الحماية القانونية للطفل في التشريع السوري

أولاً: المقدمة:

يُعد الطفل محور العملية التنموية، والركيزة الأساسية في بناء الأسرة، كما تُعد الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع والدولة. ولذلك فإن مقدار ما يتمتع به الأطفال من حماية قانونية واجتماعية وصحية وتعليمية، يعكس بصورة مباشرة مستوى تطور الدولة وسيادة القانون فيها.

فالطفولة ليست مرحلة عمرية عابرة، وإنما هي المرحلة التي تتشكل فيها شخصية الإنسان وقيمه وسلوكه وقدرته المستقبلية على المشاركة في بناء وطنه. وكل خلل يصيب هذه المرحلة ينعكس لاحقاً على المجتمع بأسره، سواء في الجوانب الاجتماعية أو الاقتصادية أو الأمنية أو الثقافية.

وقد أدركت التشريعات الحديثة هذه الحقيقة، فانتقلت من اعتبار الطفل مجرد تابع لسلطة الأسرة، إلى اعتباره شخصاً مستقلاً يتمتع بمجموعة متكاملة من الحقوق، تلتزم الدولة والمجتمع والأسرة بحمايتها وضمانها.

ولم يعد معيار تقدم الدول يقاس فقط بمعدلات النمو الاقتصادي أو التطور العمراني، وإنما أصبح يقاس أيضاً بمدى قدرتها على حماية أطفالها من العنف والاستغلال والإهمال والتمييز، وتأمين حقهم في التعليم والرعاية الصحية والهوية القانونية والعيش الكريم.

وفي الحالة السورية، ازدادت أهمية حماية الطفل بعد سنوات طويلة من الحرب والنزاعات المسلحة، وما نتج عنها من نزوح ولجوء وفقدان للمعيل، وارتفاع نسب الفقر، والتسرب المدرسي، وعمالة الأطفال، وتزايد أعداد الأطفال فاقدي الوثائق الرسمية أو المنفصلين عن أسرهم، الأمر الذي يجعل حماية الطفولة اليوم ضرورة وطنية، وليست مجرد التزام قانوني.

ورغم أن التشريعات السورية تضمنت عدداً كبيراً من النصوص التي ترعى حقوق الطفل، إلا أن هذه النصوص بقيت موزعة بين قوانين متعددة، الأمر الذي يصعب معه تكوين رؤية قانونية متكاملة، ويجعل تطبيقها العملي أكثر تعقيداً نتيجة تداخل الاختصاصات بين الجهات المختلفة.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، التي لا تهدف إلى مجرد استعراض النصوص القانونية، وإنما إلى تحليلها وبيان مدى كفايتها، ورصد الثغرات القائمة، وتقديم رؤية إصلاحية تنطلق من مبادئ سيادة القانون، وتنسجم مع احتياجات المجتمع السوري في مرحلة إعادة بناء الدولة.

ثانياً: المرجعية القانونية والدولية لحماية الطفل:

لا تقوم حماية الطفل على التشريعات الوطنية وحدها، وإنما تستند كذلك إلى منظومة متكاملة من الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي أصبحت جزءاً أساسياً من الفكر القانوني المعاصر، والتي تنظر إلى الطفل بوصفه صاحب حقوق أصيلة لا يجوز الانتقاص منها.

وتُعد اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 المرجع الدولي الأهم في هذا المجال، إذ أرست أربعة مبادئ أساسية أصبحت تمثل الإطار الحاكم لجميع التشريعات المتعلقة بالطفولة، وهي:

  • مبدأ عدم التمييز بين الأطفال لأي سبب كان.
  • مبدأ المصلحة الفضلى للطفل في جميع القرارات المتعلقة به.
  • حق الطفل في الحياة والبقاء والنماء.
  • حق الطفل في التعبير عن آرائه والاستماع إليه بما يتناسب مع عمره ونضجه.

وقد انضمت الجمهورية العربية السورية إلى اتفاقية حقوق الطفل، الأمر الذي يجعل أحكامها تمثل مرجعاً مهماً عند تطوير التشريعات الوطنية، مع مراعاة التحفظات التي أعلنتها الدولة السورية عند الانضمام، وما قد يستدعيه ذلك من مراجعات مستقبلية في ضوء التطورات القانونية والدستورية.

كما ترتبط حماية الطفل بعدد من الاتفاقيات الدولية الأخرى، وفي مقدمتها:

  • اتفاقية مناهضة التعذيب.
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
  • اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بمنع أسوأ أشكال عمل الأطفال.
  • البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة.
  • البروتوكول الاختياري بشأن بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء والمواد الإباحية.

وتؤكد هذه الاتفاقيات جميعها أن الطفل يتمتع بحقوق مستقلة عن حقوق والديه، وأن الدولة تتحمل مسؤولية مباشرة في توفير الحماية القانونية له، كلما عجزت الأسرة عن ذلك أو أخلّت بواجباتها.

ومن هذا المنطلق، لم تعد حماية الطفل مسألة خيرية أو اجتماعية، بل أصبحت التزاماً قانونياً ودستورياً وأخلاقياً يقع على عاتق جميع مؤسسات الدولة.

ثالثاً: الإطار التشريعي السوري لحماية الطفل:

رغم عدم وجود تشريع واحد يستوعب جميع الأحكام المتعلقة بالطفل بصورة تفصيلية، فإن المنظومة القانونية السورية تتضمن شبكة واسعة من النصوص التي تتكامل فيما بينها لتوفير الحماية القانونية للأطفال.

وتتوزع هذه الأحكام بين قانون حقوق الطفل، وقانون العقوبات، وقانون العمل، وقوانين التعليم، وقوانين الصحة، وقوانين الأحوال الشخصية، وقانون الأحداث، إضافة إلى التشريعات الخاصة بمكافحة الاتجار بالأشخاص.

غير أن هذا التوزع التشريعي، على الرغم من شموله النسبي، يفرض تحديات عملية تتمثل في تداخل الاختصاصات، وصعوبة الإحاطة بجميع النصوص ذات الصلة، الأمر الذي يستدعي مراجعة شاملة للمنظومة القانونية بما يعزز وضوحها وسهولة تطبيقها.

وسوف نستعرض فيما يلي أبرز أوجه الحماية القانونية التي قررها المشرع السوري للأطفال، مع بيان أهم مواطن القوة والثغرات التي ما تزال بحاجة إلى تطوير فيها

رابعاً: الحماية التشريعية للطفل في القوانين السورية

الحماية من العنف والإساءة والإهمال:

أولى المشرع السوري حماية الطفل من مختلف صور العنف اهتماماً خاصاً، ولا سيما بعد صدور قانون حقوق الطفل رقم (21) لعام 2021، الذي شكل نقلة نوعية في تنظيم حقوق الطفل بصورة أكثر شمولاً.

فقد نصت المادة (14) من القانون على حظر جميع أشكال العنف والإساءة التي قد يتعرض لها الطفل، سواء كانت جسدية أو نفسية أو لفظية أو جنسية، كما حظرت الإهمال والاستغلال وسوء المعاملة والامتهان، وألزمت الجهات المختصة باتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال المعرضين للخطر.

ويكتسب هذا النص أهمية كبيرة لأنه لم يعد يقتصر على تجريم الاعتداء بعد وقوعه، وإنما وسّع مفهوم الحماية ليشمل الوقاية والتدخل المبكر، باعتبار أن حماية الطفل تبدأ قبل وقوع الضرر وليس بعده.

إلا أن التطبيق العملي ما يزال بحاجة إلى آليات أكثر وضوحاً للإبلاغ عن حالات العنف، وتوفير وحدات حماية متخصصة، وتأهيل الكوادر القادرة على التعامل مع الأطفال المعنفين، بما يضمن سرعة التدخل وتقليل الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على تلك الانتهاكات.

الحماية الجنائية في قانون العقوبات:

لم يترك قانون العقوبات السوري الجرائم الواقعة على الأطفال دون معالجة، بل تضمن العديد من النصوص التي تشدد العقوبات عندما يكون المجني عليه طفلاً، ولا سيما في الجرائم التي تمس الحياة، أو السلامة الجسدية، أو الحرية، أو الأخلاق العامة.

كما شدد القانون المسؤولية في الحالات التي يكون فيها الجاني ممن يتولون رعاية الطفل أو يتمتعون بسلطة أو ولاية عليه، لأن الاعتداء في هذه الحالة يمثل خيانة لواجب الرعاية قبل أن يكون جريمة بحق المجني عليه.

وتظهر أهمية هذه النصوص في أنها تنظر إلى الطفل باعتباره فئة تستحق حماية جنائية مضاعفة بسبب ضعف قدرته على الدفاع عن نفسه، غير أن هذه الحماية تحتاج إلى مراجعة مستمرة لمواكبة الجرائم المستحدثة، وخاصة الجرائم الإلكترونية والاستغلال عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

مكافحة الاتجار بالأطفال والاستغلال:

يشكل الاتجار بالأطفال أحد أخطر الجرائم المنظمة في العصر الحديث، لما ينطوي عليه من انتهاك صارخ لكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.

وقد عالج المرسوم التشريعي رقم (3) لعام 2010 الخاص بمكافحة الاتجار بالأشخاص هذه الجريمة، وشدد العقوبات عندما يكون المجني عليه طفلاً، نظراً لخطورة استغلال الأطفال في أعمال السخرة أو الاستغلال الجنسي أو التسول المنظم أو غيرها من صور الاستغلال.

كما ينسجم هذا التشريع مع الالتزامات الدولية لسورية في مكافحة الاتجار بالبشر، إلا أن التطورات الحديثة، ولا سيما الاتجار الإلكتروني، تستوجب تحديث وسائل المكافحة وآليات التعاون القضائي والأمني، وتعزيز حماية الضحايا وإعادة تأهيلهم.

حماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي (تشغيل الأطفال):

يمثل تشغيل الأطفال قبل اكتمال نموهم أحد أخطر مظاهر انتهاك حقوق الطفل، لما يترتب عليه من آثار صحية ونفسية وتعليمية طويلة الأمد.

ولذلك حظر قانون العمل السوري رقم (17) لعام 2010 تشغيل الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر، كما منع تشغيل اليافعين في المهن الخطرة أو الضارة بالصحة، وفرض غرامات وعقوبات بحق أصحاب المنشآت المخالفين.

ويمثل هذا التنظيم خطوة مهمة في حماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي، إلا أن الظروف الاقتصادية التي مرت بها سورية خلال سنوات الحرب أدت إلى اتساع ظاهرة عمالة الأطفال، الأمر الذي يجعل الحاجة ملحة إلى تعزيز الرقابة، وتقديم الدعم الاقتصادي للأسر الفقيرة، حتى لا يتحول الفقر إلى سبب يدفع الأطفال إلى سوق العمل على حساب تعليمهم وصحتهم.

الحق في التعليم:

يُعد التعليم أحد أهم الحقوق الأساسية للطفل، لأنه يمثل المدخل الحقيقي لبناء الإنسان وتمكينه من ممارسة باقي حقوقه.

وقد كفل قانون حقوق الطفل حق الطفل في التعليم المجاني، كما ألزم قانون التعليم الإلزامي أولياء الأمور بإلحاق أطفالهم بالمدارس خلال المرحلة الإلزامية، ورتب مسؤوليات قانونية على مخالفة ذلك.

غير أن الواقع السوري أفرز تحديات كبيرة تمثلت في تضرر المدارس، والنزوح، والفقر، وارتفاع معدلات التسرب المدرسي، مما يجعل معالجة هذه الظاهرة مسؤولية وطنية تتطلب تكامل السياسات التعليمية والاجتماعية والاقتصادية، وعدم الاكتفاء بالعقوبات القانونية وحدها.

الحق في الصحة والرعاية النفسية:

لم تقتصر الحماية القانونية على الجوانب التعليمية أو الجنائية، وإنما امتدت لتشمل الحق في الرعاية الصحية.

فألزم قانون حقوق الطفل الجهات الصحية بتوفير اللقاحات الأساسية، والرعاية الطبية، والعلاج، والوقاية من الأمراض، إضافة إلى الاهتمام بالصحة النفسية للأطفال، ولا سيما أولئك الذين تعرضوا للحروب أو النزوح أو الصدمات.

وتبرز أهمية هذا الجانب بصورة خاصة في سورية، حيث يحتاج آلاف الأطفال إلى برامج متخصصة للدعم النفسي وإعادة التأهيل، باعتبار أن آثار الحرب لا تقتصر على الدمار المادي، وإنما تمتد إلى الصحة النفسية للأجيال القادمة.

الحماية في قوانين الأحوال الشخصية:

تلعب قوانين الأحوال الشخصية دوراً أساسياً في تنظيم حياة الطفل داخل الأسرة، من خلال أحكام النسب، والحضانة، والنفقة، والولاية، والرعاية.

ورغم أن الغاية الأساسية لهذه الأحكام هي تحقيق مصلحة الطفل، إلا أن بعض النصوص ما تزال بحاجة إلى مراجعة دورية بما ينسجم مع التطورات الاجتماعية، ويضمن أن تكون المصلحة الفضلى للطفل هي المعيار الحاكم في جميع القرارات القضائية والإدارية المتعلقة به، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى.

عدالة الأحداث:

تميز التشريع السوري بين الطفل الجانح والبالغ، انطلاقاً من أن الطفل يحتاج إلى الإصلاح والتأهيل أكثر من حاجته إلى العقوبة.

ولذلك أفرد المشرع قواعد خاصة بمحاكمة الأحداث، تراعي أعمارهم وظروفهم النفسية والاجتماعية، وتهدف إلى إعادة دمجهم في المجتمع، مع تقليل اللجوء إلى الحرمان من الحرية قدر الإمكان.

غير أن تطوير عدالة الأحداث ما يزال يتطلب تعزيز المحاكم المتخصصة، وتدريب القضاة وأعضاء النيابة والمحامين والشرطة على التعامل مع الأطفال وفق المعايير الدولية، وتوسيع نطاق التدابير البديلة للعقوبات السالبة للحرية.

الحق في الهوية القانونية:

يشكل تسجيل الطفل في السجلات المدنية الخطوة الأولى في الاعتراف القانوني بوجوده، إذ يترتب عليه حصوله على اسمه وجنسيته ووثائقه الرسمية، وتمكينه من التعليم والرعاية الصحية وسائر الحقوق المدنية.

وقد أفرزت سنوات النزاع في سورية تحديات كبيرة في هذا المجال، نتيجة فقدان الوثائق أو عدم تسجيل الولادات أو انفصال الأطفال عن أسرهم، مما يجعل معالجة هذه الملفات أولوية تشريعية وإنسانية لضمان عدم حرمان أي طفل من شخصيته القانونية وحقوقه الأساسية.

التحديات والثغرات في منظومة حماية الطفل:

على الرغم من أن التشريعات السورية تضمنت عدداً كبيراً من النصوص التي تكفل حماية الطفل، إلا أن معيار كفاءة المنظومة القانونية لا يُقاس بعدد القوانين، وإنما بمدى قدرتها على توفير حماية فعلية على أرض الواقع.

ومن خلال قراءة التشريعات النافذة، ومقارنتها بالتحديات التي أفرزتها الظروف السورية خلال السنوات الماضية، يمكن الوقوف على عدد من الإشكاليات التي تستوجب المراجعة والتطوير.

تشتت النصوص القانونية:

تتوزع الأحكام المتعلقة بالطفل بين عدد كبير من القوانين، كقانون حقوق الطفل، وقانون العقوبات، وقانون العمل، وقانون التعليم الإلزامي، وقوانين الأحوال الشخصية، وغيرها.

ورغم أن هذا التنوع يحقق قدراً من الحماية، إلا أنه يؤدي إلى صعوبة الإحاطة بجميع الأحكام، ويزيد من احتمالات تضارب الاختصاصات، ويجعل الوصول إلى الحماية القانونية أكثر تعقيداً بالنسبة للمواطنين والجهات المختصة.

الفجوة بين النص والتطبيق:

تُظهر التجربة العملية أن المشكلة الأساسية لا تكمن دائماً في غياب النصوص القانونية، وإنما في ضعف تنفيذها.

فكثير من حالات عمالة الأطفال، والتسرب المدرسي، والعنف الأسري، والاستغلال الاقتصادي، لا تعود إلى نقص التشريع بقدر ما تعود إلى ضعف الرقابة، ونقص الإمكانات، وتداخل المسؤوليات بين المؤسسات المختلفة.

لذلك فإن نجاح أي إصلاح تشريعي يبقى مرهوناً بوجود مؤسسات قادرة على تطبيق القانون بصورة فعالة.

