ملخص تنفيذي:
شهدت العلاقات الاقتصادية بين سورية وتركيا، منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تحولاً نوعياً تجسد في انعقاد ملتقى رجال الأعمال السوري – التركي في دمشق، في 26 آب/أغسطس 2026، بمشاركة رسمية واقتصادية واسعة.
ويأتي هذا الملتقى تتويجاً لمسيرة من التعاون المتصاعد، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 45% خلال عام 2025 ليصل إلى نحو 3.7 مليارات دولار، محققاً نمواً إضافياً بنسبة 16% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 ليبلغ 2.2 مليار دولار.
تستعرض هذه الدراسة أبعاد الشراكة الاقتصادية السورية – التركية في ضوء المتغيرات السياسية والاقتصادية الراهنة، وتحلل الفرص والتحديات التي تواجهها، وتقدم رؤية استراتيجية لتحقيق التكامل الاقتصادي المنشود، انطلاقاً من رؤية تيار المستقبل السوري في بناء اقتصاد وطني قوي ومندمج إقليمياً.
أولاً، الملتقى الاقتصادي في دمشق:
في 26 آب/أغسطس 2026، انطلقت أعمال ملتقى رجال الأعمال السوري – التركي في فندق البوابات السبع بدمشق، بتنظيم مشترك بين وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، ووزارة التجارة التركية، واتحاد غرف التجارة السورية، ومجلس المصدرين الأتراك.
يأتي هذا الملتقى في سياق متصل بافتتاح الدورة الثالثة والستين لمعرض دمشق الدولي، حيث تشارك تركيا بوفد تجاري موسع يضم نحو 200 مشارك.
وقد أكد مدير هيئة الاستثمار السورية، أحمد رواد رمضان، خلال الافتتاح، أن سورية تقف اليوم أمام فرصة حقيقية لبناء مرحلة اقتصادية جديدة وتعزيز شراكة مع تركيا تقوم على الاستثمار والإنتاج المشترك.
وأشار إلى أن سوريا تحتاج إلى استثمارات واسعة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والعقارات والسياحة والزراعة والخدمات.
من جهته، كشف رئيس اتحاد غرف التجارة السورية، علاء العلي، عن طموح لرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من نحو 7 مليارات دولار إلى 10 مليارات دولار.
وأكد أن الروابط التاريخية والأخوية وعوامل الجوار، إلى جانب تقارب الأسواق والخبرات، تشكل قاعدة متينة لتكامل اقتصادي أوسع.
أما رئيس مجلس المُصدرين الأتراك، مصطفى غول تيبه، فأكد أن تركيا لا تنظر إلى سورية كسوق فقط، بل كجسر تجاري مهم نحو دول الخليج العربي، مشيراً إلى تباحث الجانبين لإنشاء مناطق صناعية مشتركة في المنطقة الحدودية.
ثانياً، المؤشرات الاقتصادية:
حجم التبادل التجاري، من 3.7 إلى 10 مليارات:
تشير البيانات الرسمية إلى قفزة نوعية في حجم التبادل التجاري بين البلدين.
فقد بلغت التجارة الثنائية نحو 3.7 مليارات دولار خلال عام 2025، محققة زيادة تجاوزت 40% عن العام السابق، وارتفعت بنسبة 45% بحسب تصريحات وزير التجارة التركي عمر بولات.
وخلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، سجل التبادل التجاري 2.2 مليار دولار بزيادة 16% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وبلغت صادرات تركيا إلى سورية 1.28 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 26.4%.
ووفقاً لبيانات مرصد التعقيد الاقتصادي، بلغت الصادرات التركية إلى سورية 214 مليون دولار في أيار/مايو 2026، مقابل واردات تركية من سورية بلغت 20.2 مليون دولار.
تكلفة إعادة الإعمار، 216 مليار دولار:
يقدر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سورية بنحو 216 مليار دولار، مع نطاق تقديري يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.
وتمثل البنية التحتية نحو 82 مليار دولار من هذه التكلفة.
هذا الرقم يعادل نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لسورية، مما يؤكد أن عملية التعافي الاقتصادي تتطلب استثمارات ضخمة تفوق قدرات الحكومة السورية وحدها، وتستدعي شراكات إقليمية ودولية واسعة.
ثالثاً، فرص الاستثمار والشراكة:
قطاعات واعدة:
حدد الجانبان السوري والتركي مجموعة من القطاعات الواعدة للاستثمار المشترك، تشمل:
- البنية التحتية والإنشاءات: حيث تمتلك الشركات التركية خبرات واسعة في إعادة الإعمار.
- الطاقة: تشمل توليد ونقل الكهرباء، حيث تعمل الشركات التركية على مشاريع في هذا القطاع، ومن المتوقع أن يسمح خط بيرة جيك – حلب بقدرة 500 ميغاواط بزيادة صادرات الكهرباء التركية إلى سوريا إلى نحو 900 ميغاواط.
- الصناعات الغذائية والمنسوجات: دخلت شركات تركية كبرى مثل LC Waikiki السوق السورية، حيث أطلقت أول مصنع لها في حلب بطاقة إنتاجية حالية تبلغ 150 عاملاً، مع خطط لتوسيعه إلى 1000 عامل خلال ثلاث سنوات.
- الخدمات اللوجستية والنقل: مع وجود 6 معابر حدودية تعمل بين البلدين، وتطوير معبر باب الهوى.
- التكنولوجيا والخدمات الرقمية.
