من الاعتماد على الإمدادات إلى بناء القدرة الإنتاجية

أبلغت الحكومة السورية الجديدة الولايات المتحدة استعدادها لخفض واردات النفط الروسي بشكل ملموس، وذلك في إطار المحادثات الجارية بشأن إزالة اسم الجمهورية العربية السورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ويأتي هذا الإعلان في وقت تؤمّن فيه الشحنات الروسية، وفق تقديرات مستندة إلى بيانات تتبع السفن وتقارير إعلامية متطابقة، نحو 60 ألف برميل يومياً، لتصبح المورد الخارجي الرئيسي للخام الذي تعتمد عليه المصافي السورية.

ويمثل هذا التطور أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة الاقتصادية منذ نهاية عام 2024، إذ يجمع بين اعتبارات أمن الطاقة، وإعادة التموضع الجيوسياسي، وإعادة هيكلة قطاع النفط والغاز، بما يجعل نتائجه مؤثرة في الاقتصاد الوطني والسياسة الخارجية معاً.

السياق التاريخي والتحول في مصادر الإمداد:

قبل عام 2011 كانت سورية تنتج نحو 383 ألف برميل يومياً، وتحقق فائضاً للتصدير، قبل أن يتراجع الإنتاج تدريجياً خلال سنوات النزاع ليصل في بعض التقديرات إلى أقل من 40 ألف برميل يومياً بحلول عام 2023.

واعتمد النظام البائد بصورة رئيسية على الإمدادات الإيرانية، التي تراوحت بين 33 و100 ألف برميل يومياً، ثم توقفت عملياً مع نهاية عام 2024، ليحل النفط الروسي تدريجياً محلها، حيث بلغت الشحنات الروسية نحو 16.8 مليون برميل خلال عام 2025، ثم ارتفعت بنسبة تقارب 75% خلال الأشهر الأولى من عام 2026.

ولم يكن هذا الاعتماد انعكاساً لخيار سياسي مجرد، بقدر ما كان نتيجة مباشرة للعقوبات، وصعوبة الوصول إلى منظومة التمويل والتأمين والشحن العالمية، وتراجع القدرة الإنتاجية المحلية.

وفي الوقت ذاته، بقي إدراج سورية على قائمة الدول الراعية للإرهاب أحد أهم العوائق التي حدّت من اندماج قطاع الطاقة السوري في الأسواق العالمية، رغم تخفيف جانب مهم من العقوبات الاقتصادية خلال عام 2025.

المعادلة الراهنة:

تتفاوت التقديرات حول حجم الطلب المحلي، إذ تشير بعض المصادر إلى نحو 150 ألف برميل يومياً، فيما ترفع تقديرات أخرى الرقم إلى مستويات أعلى.

أما الإنتاج المحلي المعلن خلال مطلع عام 2026 فيدور حول 100 ألف برميل يومياً أو أقل، مع استمرار الجهود لإعادة تأهيل حقول الشمال الشرقي، وفي مقدمتها حقل العمر.

ولا تزال البيانات الرسمية المتعلقة بالمخزون التجاري والاحتياطي الاستراتيجي في خزانات بانياس وحمص محدودة، الأمر الذي يجعل أي خفض سريع أو غير مدروس للواردات الروسية يحمل مخاطر مباشرة على تشغيل المصافي، وتأمين المشتقات النفطية، واستقرار الأسعار، واستمرار النشاط الاقتصادي.

ومن هنا، فإن أمن الطاقة لا يقاس فقط بتنوع مصادر الاستيراد، بل بقدرة الدولة على ضمان استمرار الإمدادات في مختلف الظروف، عبر بناء احتياطيات استراتيجية كافية، وتطوير مرافق التخزين والنقل والتكرير، بما يمنع تحول أي أزمة سياسية أو عسكرية إلى أزمة معيشية داخلية.

الأبعاد السياسية والجيوسياسية:

يحمل خفض الاعتماد على النفط الروسي دلالات سياسية تتجاوز الجوانب الفنية.

فروسيا لا تزال تمتلك حضوراً عسكرياً ولوجستياً داخل سورية، ويشكل قطاع الطاقة أحد أهم أدوات نفوذها الاقتصادية. ومن ثم فإن أي خفض ملموس في الواردات قد يُقرأ باعتباره إعادة تعريف لطبيعة العلاقة الثنائية، وربما ينعكس على ملفات أخرى، مثل الحبوب، والكهرباء، والتعاون العسكري، ومستقبل القواعد الروسية.

وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى تقليص الاعتماد على النفط الروسي باعتباره جزءاً من تقليص النفوذ الاقتصادي لموسكو، دون أن تعلن رسمياً أن ذلك شرط لإزالة سورية من قائمة الإرهاب.

ولذلك، فإن إدارة هذا الملف تستوجب قدراً عالياً من التوازن، بحيث تبقى المصلحة الوطنية السورية هي المعيار الحاكم، بعيداً عن الانزلاق إلى اصطفافات دولية قد تُفقد البلاد هامش المناورة الذي تحتاج إليه خلال المرحلة الانتقالية.

كما ينبغي ألا يتحول قطاع الطاقة إلى أداة للمقايضة السياسية بين القوى الدولية، بل يجب أن تُبنى سياسات التوريد والاستثمار على اعتبارات الكفاءة الاقتصادية والاستقرار طويل الأمد، بما يحفظ استقلال القرار الوطني.

الخيارات المتاحة والقيود العملية:

يمكن تصنيف البدائل المتاحة إلى أربعة مسارات رئيسية:

أولاً: رفع الإنتاج المحلي.

ويمثل استعادة الطاقة الإنتاجية لحقول العمر والتنك ورميلان الخيار الأكثر استدامة على المدى البعيد.

