يتابع تيار المستقبل السوري باهتمام الخطوات المتسارعة الرامية إلى إعادة دمج سورية في المنظومتين المالية والرقمية العالميتين، وما أعلنته وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات عن التواصل مع الشركات والمنصات التقنية العالمية لمراجعة القيود التي ما تزال مفروضة على وصول السوريين إلى عدد من الخدمات والمنتجات الرقمية.
ويأتي ذلك بالتوازي مع خطوة ذات دلالة اقتصادية ورمزية مهمة، تمثلت بقيام رئيس الجمهورية أحمد الشرع بإجراء أول عملية دفع معلنة باستخدام بطاقة Visa في أحد محال دمشق القديمة، بحضور حاكم مصرف سورية المركزي محمد صفوت رسلان، في مؤشر عملي على بداية عودة أدوات الدفع الدولية إلى الحياة الاقتصادية السورية.
وإننا في تيار المستقبل السوري نرى أن هذه الخطوات، وإن بدت في ظاهرها تقنية أو مصرفية، تحمل معنى أكبر يتعلق بإنهاء سنوات طويلة من العزلة المالية والاقتصادية والرقمية التي فُرضت على سورية، وكان المواطن السوري والاقتصاد الوطني أكبر المتضررين منها.
فالعالم اليوم لم يعد يفصل بين الاقتصاد والتكنولوجيا؛ إذ أصبحت أنظمة الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية الرقمية والحوسبة السحابية والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية جزءاً أساسياً من البنية التحتية لأي اقتصاد حديث.
ومن غير المقبول أن يبقى الطالب السوري أو الباحث أو المبرمج أو الطبيب أو المهندس أو التاجر أو صاحب المشروع الناشئ محروماً من أدوات وخدمات متاحة لنظرائه في معظم دول العالم، بسبب قيود ارتبطت بمرحلة سياسية سابقة دفع السوريون ثمنها لعقود.
وانطلاقاً من ذلك، يؤكد تيار المستقبل السوري ما يلي:
أولاً: نرحب بالخطوات الحكومية الهادفة إلى إعادة ربط سورية بالمنظومتين المالية والرقمية الدوليتين، ونرى في عودة استخدام وسائل الدفع العالمية خطوة مهمة يجب البناء عليها ضمن استراتيجية اقتصادية ومصرفية متكاملة.
ثانياً: ندعو إلى إعداد خطة وطنية واضحة لرفع العزلة الرقمية والمالية عن سورية، تتضمن حصراً شاملاً للخدمات والمنصات والبرمجيات وشبكات الدفع والخدمات المصرفية التي ما تزال غير متاحة للمواطن والمؤسسة السورية، ووضع جدول عمل لمعالجة أسباب استمرار هذه القيود.
ثالثاً: ندعو الشركات التقنية والمالية العالمية إلى إعادة تقييم القيود الجغرافية والتقنية المفروضة على سورية، وعدم الاستمرار بصورة تلقائية في تطبيق إجراءات وُضعت في ظروف سياسية وقانونية تغيرت بصورة جوهرية.
رابعاً: نرى ضرورة تسريع تطوير منظومة الدفع الإلكتروني في جميع المحافظات السورية، وتوسيع انتشار نقاط البيع والبطاقات المصرفية والمحافظ الإلكترونية، بما يسهل حياة المواطنين ويخفض الاعتماد المفرط على النقد ويعزز الشمول المالي.
خامساً: نؤكد أن تحديث أدوات الدفع يجب أن يترافق مع تحديث حقيقي للقطاع المصرفي السوري، وتعزيز معايير الحوكمة والشفافية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وحماية المستهلك، بما يساعد على استعادة الثقة بالمؤسسات المالية السورية ويفتح الطريق أمام علاقات مصرفية دولية مستقرة.
سادساً: ندعو إلى إعطاء الأولوية لرفع القيود عن الأدوات المتعلقة بالتعليم والبحث العلمي والحوسبة السحابية والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية والعمل عن بُعد، لما لهذه القطاعات من أثر مباشر في تنمية رأس المال البشري السوري وخلق فرص اقتصادية جديدة.
سابعاً: نرى ضرورة تمكين الشباب السوري والمبرمجين والمستقلين ورواد الأعمال والشركات الناشئة من الوصول إلى منصات العمل والخدمات والدفع والتجارة الدولية، بما يسمح بتحويل الكفاءات السورية من طاقات مهاجرة أو معطلة إلى قوة إنتاج داخل الاقتصاد الوطني.
ثامناً: نؤكد أن الانفتاح المالي والرقمي لا يكتمل بمجرد دخول البطاقات والمنصات العالمية إلى السوق السورية، وإنما يحتاج إلى بيئة داخلية حديثة تشمل إنترنت سريعاً ومتاحاً، وبنية اتصالات متطورة، وتشريعات رقمية عصرية، وحماية للبيانات الشخصية، وأمناً سيبرانياً فاعلاً، وقطاعاً مصرفياً قادراً على التعامل مع المعايير الدولية.
تاسعاً: ندعو مصرف سورية المركزي والجهات الحكومية المعنية إلى العمل على استعادة العلاقات المصرفية مع المؤسسات المالية الدولية والمصارف المراسلة، بما يسهل التحويلات والتجارة الخارجية والاستثمار وحركة رؤوس الأموال المشروعة، ويخفض كلفة التعاملات المالية على المواطنين والشركات السورية.
ويرى تيار المستقبل السوري أن مشهد استخدام بطاقة مصرفية دولية في أحد محال دمشق يحمل قيمة رمزية جميلة، لكن النجاح الحقيقي سيكون عندما تتحول هذه الصورة إلى خدمة اعتيادية متاحة لكل مواطن وتاجر ومستثمر في دمشق وحلب وحمص ودرعا ودير الزور وإدلب والساحل وسائر المحافظات السورية.
فالتحول الاقتصادي لا يُقاس بأول عملية دفع، بل بملايين العمليات التي تأتي بعدها، ولا يُقاس بوصول خدمة عالمية واحدة، بل بقدرة السوري على الوصول الطبيعي والآمن إلى الاقتصاد العالمي.
إن إعادة إعمار سورية ليست إعادة بناء الحجر فقط، وإنما إعادة بناء النظام المالي والمصرفي والرقمي الذي يربط المواطن والدولة والاقتصاد السوري بالعالم.
ونرى في تيار المستقبل السوري أن سورية أمام فرصة تاريخية للانتقال من اقتصاد أنهكته الحرب والعزلة والاعتماد على النقد إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً وشفافية ورقمنة وقدرة على المنافسة.
فسورية التي تستعيد مكانها في العالم سياسياً، يجب أن تستعيد مكانها فيه اقتصادياً ومالياً ورقمياً أيضاً.