غياب منظومة وطنية متكاملة لحماية الطفل:

ما تزال الجهات المختصة بحماية الطفل موزعة بين وزارات وهيئات متعددة، دون وجود منظومة موحدة لإدارة الحالات، أو قاعدة بيانات وطنية، أو جهة مركزية تنسق بين مختلف المؤسسات.

وهذا يؤدي في كثير من الأحيان إلى بطء التدخل، أو ضياع المسؤولية، أو ازدواجية الإجراءات.

آثار الحرب والنزوح:

خلّفت سنوات الحرب تحديات غير مسبوقة، تمثلت في ازدياد أعداد الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، والأطفال النازحين واللاجئين، والأطفال فاقدي الوثائق الرسمية، إضافة إلى تراجع الخدمات الصحية والتعليمية في العديد من المناطق.

وتفرض هذه الظروف ضرورة اعتماد سياسات قانونية واجتماعية استثنائية تراعي خصوصية المرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية.

الحماية في البيئة الرقمية:

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني بيئة جديدة قد يتعرض فيها الأطفال للابتزاز، أو التنمر، أو الاستغلال الجنسي، أو انتهاك الخصوصية، أو الاستدراج من قبل الجماعات الإجرامية.

ورغم خطورة هذه الجرائم، فإن التشريعات الحالية ما تزال بحاجة إلى تطوير أحكام أكثر تخصصاً لمواجهة هذه التحديات الحديثة.

الأطفال ذوو الإعاقة:

تتطلب حماية الأطفال ذوي الإعاقة ضمان وصولهم إلى التعليم والرعاية الصحية والتأهيل والخدمات العامة دون تمييز، مع إزالة العوائق التي تحول دون اندماجهم الكامل في المجتمع.

الأطفال المفقودون والمنفصلون عن أسرهم:

من أبرز آثار النزاع السوري ظهور حالات كثيرة لأطفال فقدوا ذويهم، أو انفصلوا عن أسرهم، أو فقدوا وثائقهم الرسمية.

وتقتضي هذه الحالات إنشاء آليات وطنية للبحث عن الأطفال المفقودين، ولمّ شمل الأسر، وحماية الهوية القانونية للأطفال، ومنع أي استغلال قد يتعرضون له.

الزواج المبكر:

لا تزال ظاهرة الزواج المبكر تمثل تحدياً اجتماعياً وقانونياً، لما يترتب عليها من آثار صحية ونفسية وتعليمية، خاصة بالنسبة للفتيات.

ومن الضروري مراجعة الأحكام القانونية ذات الصلة، بما يضمن حماية الطفل، ويجعل المصلحة الفضلى له مقدمة على أي اعتبارات أخرى.

سادساً: رؤية المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري:

يرى المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري أن حماية الطفل ليست ملفاً اجتماعياً فحسب، بل هي قضية وطنية واستراتيجية، لأنها تتعلق ببناء الإنسان الذي سيحمل مسؤولية إعادة بناء الدولة السورية في المستقبل.

كما يؤكد المكتب أن حماية الطفل لا تتحقق بمجرد إصدار القوانين، وإنما بتكامل ثلاثة عناصر رئيسية:

  • تشريعات حديثة وواضحة.
  • مؤسسات قوية وفعالة.
  • ثقافة مجتمعية تحترم حقوق الطفل وتصون كرامته.

ويؤمن المكتب بأن الطفل ليس محل رعاية أو إحسان، وإنما هو صاحب حقوق أصيلة تكفلها القوانين الوطنية والمواثيق الدولية، ويجب أن تكون مصلحته الفضلى هي الأساس الذي تُبنى عليه جميع السياسات العامة.