وتستهدف الخطط الحكومية الوصول إلى نحو 250 ألف برميل يومياً بحلول نهاية عام 2027، إلا أن ذلك يتطلب استثمارات كبيرة في إعادة تأهيل الآبار وخطوط النقل ومحطات المعالجة، فضلاً عن إصلاحات مؤسسية داخل الشركة السورية للبترول، وتحديث البيئة التشريعية لجذب الاستثمارات.

ثانياً: تنويع مصادر الاستيراد.

حيث يبقى العراق الخيار الأقرب جغرافياً، سواء عبر النقل البري أو من خلال إعادة تأهيل خط أنابيب حديثة–بانياس مستقبلاً.

أما دول الخليج، فتمتلك إمكانات تمويلية ولوجستية كبيرة، إلا أن الجزء الأهم من مساهمتها قد يكون في الاستثمار وإعادة الإعمار أكثر من توفير الخام بصورة دائمة، مع الأخذ بالحسبان المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بممرات الشحن البحري.

ثالثاً: الشراكات الدولية والاستثمار.

فقد بدأت بالفعل مباحثات ومذكرات تفاهم مع شركات غربية وخليجية في مجالات الاستكشاف والغاز والطاقة.

ويمكن لهذه الشراكات أن ترفع إنتاج الغاز الطبيعي، وتخفف الاعتماد على الوقود السائل في توليد الكهرباء، وتحدث البنية التحتية، لكنها لا تمثل بديلاً فورياً عن النفط الخام الروسي.

رابعاً: تنويع مزيج الطاقة.

إن مستقبل أمن الطاقة السوري لا ينبغي أن يبقى رهناً بالنفط وحده، بل يجب توسيع الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتشجيع مشاريع كفاءة الطاقة، بما يخفف الطلب على الوقود الأحفوري ويمنح الاقتصاد السوري مرونة أكبر في مواجهة التقلبات الدولية.

الإصلاح المؤسسي:

إن نجاح أي تحول في سياسة الطاقة لا يتوقف على تأمين الإمدادات فحسب، بل يعتمد أيضاً على بناء مؤسسات قوية وشفافة.

ومن الضروري تسريع إصلاح قطاع النفط والغاز، وتوحيد المرجعيات الإدارية، وتطوير البيئة القانونية الناظمة للاستثمار، مع تحديث مصفاتي بانياس وحمص ورفع كفاءتهما التشغيلية، بما يقلل الفاقد ويزيد القدرة على إنتاج مشتقات ذات جودة أعلى.

كما ينبغي مكافحة تهريب المشتقات النفطية وضبط السوق السوداء، لأن أي زيادة في الإنتاج ستفقد جزءاً كبيراً من أثرها الاقتصادي إذا استمرت منافذ التسرب والهدر.

وفي الوقت نفسه، فإن نشر البيانات الدورية المتعلقة بالإنتاج والاستهلاك والمخزون والعقود سيعزز ثقة المستثمرين، ويمكن صناع القرار والباحثين من تقييم السياسات بصورة علمية، ويحد من الشائعات والمضاربات.

الرؤية التنفيذية المطلوبة:

إن نجاح أي تحول في سياسة الطاقة يتطلب العمل وفق مجموعة من الأولويات المتكاملة، أهمها:

  • جدولة خفض الواردات الروسية بصورة تدريجية ومتزامنة مع توفير بدائل حقيقية.
  • زيادة الإنتاج المحلي بالتوازي مع إعادة تأهيل الحقول والبنية التحتية.
  • تحديث المصافي ومنظومات النقل والتخزين.
  • بناء احتياطي استراتيجي يكفي لمواجهة الأزمات الطارئة.
  • تسريع الإصلاحات القانونية والمؤسسية لجذب الاستثمارات.
  • توسيع الاستثمار في الغاز والطاقة المتجددة.
  • تعزيز الشفافية ونشر البيانات الدورية المتعلقة بقطاع الطاقة.
  • ربط سياسات الطاقة بخطط التنمية وإعادة الإعمار وتعزيز الأمن الاقتصادي.

خلاصة:

يمثل الإعلان السوري مؤشراً على رغبة في إعادة التموضع الاقتصادي والجيوسياسي، والانتقال من نموذج الاعتماد على مورد خارجي واحد إلى نموذج أكثر تنوعاً واستدامة.

غير أن نجاح هذا التحول لن يتحقق بمجرد استبدال مورد خارجي بآخر، وإنما يتطلب رؤية وطنية شاملة تجعل من قطاع الطاقة ركيزة للاستقلال الاقتصادي، لا مجالاً لتبديل أشكال التبعية.

ومن هذا المنطلق، يرى تيار المستقبل السوري أن الأولوية الاستراتيجية يجب أن تنصرف إلى استعادة القرار الوطني في إدارة الموارد الطبيعية، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتنويع الشركاء، وتحديث البنية التحتية، وبناء مؤسسات شفافة وقادرة على التخطيط بعيد المدى. فالدول لا تحقق أمنها الطاقي بتغيير مورّد النفط فقط، وإنما ببناء اقتصاد منتج، وسيادة مؤسسية، وقدرة ذاتية تجعل مواردها الطبيعية رافعة للتنمية والاستقرار والسيادة الوطنية.

شاركها على:

اقرأ أيضا

التعميم الوزاري حول القرابة الوظيفية

التعميم الوزاري حول القرابة الوظيفية وكيف يضمن النزاهة في المؤسسات العامة

5 أغسطس 2026

إدارة الموقع

أول مول صناعي في حلب

أول مول صناعي في حلب من خلال عقد استثماري مع شركة أسفكس

5 أغسطس 2026

إدارة الموقع