يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ الإعلان الصادر عن الجهاز المركزي للرقابة المالية، يوم الخميس 06-08-2026 م، والمتضمن كشف قضية فساد مالي وإداري في المصرف العقاري تعود لعام 2021 بأثر مالي تجاوز 8.4 ملايين دولار أمريكي و11 مليون ليرة سورية قديمة، مع إحالة عدد من المسؤولين والمتعهد إلى القضاء المختص وفرض الحجز الاحتياطي على أموالهم.
ووفقاً للتحقيقات التي أجراها الجهاز ونشرتها وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، فإن العقد لتطوير وتحديث النظام المصرفي في المصرف العقاري أُبرم خلال فترة النظام المخلوع، وسط مخالفات قانونية وتعاقدية ومالية متعددة، منها إبرام العقد دون موافقة مجلس الإدارة، وإعفاء الشركة المتعهدة من غرامات التأخير دون سند قانوني، وصرف كامل مستحقات العقد نقداً عبر شركة حوالات خاصة بدلاً من التحويلات المصرفية الأصولية.
يُثمن تيار المستقبل السوري جهود الجهاز المركزي للرقابة المالية في كشف هذه القضية، ويرى فيها ثلاث دلالات رئيسية:
أولاً: تيار المستقبل السوري يُسجل أن هذا الكشف يُجسّد استمرارية العمل المؤسسي في كشف ملفات فساد النظام السابق، التي كانت عملاً منظماً وممتدا شمل معظم القطاعات الحيوية في الدولة، ونرى في هذه الاستمرارية مؤشراً على جدية الدولة في اجتثاث الفساد وملاحقة المتورطين، مهما تأخر الزمن.
ثانياً: تيار المستقبل السوري يُشير إلى أن هذه القضية تُبرز حجم الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة في عهد النظام المخلوع، حيث أُبرم العقد "دون موافقة مجلس الإدارة"، وتم صرف المستحقات نقداً "بدلاً من التحويلات المصرفية الأصولية"، مما يعكس غياباً تاماً للحوكمة والرقابة، ونرى في ذلك دليلاً إضافياً على أن منظومة الفساد لم تكن استثناءً، بل كانت طريقة عمل.
ثالثاً: تيار المستقبل السوري يُثمن الإجراءات القانونية التي اتخذها الجهاز، والتي شملت إحالة المتعهد ومدير عام المصرف العقاري ومعاونه والمدير المالي ومديرة العلاقات الخارجية وأعضاء اللجان إلى القضاء، مع فرض الحجز الاحتياطي على أموالهم.
ونرى في هذا الإجراء رسالة واضحة بأن الفساد لن يمر دون عقاب، وأن استرداد الأموال المنهوبة هو التزام وطني، كما أكدت دراسة التيار المنشورة في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 حول "الفساد والمحسوبية في سورية".
يُذكّر تيار المستقبل السوري في هذا السياق بمواقفه الثابتة المنشورة على موقعه الرسمي، والتي تؤكد على أن مكافحة الفساد هي أولوية قصوى لا تقل أهمية عن إعادة الإعمار:
- بيان "حملة وزارة المالية لمكافحة الفساد وإحالة ملفات إلى القضاء" (بتاريخ 24 أيّار/مايو 2026): ثمّن حملة وزارة المالية لمكافحة الفساد، وشدد على ضرورة أن تتحول الإجراءات إلى سياسات شفافة ومستدامة.
- بيان "توقيع مذكرة تفاهم سورية–سعودية لمكافحة الفساد" (بتاريخ 1 يونيو 2026): رحّب بالتعاون مع السعودية في هذا المجال، وأكد على أن "الشفافية ومكافحة الفساد هما ركيزتا أي شراكة دولية ناجحة".
- دراسة "الفساد والمحسوبية في سورية" (بتاريخ 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2024): أشارت الدراسة إلى أن محاربة الفساد واسترداد الأصول المنهوبة هي أولوية قصوى لا تقل أهمية عن إعادة بناء الجسور والمنازل.
غير أن تيار المستقبل السوري يرى أن كشف هذه القضية، رغم أهميته، يطرح تحديات كبرى تستوجب معالجة جذرية:
- استرداد الأموال المهدرة، فالكشف عن الفساد خطوة أولى، لكن التحدي الحقيقي يكمن في استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة المتورطين، خاصة مع حجم الأموال المكتشفة التي بلغت وفقاً لرئيس الجهاز نحو 679.5 مليار ليرة سورية و3.41 مليارات دولار خلال عام 2025 وحده.
- منع تكرار الممارسات السابقة، فالإجراءات القضائية وحدها لا تكفي لمنع تكرار الفساد، ما لم تقترن بإصلاحات تشريعية ومؤسسية تمنع الالتفاف على القوانين، أسوة بما نصت عليه المذكرة مع السعودية حول استخدام الذكاء الاصطناعي وإطلاق منصة رقمية للعقود الحكومية.
- الحاجة إلى منظومة رقابية استباقية، حيث نلفت ونؤيد ما أكد عليه رئيس الجهاز، أن الفساد "لم يكن مجرد حالات فردية"، مما يستوجب بناء منظومة رقابية استباقية تعتمد على البيانات والتحليل الذكي، وليس فقط على رصد المخالفات بعد وقوعها.
وانطلاقاً من مسؤوليته الوطنية في مراقبة مسار بناء الدولة، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- الإسراع في إقرار تشريعات تحمي المبلغين عن الفساد، وتُعزز استقلالية هيئات الرقابة، لضمان عدم تعرض أي موظف للانتقام أو التهميش بسبب إفصاحه عن تجاوزات، أسوة بأفضل الممارسات الدولية.
- إطلاق منصة رقمية علنية للعقود الحكومية، وجعلها إلزامية لكافة الجهات العامة، على أن تكون البيانات مفتوحة وقابلة للتحقق من قبل المواطنين والجهات الرقابية، أسوة بالتجربة السعودية التي تستفيد منها المذكرة.
- الإعلان عن خطة تنفيذية واضحة لاسترداد الأموال، بجداول زمنية محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، مع إشراك خبراء مستقلين في عملية المتابعة.
- تعزيز الشفافية في عمل الجهاز المركزي للرقابة المالية، عبر نشر تقارير دورية علنية عن إنجازاته وقضاياه، وإتاحة الفرصة للرأي العام لمراقبة أدائه، كما أشار رئيس الجهاز إلى خطط إصدار تقارير رقابية علنية.
يُثمن تيار المستقبل السوري كشف الجهاز المركزي للرقابة المالية لهذه القضية، ويرى فيها نموذجاً للعمل المؤسسي الجاد في كشف فساد النظام البائد ومحاسبة المتورطين.
ويُذكّر بأن مكافحة الفساد معركة وجود بالنسبة لسورية الجديدة، وتتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتشريعات رادعة، ومؤسسات رقابية مستقلة وفاعلة.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة الفاسدين شرط أساسي لبناء الثقة بين الدولة والمواطن، ولنجاح أي مسار للإصلاح الاقتصادي والسياسي.
وبدوره، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً لكل ما يُعزز النزاهة والشفافية، ناقداً لكل ما يعيق تحقيق العدالة والمساءلة، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية الجديدة التي يسودها القانون، وتُدار فيها مؤسسات الدولة بالكفاءة والنزاهة.