يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ التحذير الصادر عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، يوم الاثنين 22 حزيران/يونيو 2026، من تصاعد الهجمات الانتقامية والتحريض القائم على الهوية في سورية، بالتزامن مع مظاهرات طالبت بمحاسبة مرتكبي الجرائم خلال عهد النظام المخلوع.
وأكدت المنظمة في بيانها على ضرورة وضع إطار قانوني عاجل يضمن العدالة العادلة ويحمي المتهمين من "العقاب الجماعي"، مشيرةً إلى أن الاحتجاجات التي خرجت بين 13 و17 حزيران/يونيو الجاري في محافظات عدة، بينها حلب وإدلب ودير الزور والرقة ودمشق، ترافقت مع هجمات استهدفت أشخاصاً وممتلكات على خلفية اتهامات بصلات مع النظام المخلوع.
وتيار المستقبل السوري إذ يُثمّن هذا التحذير، فإنه يراه تأكيداً على خطورة الانزلاق نحو انتقام جماعي يهدد السلم الأهلي، ويُضعف مسار العدالة الانتقالية الذي طالما نادى به التيار كركيزة أساسية لبناء سورية الجديدة.
أولاً: يُثمّن تيار المستقبل السوري تحذير "هيومن رايتس ووتش"، ويؤكد على أن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق عبر الانتقام الجماعي أو العنف خارج إطار القانون.
كما يُشيد تيار المستقبل السوري بموقف المنظمة الذي يضع النقاط على الحروف، ويُذكّر بأن مطالب العدالة المشروعة يجب ألا تتحول إلى ذريعة لاستهداف أشخاص بسبب دينهم أو خلفياتهم أو انتماءاتهم.
ونستذكر هنا تصريح هبة زيدان، المستشارة الأولى في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، التي أكدت أن "للسوريين الحق في المطالبة بالعدالة، لكن ذلك يجب ألا يتحول إلى ذريعة لاستهداف أشخاص بسبب دينهم أو خلفياتهم".
ولهذا فإننا نرى أن هذا الموقف يتسق تماماً مع رؤيتنا الثابتة في أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون فردية ومؤسسية، قائمة على الأدلة والمحاكمات العادلة، وليس على الانتماءات الطائفية أو العرقية، وأن أي انحراف عن هذا المبدأ سيُعيد إنتاج دوائر العنف والكراهية التي عانى منها السوريون لعقود.
ثانياً: يُلفت تيار المستقبل السوري الانتباه إلى ما وثقته "هيومن رايتس ووتش" من هجمات واحتجاجات عنيفة في مناطق عدة، بما فيها محاولات اقتحام أحياء ذات غالبية علوية في دمشق (كالمزة 86 وعش الورور)، وأعمال تخريب وعنف ضد أشخاص متهمين بصلات مع النظام المخلوع في إدلب.
ونُشير إلى أن هذه الأحداث، التي أوقعت إصابات وأضراراً في الممتلكات، تُشكل إنذاراً خطيراً باحتمال انزلاق البلاد نحو فوضى انتقامية، إذا لم يتم التعامل مع مطالب العدالة بشكل مؤسسي وقانوني.
كما ونُذكر بأن اللجنة الوطنية السورية للعدالة الانتقالية أكدت في 15 حزيران/يونيو 2026 أن "العقاب الجماعي لا يتوافق مع العدالة"، وأن وزارة الداخلية أعلنت في اليوم نفسه أنها تحتجز نحو 6 آلاف من العسكريين والأمنيين السابقين في عهد الأسد، داعية المواطنين إلى تقديم الأدلة عبر القنوات الرسمية بدلاً من التصرف بشكل فردي.
ونُشدد على أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تبقى غير كافية ما لم تُرافقها إصلاحات تشريعية شاملة ومحاكمات عادلة وعلنية.
ثالثاً: يستذكر تيار المستقبل السوري مواقفه الثابتة الداعمة للعدالة الانتقالية والمحاسبة الفردية، والمنشورة على موقعه الرسمي، ومنها:
- بيان "كلمة مفتي الجمهورية حول العدالة والانتقام الفردي" (بتاريخ 20 حزيران/يونيو 2026)، حيث ثمّنا تحذير المفتي من خطورة الانتقام الفردي والثأر الشخصي على السلم الأهلي، وأكدنا أن العدالة وسيادة القانون هما السبيل الوحيد لمعالجة آثار الماضي.
- بيان "المطالبات الشعبية بطرد ‘الشبيحة'" (بتاريخ 13 حزيران/يونيو 2026)، الذي حذّر من أن استمرار غياب العدالة قد يدفع البعض إلى البحث عن بدائل انتقامية خارج إطار القانون.
رابعاً: يُقدّم تيار المستقبل السوري مجموعة من التوصيات لضمان عدم تحول مطالب العدالة إلى عقاب جماعي، وترسيخ مسار المحاسبة الفردية والمؤسسية، وانطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي بما يلي:
- الإسراع في إقرار إطار تشريعي وقضائي واضح للعدالة الانتقالية، يضمن محاكمة كل متهم بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري بشكل فردي، وفقاً للأدلة والمعايير الدولية، ويُجرم أي شكل من أشكال العقاب الجماعي أو التحريض على العنف.
- تعزيز قدرات المؤسسات القضائية والأمنية على حماية المتهمين والمشتبه بهم، وضمان احتجازهم بشكل قانوني وآمن، ومنع أي اعتداءات عليهم خارج إطار القانون، أسوةً بما طالبت به "هيومن رايتس ووتش".
- إطلاق حملات توعية وطنية واسعة، توضح للرأي العام الفرق بين العدالة والانتقام، وتؤكد على أن محاسبة المجرمين يجب أن تتم عبر القضاء، وليس عبر الشارع، وأن العقاب الجماعي يتناقض مع مبادئ العدالة التي ننشدها جميعاً.
- إشراك منظمات المجتمع المدني ومجموعات الضحايا في مسارات العدالة، وفتح قنوات حوار حقيقية بين السلطات والمجتمع المدني، لتوضيح استراتيجية العدالة وجداولها الزمنية وآليات التشاور الوطني، أسوةً بتوصيات المنظمة.
ختاماً: يُجدد تيار المستقبل السوري تأكيده على أن العدالة الانتقالية هي الطريق الوحيد لمعالجة جرائم الماضي وبناء مستقبل مستقر، لكن هذه العدالة يجب أن تكون فردية ومؤسسية، لا جماعية وانتقامية.
ونرى أن الحكومة السورية والقضاء والمجتمع المدني مدعوون اليوم إلى العمل معاً لضمان أن تتحقق العدالة دون أن تتحول إلى عقاب جماعي، وأن يكون مسار المحاسبة نموذجاً يُحتذى به في المنطقة، وليس بوابة لدوامات جديدة من العنف.
وبدورنا، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً وناقداً ومراقباً لهذا الملف، سعياً إلى بناء سورية الجديدة على أسس العدل والكرامة وسيادة القانون.