الاستثمارات التركية المباشرة:
تشير التقارير إلى تزايد الاهتمام التركي بالاستثمار المباشر في سورية.
فقد وقعت سورية اتفاقية استراتيجية مع شركة "كوزي ستار" التركية لإنشاء حوض لبناء السفن في طرطوس، باستثمار لا يقل عن 190 مليون دولار خلال خمس سنوات.
كما وقع الجانبان اتفاقية تعاون في قطاع الفوسفات.
وذكر وزير الطاقة التركي أن الشركات التركية مستعدة لإجراء مسوحات زلزالية وحفر استكشاف في حقول النفط السورية البرية والبحرية.
المناطق الصناعية المشتركة:
ناقش الجانبان إنشاء مناطق صناعية مشتركة في المنطقة الحدودية، مع التخطيط لمناطق صناعية منظمة في كل من كمونة وسراقب.
كما تدرس دراسة جدوى ست مناطق صناعية محتملة في مدن أعزاز وسراقب والرقة واللاذقية وحسيا ودرعا.
وستشمل زيارة الوفد التركي المنطقة الصناعية في الشيخ نجار بحلب.
رابعاً، التحديات والعقبات:
رغم التفاؤل، تواجه الشراكة الاقتصادية السورية – التركية تحديات عدة:
أولاً: استمرار العقوبات الدولية، رغم رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، تبقى عقوبات محددة على شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق، مما قد يعيق بعض الاستثمارات.
ثانياً: تحديات البنية التحتية، حيث تعاني شبكات الطرق والكهرباء والمياه في سورية من دمار واسع، مما يرفع تكلفة الاستثمار ويطيل أمد العائد.
ثالثاً: عدم الاستقرار الأمني، فلا تزال بعض المناطق تشهد توترات أمنية، مما قد يردع المستثمرين.
رابعاً: الحاجة إلى إصلاحات تشريعية، حيث تتطلب جذب الاستثمارات تطوير بيئة الاستثمار وتبسيط الإجراءات، وهو ما تعمل عليه هيئة الاستثمار السورية، لكنه يحتاج إلى وقت.
خامساً، رؤية استراتيجية للشراكة السورية – التركية:
انطلاقاً من رؤية تيار المستقبل السوري في بناء اقتصاد وطني قوي ومندمج إقليمياً، نقترح المحاور التالية لتعزيز الشراكة السورية – التركية:
أولاً: الإسراع في إنشاء المناطق الصناعية المشتركة، تُعد المناطق الصناعية المشتركة آلية فعالة لنقل الخبرات التكنولوجية، وخلق فرص عمل، وزيادة الصادرات، ويمكن أن تكون نموذجاً للتعاون الاقتصادي بين سورية وجيرانها.
ثانياً: تعزيز التعاون في قطاع الطاقة، حيث يشكل التعاون في مجالات الكهرباء والنفط والغاز ركيزة أساسية للتعافي الاقتصادي، ويمكن أن يسهم في تخفيف أزمة الطاقة التي تعاني منها سورية.
ثالثاً: تطوير البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، مع وجود 6 معابر حدودية، تمتلك سورية وتركيا فرصة لأن تصبحا ممراً لوجستياً يربط أوروبا بالخليج وآسيا.
وقد أكد بولات أن "سورية تشكل ممراً مهماً للغاية لنا للوصول إلى منطقة الخليج بأكملها وشمال أفريقيا".
رابعاً: بناء شراكات في القطاع الزراعي والصناعات الغذائية.
يمكن للاستفادة من الأراضي الزراعية السورية والخبرات التركية في التصنيع الغذائي أن تسهم في تحقيق الأمن الغذائي وزيادة الصادرات.
خامساً: وضع إطار قانوني واضح للاستثمار، والعمل على إصدار تشريعات تحمي المستثمرين، وتسهل تحويل الأرباح، وتحد من البيروقراطية، بما يعزز الثقة في بيئة الاستثمار السورية.
يمثل ملتقى رجال الأعمال السوري – التركي في دمشق، والزخم الاقتصادي الذي رافقه، مؤشراً واضحاً على تحول نوعي في العلاقات الثنائية، من مرحلة التبادل التجاري المحدود إلى مرحلة التكامل الاقتصادي والشراكة الاستراتيجية.
فمع حجم تبادل تجاري تجاوز 3.7 مليارات دولار في 2025، وطموح لرفعه إلى 10 مليارات، واستثمارات تركية في قطاعات حيوية، تتجه سوريا وتركيا نحو بناء نموذج اقتصادي إقليمي واعد.
لكن هذا المسار، رغم أهميته، يبقى مرهوناً بقدرة سورية على تهيئة بيئة استثمارية جاذبة، وإنجاز الإصلاحات التشريعية والمؤسسية اللازمة، وتعزيز الاستقرار الأمني.
وفي المقابل، يتوقف نجاحه على استمرار الدعم التركي، وتوسيع نطاق الاستثمارات لتشمل قطاعات أوسع ومناطق أكثر.
في تيار المستقبل السوري، نؤمن بأن التعاون الاقتصادي مع تركيا يمثل ركيزة أساسية في مسار التعافي وإعادة الإعمار، وأن هذه الشراكة، إذا ما أُحسن إدارتها، يمكن أن تكون نموذجاً للاندماج الإقليمي القائم على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة.
ونحن على استعداد للمساهمة في بلورة رؤية اقتصادية متكاملة، تجعل من سورية جسراً للتعاون بين الشرق والغرب، ومن تركيا شريكاً استراتيجياً في بناء المستقبل.