشفافية المالية، عبر نشر جميع عقود الترميم، وتحديد مصادر تمويلها، وإخضاعها لرقابة ديوان المحاسبة والمجلس الأعلى للرقابة المالية. فالمال العام للتراث هو أمانة للأجيال القادمة، لا باباً للامتيازات والمحسوبية.

سادساً: التعاون الإقليمي والدولي، فيجب على سورية أن تتعاون مع المنظمات الدولية – اليونسكو، إيكوموس، والمنظمات غير الحكومية المتخصصة – لحماية التراث المشترك، وتبادل الخبرات، وضمان أن تكون جهود الترميم متوافقة مع المعايير الدولية.

خاتمة:

يمثل قصر الزهراوي في حمص و"عرش بلقيس" في مأرب أكثر من مجرد موقعين أثريين؛ إنهما اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بفلسفة الحفاظ على التراث كحق عام، وليس كسلعة استثمارية.
فالحفاظ على التراث ليس ترفاً ثقافياً، بل هو جزء أساسي من بناء الهوية الوطنية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتحقيق التنمية المستدامة.
إن التراث الذي لا يُحترم اليوم، لن يكون موجوداً غداً.
والأجيال القادمة لن تسامح من فرّط في ذاكرتها.
وعلى الحكومة السورية أن تدرك أن التراث ليس ملكاً خاصاً، بل هو ملكية عامة تشارك فيها جميع مكونات المجتمع، وأن حمايته ليست مسؤولية وزارة الثقافة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية جامعة.

المراجع:

  1. Zamanalwsl. (2026, October 1). بالمستندات الرسمية: وزير الثقافة يورّط وزارته بعقد بمليارات الليرات لشركة بلا خبرة في ترميم آثار حمص. https://www.zamanalwsl.net/news/article/179180
  2. Deutsche Welle (DW). (2025, December 25). صدمة في اليمن: استخدام نقش أثري كمسند خلال جلسة قات. https://www.dw.com/ar/صدمة-في-اليمن-استخدام-نقش-أثري-كمسند-خلال-جلسة-قات/a-75306966
  3. Casana, J., et al. (2026). Looting and Damage to Archaeological Sites in Syria: A Satellite Imagery Analysis. Heritage, 9(6), 209. https://www.mdpi.com/2571-9408/9/6/209
  4. EurekAlert. (2026, July 23). Study shows extent of damage to historic sites in Syria. https://www.eurekalert.org/news-releases/1137378
  5. UNESCO World Heritage Centre. (2026). Landmarks of the Ancient Kingdom of Saba, Marib. https://whc.unesco.org/en/list/1700/
  6. Tunbridge, J. E., & Ashworth, G. J. (1996). Dissonant Heritage: The Management of the Past as a Resource in Conflict. John Wiley & Sons.
  7. Nixon, R. (2011). Slow Violence and the Environmentalism of the Poor. Harvard University Press.

شاركها على:

اقرأ أيضا

استشهاد الشاب محمد أيمن الدبور برصاص الكيان الصهيوني المحتل في القنيطرة

استشهاد الشاب محمد أيمن الدبور وعواقب جرائم الاحتلال الإسرائيلي في القنيطرة وتأثيرها الكبير.

6 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع

في ذكرى حرب تشرين 1973

ذكرى حرب تشرين 1973 فرصة لفهم التضحيات الحقيقية ولتسليط الضوء على دور الشعب السوري في صنع التاريخ.

6 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع