في زنازين صيدنايا، حيث توقفت ساعات آلاف المعتقلين عند عتبات النسيان، وحيث تحولت جدران الحجر إلى شاهد صامت على وحشية استثنائية، يطل علينا بحث أكاديمي قانوني بعنوان "من الصمت إلى المحاكمة: سجن صيدنايا بوصفه نموذجاً للسجون الخارجة عن القانون"، ليحوّل تلك الجدران إلى نص قانوني مقروء، ويُخرج الملف من دائرة الشهادات الانفعالية إلى فضاء التحليل القانوني الرصين، في خطوة تنسجم تماماً مع رؤية المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري التي تؤمن بأن التوثيق العلمي الرصين هو المدخل الحقيقي للمساءلة وكشف الحقيقة.
الدراسة، التي أعدتها المحامية غزل هشام أوطه باشي بإشراف الأستاذ علي البردقاني لنيل لقب أستاذة في المحاماة، أطروحة قانونية تستحق التوقف عندها، وذلك لما تقدمه من منهجية علمية تجعل من سجن صيدنايا حالة دراسية لفهم أعمق أزمة سيادة القانون في سورية، وهو ما يضعه في صلب اهتمامات المكتب الحقوقي لـِ تيار المستقبل السوري الذي يرى في قضايا المعتقلين والمفقودين نواةً لعمل حقوقي استراتيجي.
أولاً، إشكالية القانون بين النص والممارسة:
تحتل الإشكالية مركز البحث، وتتلخص في سؤال حارق: كيف يمكن لمرفق تابع للدولة، يحكمه دستور وقوانين تحظر التعذيب وتكفل المحاكمة العادلة، أن يتحول إلى بقعة معزولة عن القانون، تُمارس فيها أبشع انتهاكات حقوق الإنسان بعيداً عن رقابة القضاء؟.
يضع هذا السؤال الباحثة أمام تناقض بنيوي: النصوص الدستورية السورية (المادة 33 و 51 من دستور 2012) تتغنى بالحرية والكرامة، وقانون أصول المحاكمات الجزائية يوجب أن التوقيف لا يكون إلا بأمر قضائي، وقانون العقوبات يعاقب على الحجز غير المشروع (المادة 357).
لكن الباحثة تثبت، عبر تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ولجنة التحقيق الدولية، أن صيدنايا كان يُدار بآليات موازية تماماً، حيث كانت أوامر الأجهزة الأمنية تعلو على الأحكام القضائية، وتتحول الضمانات الدستورية إلى حبر على ورق.
وهذا ما يضعه المكتب الحقوقي في صلب أولوياته الرقابية من رصد الفجوة بين النص القانوني والممارسة الفعلية، والعمل على سدها من خلال التوصيات الإصلاحية التي تمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً.
ثانياً، توثيقٌ يُخرج الانتهاك من فرديته إلى منهجيته:
لم تكتفِ الباحثة بسرد الانتهاكات، بل عملت على توصيفها قانونياً، وهذا هو الفارق الجوهري في منهجها، وهي ذات المنهجية التي يعتمدها المكتب الحقوقي في توثيقه القائم على الدقة والموضوعية.
فهي لا تقدم لنا قصة مأساوية عن التعذيب، بل تُحيل تلك الأفعال إلى نصوص قانونية واضحة تتمثل بـ:
- الاعتقال التعسفي أصبح انتهاكاً لقانون العقوبات، وللعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وهو ما يمثل خرقاً صريحاً لمبدأ الشرعية الجزائية.
- التعذيب المنهجي جرى تكييفه كجريمة مستقلة بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب (1984)، وهي جريمة لا تسقط بالتقادم ولا يُبررها أي ظرف استثنائي، مما يرسخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
- الإخفاء القسري صُنف وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كجريمة ضد الإنسانية، إذا ما تم في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين، وهو توصيف يفتح الباب أمام آليات المحاسبة الدولية.
بهذا الانتقال، تنتقل الباحثة برسالتها من خانة "التوثيق الإخباري" إلى خانة "الإثبات القانوني"، وتقدّم موادّ تُمكن أي جهة قضائية – وطنية أو دولية – من البدء بملاحقة مرتكبي هذه الأفعال، وهو الهدف الذي يسعى إليه المكتب الحقوقي من خلال إعداد الملفات الحقوقية ورفعها إلى الجهات المختصة وفق الأصول القانونية المرعية.
ثالثاً، بين القضاء العسكري والرقابة الغائبة:
ومن أبرز ما كشفه البحث هو الالتباس القانوني في تبعية سجن صيدنايا.
فرغم أنه أنشئ بموجب قرار من وزارة الدفاع كسجن عسكري، إلا أنه احتوى على آلاف المدنيين، وهذا يشكل خرقاً صريحاً لاختصاص القضاء العادي، ويتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز في المعاملة.
ولقد تحول السجن بفعل هذا الفراغ القانوني إلى كيان مغلق، لا تملك النيابة العامة دخوله، ولا المحامون الوصول إلى موكليهم فيه، ولا حتى المنظمات الدولية معرفة عدد نزَلائه بدقة.
وهذا يؤكد ما يعمل عليه المكتب الحقوقي من ضرورة إخضاع جميع مراكز الاحتجاز للرقابة القضائية الفعلية، وضمان وصول الجهات القضائية المختصة إليها دون قيود.
