يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ التعميم الذي أصدره وزير المالية، محمد يسر برنية، يوم الإثنين 03-08-2026 م،، والذي ألزم بموجبه جميع المديرين العاملين في الوزارة والمؤسسات والهيئات التابعة لها أو المرتبطة بها، بالإفصاح عن أي صلة قرابة تربطهم بالموظفين العاملين لديهم حتى الدرجة الرابعة.
ويهدف التعميم، وفقاً لوزارة المالية، إلى ترسيخ النزاهة وتعزيز الشفافية، وتطبيق أحكام قرار رئاسة مجلس الوزراء رقم "5/م.و" لعام 2022، المتعلق بتنظيم إشهار المصالح في أثناء تولي الوظيفة العامة.
وقد وجّه التعميم مديرية التنمية الإدارية في الوزارة إلى متابعة تطبيق أحكام القرار، طالباً من جميع المديرين موافاتها بأي صلة قرابة تجمعهم بموظفين يعملون لديهم حتى الدرجة الرابعة، وذلك خلال أسبوعين من تاريخ صدوره، محذراً من أن عدم الإفصاح يعرّض المخالف للمساءلة وفسخ العقد فوراً.
يُسجل تيار المستقبل السوري أن هذا التعميم يحمل ثلاث دلالات رئيسية:
أولاً: يُجسّد اعترافاً رسمياً بحجم ظاهرة المحسوبية والقرابة الوظيفية التي استشرت في مؤسسات الدولة لعقود، حيث تحولت الوظيفة العامة إلى "ملكية عائلية" وزبائنية في كثير من الأحيان، وأصبحت الكفاءة والجدارة مجرد كلمات على ورق.
فالفساد الإداري والمالي كان أحد أخطر الأمراض التي فتكت بمؤسسات الدولة على مدى عقود، وكان أحد أهم دوافع الثورة السورية.
ونرى في هذا التعميم بداية لتفكيك هذه المنظومة، وفتح الباب أمام إدارة عامة قائمة على الكفاءة والنزاهة.
ثانياً: يُشير إلى أن وزارة المالية، التي كانت في عهد النظام المخلوع أداةً لنهب المال العام وإدارة الفساد، تتحول اليوم إلى جهة رقابية تتصدى لهذه الممارسات، وهو ماندعمه.
فالوزارة سبق أن أطلقت حملة لمكافحة الفساد وأحالت ملفات إلى القضاء، وتحركت ضد الفساد في المصارف والمؤسسات العامة، وهذا التعميم يأتي ضمن سلسلة إجراءات متصلة، تؤكد أن الوزارة تسير في اتجاه إصلاحي متدرج.
ثالثاً: يُظهر توجهاً حكومياً نحو تفعيل القوانين القائمة بدلاً من الاكتفاء بإصدار قوانين جديدة تبقى حبراً على ورق.
فالقرار رقم "5/م.و" صدر عام 2022، لكن تطبيقه ظل محدوداً.
وتيار المستقبل السوري يرى في تحريك هذا الملف مؤشراً على أن مرحلة "القوانين النائمة" آخذة في الانتهاء، وأن هناك إرادة لتفعيل التشريعات القائمة كخطوة أولى نحو إصلاح شامل.
رابعاً: (دلالة إضافية) يُعزّز مبدأ الشفافية والمساءلة في الوظيفة العامة، ويُرسخ ثقافة الإفصاح كقيمة مؤسسية، ويقطع الطريق على التمادي في استغلال المناصب العامة لتحقيق مكاسب عائلية أو شخصية، وهو ما يمثل تحولاً في الثقافة الإدارية السائدة.
يُذكّر تيار المستقبل السوري في هذا السياق بمواقفه الثابتة المنشورة على موقعه الرسمي، والتي تؤكد على أولوية مكافحة الفساد والمحسوبية كشرط أساسي لبناء الدولة الجديدة:
- بيان "حملة وزارة المالية لمكافحة الفساد وإحالة ملفات إلى القضاء" (بتاريخ 24 أيّار/مايو 2026): ثمّن حملة الوزارة لمكافحة الفساد، وشدد على ضرورة أن تتحول الإجراءات إلى سياسات شفافة ومستدامة.
- بيان "توقيع مذكرة تفاهم سورية–سعودية لمكافحة الفساد" (بتاريخ 1 حزيران/يونيو 2026): رحّب بالتعاون مع السعودية في هذا المجال، وأكد على أن "الشفافية ومكافحة الفساد هما ركيزتا أي شراكة دولية ناجحة".
- بيان "أهمية الرقابة الشعبية في حماية مسار التحول الوطني" (بتاريخ 11 تموز/يوليو 2025): دعا إلى إرساء سياسة تعيين وطنية قائمة على الكفاءة والنزاهة، بعيداً عن المحسوبيات والولاءات الحزبية.
- دراسة "الفساد والمحسوبية في سورية" (بتاريخ 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2024): أشارت الدراسة إلى أن محاربة الفساد واسترداد الأصول المنهوبة هي أولوية قصوى لا تقل أهمية عن إعادة بناء الجسور والمنازل.
غير أن تيار المستقبل السوري يرى أن التعميم، رغم أهميته، يواجه تحديات كبرى تستوجب معالجة جذرية:
- محدودية النطاق: فالتعميم يقتصر على وزارة المالية والمؤسسات التابعة لها، بينما ظاهرة القرابة الوظيفية منتشرة في كافة مؤسسات الدولة، مما يستوجب تعميماً شاملاً يطال جميع الوزارات والهيئات العامة.
- الفجوة بين النص والتنفيذ: فالقرار الوزاري يظل حبراً على ورق ما لم يقترن بآليات رقابية ومتابعة دقيقة، تضمن الالتزام به ومعاقبة المخالفين، كمت نُذكر هنا بأن الخطر الأكبر الذي يواجه أي إجراء من هذا النوع هو أن يظل "حبيس الأدراج".
- غياب الحماية للمبلغين: فالإفصاح عن حالات القرابة قد يعرّض المبلّغين للانتقام أو التهميش، مما يستوجب توفير آليات حماية قانونية للموظفين المجتهدين.
- ضعف ثقافة الإفصاح: فالكثير من الموظفين يعتبرون الإفصاح عن القرابة "تدخلاً في الخصوصية" أو "إحراجاً" للزملاء، مما يتطلب حملات توعية لتغيير هذه النظرة.
- غياب العقوبات الرادعة: فالتعميم حذّر من "المساءلة وفسخ العقد"، لكنه لم يحدد عقوبات تدريجية واضحة، مما قد يجعل التهديد غير جاد في نظر البعض.
انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية في مراقبة مسار بناء الدولة ومؤسساتها، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- تعميم التجربة على كافة الوزارات والمؤسسات العامة: بحيث تصبح الإفصاحات عن حالات القرابة إجراءً روتينياً في جميع مفاصل الدولة، وليس مقتصراً على وزارة المالية فقط.
- ربط الإفصاح بقواعد بيانات مركزية: لضمان عدم التحايل على النظام، عبر إنشاء سجل وطني للإفصاحات، يمكن الرجوع إليه في أي وقت للتحقق من صحة المعلومات.
- تفعيل آليات الرقابة والمتابعة: عبر تشكيل لجان متابعة في كل وزارة، تكون مسؤولة عن التحقق من الإفصاحات، واتخاذ الإجراءات بحق المخالفين، أسوة بالقرار الذي ينص على تشكيل لجنة في كل وزارة.
- إطلاق حملات توعية مستدامة: لتعريف الموظفين بأهمية الإفصاح، وشرح أن الشفافية ليست انتهاكاً للخصوصية، بل حماية للمال العام وتعزيز للثقة بين المواطن والدولة.
- توفير آليات حماية للمبلّغين: لضمان عدم تعرّض أي موظف للانتقام أو التهميش بسبب إفصاحه عن حالات القرابة أو التجاوزات.
- تحديد عقوبات تدريجية وواضحة: بحيث تتناسب مع حجم المخالفة، وتكون رادعة لمن تسوّل له نفسه التحايل على النظام.
يُثمن تيار المستقبل السوري هذه الخطوة التي تُعزز النزاهة والشفافية في المؤسسات العامة، ويرى فيها مؤشراً إيجابياً على أن الدولة تتجه نحو تفكيك منظومة المحسوبية التي استشرت لعقود.
كما نُذكر بأن محاربة الفساد والمحسوبية معركة وجود بالنسبة لسورية الجديدة، فالمؤسسات التي تقوم على المحسوبية لا يمكن أن تبنى دولة قوية وعادلة.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن النجاح الحقيقي لهذا التعميم لا يُقاس بعدد الإفصاحات، بل بقدرته على تحقيق تغيير حقيقي في ثقافة العمل المؤسسي، وترسيخ مبدأ أن الوظيفة العامة هي خدمة للوطن، وليست ملكية عائلية.
فسورية الجديدة التي ننشدها هي سورية المؤسسات، حيث تكون الكفاءة والنزاهة هما معيار التقييم الوحيد، وتُصان فيها حقوق المواطنين في الحصول على خدمات عامة عادلة، بعيداً عن المحسوبيات والولاءات.
وبدوره، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً لكل ما يُعزز النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد، ناقداً لكل ما يعيق تحقيق العدالة والمساواة، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية جديدة يسودها القانون، وتُدار فيها مؤسسات الدولة بالكفاءة والنزاهة.