سابعاً: توصيات المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري:

استناداً إلى ما تقدم، يوصي المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري بما يلي:

  1. مراجعة وتطوير قانون حقوق الطفل رقم (21) لعام 2021، بما يعزز تكامله مع بقية التشريعات ويعالج الثغرات القائمة.
  2. توحيد المرجعية القانونية المتعلقة بالطفل، وجمع الأحكام المتفرقة أو الإحالة إليها بصورة واضحة، بما يحقق سهولة التطبيق ويمنع تضارب الاختصاصات.
  3. إنشاء هيئة وطنية مستقلة لحماية الطفل، أو تفعيل الهيئة القائمة، لتتولى التنسيق بين الجهات المعنية، واستقبال الشكاوى، ومتابعة تنفيذ التشريعات.
  4. استحداث نظام وطني للإبلاغ عن حالات العنف والإهمال والاستغلال، مع حماية المبلغين وضمان سرية الإجراءات.
  5. إنشاء قاعدة بيانات وطنية للأطفال المفقودين والمنفصلين عن أسرهم، وتطوير برامج فعالة للم شمل الأسر.
  6. تطوير تشريعات مكافحة الجرائم الإلكترونية بحق الأطفال، وتجريم الابتزاز والتنمر والاستغلال الرقمي بصورة أكثر تفصيلاً.
  7. تعزيز حماية الأطفال من العنف الأسري، من خلال نصوص واضحة تتيح للقضاء اتخاذ تدابير حماية عاجلة، بما فيها تقييد الولاية أو الحضانة مؤقتاً عند الاقتضاء.
  8. تطوير منظومة عدالة الأحداث، والتوسع في التدابير الإصلاحية والبدائل عن الاحتجاز، وتعزيز المحاكم والنيابات المتخصصة.
  9. مراجعة التشريعات المتعلقة بعمالة الأطفال والزواج المبكر، بما يحقق حماية أكبر للطفولة، ويراعي الظروف الاجتماعية والاقتصادية.
  10. ضمان الحق في التعليم والصحة لجميع الأطفال، بمن فيهم أطفال النزوح واللجوء وذوو الإعاقة، وعدم السماح بأن تكون الظروف الاقتصادية سبباً في حرمانهم من حقوقهم الأساسية.
  11. تخصيص موازنات مستقلة لحماية الطفل، تشمل برامج الدعم النفسي، والتأهيل الاجتماعي، والخدمات القانونية، مع تعزيز دور الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين في المدارس.
  12. إطلاق حملات وطنية للتوعية القانونية، بالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني، لتعريف الأسر والمعلمين والأطفال بحقوقهم وواجباتهم وآليات الحماية القانونية.
  13. إصدار تقرير وطني سنوي عن أوضاع الطفولة في سورية، يتضمن مؤشرات دقيقة عن التعليم، والصحة، والعنف، وعمالة الأطفال، والتسرب المدرسي، بما يساعد في رسم السياسات العامة على أسس علمية.

ثامناً: الخاتمة:

إن حماية الطفل ليست ترفاً تشريعياً، ولا قضية مؤجلة إلى ما بعد الاستقرار، بل هي أحد أهم معايير بناء الدولة الحديثة.

فكل طفل تُصان كرامته، ويُحمى من العنف، ويحصل على تعليم جيد، ورعاية صحية مناسبة، وبيئة أسرية آمنة، يمثل استثماراً حقيقياً في مستقبل سورية.

ويرى المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مجرد سن القوانين إلى بناء منظومة وطنية متكاملة لحماية الطفل، تقوم على سيادة القانون، وكفاءة المؤسسات، والشراكة مع المجتمع، بحيث تصبح المصلحة الفضلى للطفل معياراً حاكماً في التشريع والإدارة والقضاء.

فبناء سورية الجديدة لا يبدأ بإعادة إعمار الحجر فحسب، وإنما يبدأ قبل ذلك بإعادة بناء الإنسان، ولا يمكن تحقيق ذلك دون توفير بيئة قانونية ومؤسسية تضمن لكل طفل حقه في الحياة الكريمة، والتعليم، والصحة، والأمان، والعدالة، ليكون شريكاً حقيقياً في صناعة مستقبل وطنه.

شاركها على:

اقرأ أيضا

تعليم المرأة هو حصن الأسرة السورية

تعليم المرأة هو حصن الأسرة السورية، فهو أساس بناء مجتمع مستقر وتعزيز الوعي والمسؤولية في الأجيال القادمة.

24 يوليو 2026

إدارة الموقع

ملف المفقودين في سورية وحق العائلات في معرفة الحقيقة

أهمية ملف المفقودين في سورية وحق العائلات في معرفة الحقيقة في سياق العدالة الانتقالية

24 يوليو 2026

إدارة الموقع