تُعد الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع، ويظل استقرارها مرهوناً بقدرتها على تنشئة أفرادها تنشئة سليمة، تقوم على العلم والوعي والمسؤولية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن حق المرأة في التعليم لا يقتصر على كونه حقاً فردياً أو مطلباً حقوقياً، بل يتجاوز ذلك ليصبح قضية وطنية تمس حاضر سورية ومستقبلها، لأن تعليم الفتاة هو استثمار مباشر في بناء الأسرة، وتنمية المجتمع، وتعزيز الاستقرار.
وقد كرّم الإسلام المرأة، وجعل طلب العلم حقاً وواجباً دون تمييز بين الرجل والمرأة، وجاءت النصوص الشرعية حاثّة على العلم والمعرفة، باعتبارهما أساساً لعمارة الأرض وإقامة الحياة الصالحة. ومن ثم فإن الدعوة إلى تعليم المرأة ليست استجابة لاتجاهات معاصرة فحسب، بل هي امتداد لقيم حضارية راسخة تؤمن بأن العلم هو طريق النهضة، وأن المرأة شريك أصيل في بناء الأسرة والمجتمع.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية، كما أكدت الدراسات الدولية، أن التعليم يمثل الدرع الأول في مواجهة العديد من الظواهر الاجتماعية السلبية، وفي مقدمتها الزواج المبكر، الذي يحرم الفتاة من طفولتها، ويقيد فرصها في التعلم والعمل، ويضعها أمام مسؤوليات تفوق قدراتها النفسية والجسدية، بما ينعكس سلباً على الأسرة والمجتمع والدولة.
وفي الحالة السورية، ازدادت التحديات خلال سنوات الحرب وما رافقها من نزوح وفقر وانقطاع عن التعليم وتفكك اجتماعي، الأمر الذي أدى في بعض المناطق إلى ارتفاع معدلات التسرب المدرسي، وما تبعه من زيادة حالات الزواج المبكر، سواء بدافع الخوف، أو الحاجة الاقتصادية، أو فقدان المعيل، أو ضعف الوعي، أو غياب البدائل المناسبة. ولذلك فإن إعادة الفتيات إلى مقاعد الدراسة ينبغي أن تكون جزءاً أساسياً من مشروع إعادة بناء الإنسان السوري، بالتوازي مع إعادة إعمار البنية التحتية.
ولا ينبغي النظر إلى الزواج المبكر بوصفه مجرد قرار عائلي، بل هو قضية تنموية واجتماعية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحقوق الطفل، ومستوى التعليم، والصحة العامة، والتنمية الاقتصادية، وجودة الحياة، بل وتمس مستقبل رأس المال البشري الذي تعتمد عليه الدول في نهضتها.
ويشكل التعليم أهم وسائل الوقاية من هذه الظاهرة، لأنه يمنح الفتاة المعرفة التي تمكنها من فهم حقوقها وواجباتها، ويعزز ثقتها بنفسها، ويفتح أمامها آفاقاً أوسع للمشاركة في الحياة العامة، ويجعلها أكثر قدرة على اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبلها.
كما أن استمرار الفتاة في التعليم يسهم بصورة مباشرة في تأخير سن الزواج، ويزيد فرصها في الحصول على عمل كريم، ويمنحها استقلالاً اقتصادياً يساعدها على بناء أسرة أكثر استقراراً، قائمة على الشراكة والوعي والمسؤولية، كما يمنحها القدرة على اختيار شريك حياتها على أسس من التوافق الفكري والأخلاقي والإنساني، بعيداً عن ضغوط الفقر أو الأعراف الاجتماعية التي قد تدفع نحو قرارات متسرعة.
وتشير تقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، والبنك الدولي، إلى وجود علاقة واضحة بين ارتفاع مستويات تعليم الفتيات وانخفاض معدلات الزواج المبكر، حيث تقل احتمالية زواج الفتيات اللواتي يكملن تعليمهن الثانوي مقارنة بمن انقطعن عن الدراسة في مراحل مبكرة.
ولا يقتصر أثر تعليم المرأة على شخصها فحسب، بل يمتد إلى أسرتها بأكملها. فالأم المتعلمة تكون أكثر قدرة على رعاية أطفالها صحياً وتربوياً، وأكثر التزاماً ببرامج الرعاية الصحية والتطعيم، وأكثر وعياً بأساليب التربية السليمة والتغذية الصحية، وأكثر حرصاً على استمرار أبنائها وبناتها في التعليم، وهو ما ينعكس على تحسن مؤشرات الصحة العامة، وانخفاض معدلات الفقر، ورفع جودة الحياة داخل الأسرة.
كما تسهم المرأة المتعلمة في زيادة دخل الأسرة، وتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية، ورفع الإنتاجية الوطنية، الأمر الذي يجعل الاستثمار في تعليم الفتيات استثماراً اقتصادياً بامتياز، وليس مجرد إنفاق على قطاع التعليم.
وقد أكدت العديد من الدراسات الاقتصادية أن تعليم المرأة يعد من أكثر الاستثمارات الاجتماعية عائداً على التنمية المستدامة.
وفي المقابل، فإن حرمان الفتاة من التعليم يترتب عليه آثار خطيرة، تبدأ بفقدان فرص التطور الشخصي، ولا تنتهي عند زيادة احتمالات الفقر والبطالة والتبعية الاقتصادية، فضلاً عن المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل المبكر، وارتفاع احتمالات التعرض للعنف الأسري نتيجة اختلال التوازن في العلاقة الزوجية عندما تكون الزوجة طفلة لم تكتمل شخصيتها بعد، إضافة إلى زيادة احتمالات التعرض للاستغلال الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى الاتجار بالبشر في البيئات الهشة.
ومن المهم التأكيد على أن معالجة ظاهرة الزواج المبكر لا ينبغي أن تقتصر على إصدار القوانين أو تشديد العقوبات، رغم أهمية الإطار القانوني، وإنما تتطلب معالجة جذور المشكلة، وفي مقدمتها الفقر، والتسرب المدرسي، وضعف الحماية الاجتماعية، وتراجع الوعي المجتمعي، لأن الحلول المستدامة تبدأ من المدرسة قبل أن تبدأ من قاعات المحاكم.
كما أن بناء سورية الجديدة يتطلب إعادة الاعتبار للتعليم بوصفه أولوية وطنية، وتوفير بيئة تعليمية آمنة للفتيات في جميع المحافظات، ودعم الأسر الأكثر هشاشة، حتى لا تضطر إلى التضحية بمستقبل بناتها تحت ضغط الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية.
وفي عصر التحول الرقمي، لم يعد التعليم محصوراً داخل جدران المدرسة، بل أصبح التعليم الإلكتروني والمنصات الرقمية أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تضمن استمرار تعليم الفتيات، ولا سيما في المناطق النائية أو المتضررة، وهو ما يستدعي الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتطوير المحتوى التعليمي الإلكتروني بما يضمن وصول التعليم إلى الجميع.
ولا تقع مسؤولية تعليم الفتاة على المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية الأسرة أيضاً، ويؤدي الأب دوراً محورياً في تشجيع ابنته على مواصلة تعليمها، وغرس الثقة في نفسها، وحمايتها من الضغوط الاجتماعية التي قد تدفعها إلى ترك المدرسة أو الزواج المبكر، كما تشكل الأم المتعلمة القدوة الأولى في ترسيخ قيمة العلم لدى أبنائها وبناتها.
ويرى مكتب الأسرة في تيار المستقبل السوري أن تمكين المرأة يبدأ من تمكينها علمياً، وأن حماية الفتاة لا تتحقق بحرمانها من فرص الحياة، وإنما بتمكينها من اكتساب المعرفة، وتنمية شخصيتها، والمشاركة الفاعلة في بناء أسرتها ووطنها، ضمن منظومة من القيم الأصيلة التي تحترم كرامة الإنسان، وتحفظ مكانة الأسرة، وتوازن بين الحقوق والواجبات.
كما يؤمن المكتب بأن المرأة المتعلمة ليست فقط أماً صالحة أو موظفة ناجحة، بل هي شريك في بناء السلم الأهلي، وترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز التماسك المجتمعي، والمشاركة في إعادة إعمار سورية، لأن بناء الأوطان بعد النزاعات يحتاج إلى عقول متعلمة بقدر حاجته إلى البنية التحتية.
إن المجتمع الذي يفتح أبواب المدارس أمام بناته، إنما يفتح أبواب المستقبل أمام وطنه، لأن تعليم المرأة لا يصنع امرأة متعلمة فحسب، بل يصنع أماً واعية، وأسرة مستقرة، ومجتمعاً أكثر تماسكاً، واقتصاداً أكثر إنتاجية، ودولة أكثر قدرة على النهوض.
توصيات مكتب الأسرة في تيار المستقبل السوري:
- تعزيز فرص التحاق الفتيات بالتعليم الأساسي والثانوي، والحد من ظاهرة التسرب المدرسي.
- إطلاق برامج وطنية لدعم الأسر الفقيرة بما يخفف الضغوط الاقتصادية التي تدفع نحو الزواج المبكر.
- إعادة تأهيل المدارس في المناطق المتضررة، وضمان وصول التعليم الآمن لجميع الأطفال دون تمييز.
- دعم التعليم الإلكتروني والتعليم عن بُعد بوصفه رافداً مكملاً للتعليم النظامي.
- نشر الوعي المجتمعي بمخاطر الزواج المبكر من خلال المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية.
- تعزيز دور الأسرة، ولا سيما الأب والأم، في تشجيع تعليم البنات واستمرارهن في الدراسة.
- توفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة للفتيات في جميع المناطق السورية.
- دعم برامج التأهيل المهني والجامعي للمرأة بما يعزز مشاركتها في التنمية الاقتصادية.
- مراجعة التشريعات والسياسات ذات الصلة بما يحقق حماية الطفل والأسرة، ويراعي المصلحة الفضلى للطفل.
- تشجيع الشراكة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني والمؤسسات الدينية والتربوية لتعزيز ثقافة التعليم وحماية الأسرة.
- إعداد قاعدة بيانات وطنية لرصد التسرب المدرسي والزواج المبكر، بما يساعد على بناء سياسات قائمة على الأدلة.
إن حماية حق الفتاة في التعليم ليست قضية تخص المرأة وحدها، بل هي قضية وطنية تمس مستقبل الأسرة، واستقرار المجتمع، وقدرة الدولة على النهوض.
فكل فتاة تبقى في مقاعد الدراسة هي خطوة نحو سورية أكثر علماً وعدلاً واستقراراً، وكل مقعد دراسي يُحفظ لفتاة اليوم قد يصنع غداً أماً واعية، ومربية للأجيال، وقائدة في مجتمعها، وشريكة حقيقية في بناء الوطن. ومن هنا، فإن الاستثمار في تعليم المرأة ليس استثماراً في فرد، بل استثمار في مستقبل سورية بأكملها.