تشير الباحثة إلى أن تعدد المرجعيات القضائية (مدنية، عسكرية، أمنية) لم يُنتج رقابة مشددة، بل أنتج مناطق رمادية تفلتت من أي مساءلة.
وهذه ليست مجرد إشكالية تقنية، بل أزمة دولة بكاملها، حين تصبح أجهزتها فوق القانون، وهو ما يتطلب، كما ترى الباحثة وكما يؤكد المكتب الحقوقي، مراجعة شاملة للتشريعات الناظمة لعمل الأجهزة الأمنية والقضائية بما يضمن وحدة المرجعية القضائية وعدم الازدواجية.
رابعاً، العدالة الانتقالية:
يحمل الفصل الأخير من البحث عنواناً طموحاً: "نحو إعادة بناء مفهوم الدولة القانونية"، وهنا تتحول الدراسة من تشخيص المرض إلى وصف الدواء، في تناغم مع رسالة المكتب الحقوقي في دعم العدالة الانتقالية، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر.
تستعرض الباحثة نموذج جنوب أفريقيا في عدالتها الانتقالية، حيث وازنت بين كشف الحقيقة والمصالحة، ونموذج الأرجنتين وتشيلي في محاكمة مرتكبي الانتهاكات إبان الحكم العسكري.
وتخلص إلى أن سورية – في أي مرحلة انتقالية مقبلة – لن تستطيع تجاوز ملف صيدنايا إذا أرادت بناء دولة القانون، وذلك عبر:
- إصلاح المنظومة التشريعية وإخضاع كل أماكن الاحتجاز للرقابة القضائية الفعلية، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
- إنشاء آلية وطنية مستقلة لتلقي الشكاوى وحماية الشهود والناجين، تكون ذات مصداقية وقادرة على مواجهة الإفلات من العقاب.
- التعاون مع الآليات الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، خاصة وأن جرائم صيدنايا غير قابلة للتقادم، مما يبقي الباب مفتوحاً أمام المحاسبة مهما طال الزمن.
وقد حرص المكتب الحقوقي في ميثاقه على تجسيد هذه التوجهات ضمن مهامه الأساسية، من خلال دعم جهود العدالة الانتقالية والمساءلة، والمساهمة في إعداد السياسات الحقوقية للتيار التي تضمن عدم تكرار المأساة.
خامساً، قيمة البحث في لحظة سورية الراهنة (وفق رؤية المكتب الحقوقي):
لا يمكن قراءة هذا البحث بمعزل عن التحولات الهائلة التي شهدتها سورية في ديسمبر 2024، بسقوط نظام الأسد وبدء مرحلة جديدة في تاريخ البلاد. فما كان بالأمس مجرد ملف نظري للبحث الأكاديمي، قد يصبح اليوم وثيقة عمل فعلية للمشرعين والقضاة الذين سيواجهون مهمة إعادة بناء العدالة.
وهنا يأتي دور المكتب الحقوقي لـِ تيار المستقبل السوري كجهازٍ متخصص يعمل على:
- تبني مثل هذه الدراسات كمراجع قانونية معتمدة في صياغة السياسات الحقوقية للتيار.
- رصد المستجدات المحلية والإقليمية والدولية حول سورية، وإصدار البيانات والمواقف الحقوقية وفقاً لها، تماماً كما فعلت الباحثة في ربط ملف صيدنايا بالمعايير الدولية.
- التنسيق الدائم مع المكاتب الأخرى والأجهزة في التيار، لضمان تكامل الجهود في معالجة هذا الملف الحساس، وتبادل المعلومات والخبرات بما يحقق المصلحة العامة للعمل الحقوقي.
وكما تختم الباحثة رسالتها باقتضاب مؤثر: "القانون إن لم يكن حارساً للكرامة الإنسانية، فقد جوهر رسالته".
يذكّرنا هذا البحث بأن صيدنايا لم يكن مجرد سجن، بل كان أداة لإفراغ القانون من مضمونه، وأن استعادة القانون هي استعادة للدولة ذاتها.
وهو ما يلتزم به المكتب الحقوقي، إيماناً منه بأن العمل في هذا الملف مهمة وطنية وإنسانية، تستوجب الإخلاص والتفاني، بعيداً عن أي اعتبارات شخصية.
خاتمة:
في النهاية، نأمل أن يجد هذا العمل طريقه إلى المكتبات والمراكز الحقوقية، وأن يكون نقطة انطلاق لحوار جاد حول إصلاح القضاء والسجون في سورية الجديدة.
وللباحثة غزل أوطه باشي ومشرفيها، كل التقدير من المكتب الحقوقي على هذه الإضافة النوعية، التي تحول الألم إلى معرفة، والصمت إلى قضية، والقضية إلى طريق نحو المحاكمة.
"من الصمت إلى المحاكمة" لم تعد مجرد عنوان دراسة، بل أصبحت وصفاً دقيقاً لمهمة أجيال سورية قادمة تتجلى في إعادة القانون إلى مكانه، وإعادة الكرامة إلى من نُزعت منهم.
وهي الرؤية ذاتها التي ينطلق منها المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري، واضعاً نصب عينيه مواطناً سورياً حُراً كريماً، في دولة القانون والمؤسسات، حيث العدالة هي الضامن الوحيد لاستقرار المجتمع وسلامه.