عاشوراء وانتصار الحق على الطغيان

يأتي يوم عاشوراء من كل عام ليذكّر البشرية بأن الظلم، مهما بلغ من القوة والجبروت، فإن نهايته إلى زوال، وأن الحق، مهما طال ابتلاؤه، فإن العاقبة له بإذن الله.

ففي هذا اليوم نجّى الله تعالى نبيه موسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين، وأغرق فرعون وجنده، لتبقى هذه القصة درساً خالداً لا يخص زمناً دون زمن، ولا أمة دون أمة، وإنما هي سنة من سنن الله في التاريخ، قال تعالى ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾.

ولذلك صام نبينا محمد ﷺ يوم عاشوراء شكراً لله تعالى، وقال: «نحن أحق بموسى منهم.»

ثم رغّب في صيامه، مبيناً فضله العظيم، وأنه سبب لتكفير ذنوب سنةٍ مضت.

إن شعبنا السوري، وهو يستذكر عاشوراء، لا يستحضر مجرد حدث تاريخي، وإنما يستلهم منه معاني الصبر والثبات، والثقة بوعد الله، والإيمان بأن الطغيان لا يدوم، وأن الدماء التي أريقت ظلماً لا تضيع عند الله.

لقد عاش السوريون سنوات طويلة تحت حكم استبدادي مارس القتل والاعتقال والتهجير والإخفاء القسري، حتى غدت سورية مثالاً لمعاناة الإنسان تحت سلطة لا تعرف حرمة الدم ولا كرامة الإنسان. ومع سقوط نظام بشار الأسد، انطوت صفحة من أكثر صفحات تاريخ سورية ألماً، وبدأت مسؤولية جديدة تتمثل في بناء الدولة، وإقامة العدل، وصيانة الحقوق، ومنع تكرار الاستبداد بأي صورة كان.

إن المقارنة بين نجاة موسى عليه السلام من فرعون، ونجاة السوريين من نظام الاستبداد، ليست مقارنة بين الأشخاص أو الأزمنة، وإنما هي استحضار لسنة ربانية تتكرر عبر التاريخ، مفادها أن الظلم إلى زوال، وأن الشعوب إذا صبرت وتمسكت بالحق فإن الله يفتح لها أبواب الفرج، وإن طال الطريق.

وعاشوراء يعلمنا كذلك أن النجاة ليست نهاية الطريق، بل بدايته. فبعد أن نجا موسى عليه السلام، بدأ بناء الأمة، وحمل الرسالة، وإقامة الشريعة والعدل.

وكذلك فإن خلاص سورية من الاستبداد ليس غاية بحد ذاته، وإنما هو بداية مرحلة جديدة تتطلب العمل الجاد، والمصالحة المجتمعية القائمة على العدالة، وبناء المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، واحترام كرامة الإنسان، وصيانة وحدة البلاد.

كما يعلمنا عاشوراء أن الشكر الحقيقي لله تعالى لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالعمل الصالح، والإصلاح، وإقامة العدل، والابتعاد عن الظلم والانتقام والفوضى.
فلا يجوز أن يستبدل شعبٌ طاغيةً بطاغية، ولا ظلماً بظلم، ولا فساداً بفساد، لأن رسالة الأنبياء جميعاً قامت على تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، وإقامة ميزان العدل بين الناس.

ومن أعظم دروس عاشوراء أن الله ينصر المظلوم ولو بعد حين، وأن التاريخ لا يخلّد الجبابرة، بل يخلّد أصحاب المبادئ. فكم من فرعون ظن أن ملكه خالد، فإذا به يصبح عبرة للأمم، وكم من مستضعفين ظن الناس أنهم انتهوا، فإذا بهم يصنعون المستقبل.

وفي هذا اليوم المبارك، يدعو تيار المستقبل السوري – المكتب الديني أبناء شعبنا إلى اغتنام فضيلة صيام عاشوراء، والإكثار من الدعاء والاستغفار، وتجديد العهد مع الله تعالى على أن تكون سورية القادمة دولة عدل وقانون ومواطنة، تحفظ الدين والإنسان، وتصون الحقوق والحريات، وتمنع عودة الاستبداد تحت أي شعار أو مسمى.

نسأل الله تعالى أن يتقبل صيام الصائمين، وأن يرحم شهداء سورية، ويفرج عن المعتقلين والمغيبين، ويجبر قلوب المكلومين، وأن يحفظ وطننا من الفتن، وأن يجعل مستقبل سورية قائماً على العدل والحرية والكرامة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.

شاركها على:

اقرأ أيضا

اليوم الدولي للبحارة

احتفالية اليوم الدولي للبحارة تسلط الأضواء على دورهم الحيوي في حركة الاقتصاد العالمي والشحن البحري.

25 يونيو 2026

إدارة الموقع

تطبيع الاعتقال في دولة القانون

يستعرض المقال تطبيع الاعتقال التاريخي في سورية ويطرح تساؤلات حول حرية الفرد وحقوق الإنسان.

24 يونيو 2026

إدارة الموقع