الملخص:
يتناول هذا المقال الإشكالية المركزية المتمثلة في "تطبيع الاعتقال" كإرث ثقافي ومؤسسي خلفته عقود من حكم الأمن والمخابرات في سورية، وذلك من خلال تحليل واقعة توقيف ناشط في دمشق بتاريخ الثلاثاء 23-06-2026م، على خلفية تضامنه مع معتقلين سوريين نُقلوا من شمال شرقي سورية إلى العراق.
ينطلق المقال من مبدأ أن الحرية هي الأصل والاعتقال استثناء، مستنداً إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان ونظرية سيادة القانون، معتمداً على تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان وهيومن رايتس ووتش.
ويخلص المقال إلى أن المرحلة الانتقالية تشكل لحظة تأسيسية تتطلب تفكيك ثقافة التطبيع مع الاعتقال، وبناء دولة القانون على أسس المساءلة والشفافية، مع تقديم توصيات عملية تراعي خصوصية السياق السوري.
مقدمة:
يبرز تساؤل جوهري أمام مشهد يعيد إنتاج مألوفية الاعتقال،: لماذا أصبح "أي إنسان معرّض للتوقيف" مقولة مقبولة في الخطاب العام؟
هذا السؤال، الذي أثاره منشور ناشط تم توقيفه مؤخراً في دمشق على خلفية تصويره وتضامنه مع معتقلين سوريين نُقلوا من شمال شرقي سورية إلى العراق، يفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة الدولة التي نطمح إليها في المرحلة الانتقالية، وحول الإرث الثقيل الذي خلفه نظام الأسد في وعي المواطن السوري تجاه مؤسسات الدولة عموماً، وأجهزة الأمن والقضاء خصوصاً.
الخلفية:
شهدت العاصمة دمشق مؤخراً توقيف ناشط كان يقف تضامناً مع معتقلين سوريين تم نقلهم من شمال شرقي سورية إلى العراق.
وتأتي هذه الوقفة في سياق عملية نقل واسعة النطاق، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" إنجازها في 12 فبراير/شباط 2026، بعد عملية استمرت 23 يوماً بدأت في 21 يناير/كانون الثاني 2026.
وقد نُقل أكثر من 5,700 معتقل من مرافق الاحتجاز في سورية إلى عهدة السلطات العراقية، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن عدد المعتقلين المنقولين بلغ نحو 7 آلاف شخص.
وبحسب وزارة العدل العراقية، بلغ عدد الإرهابيين المنقولين 5,064 حتى تاريخ إعلان الوزارة، من بينهم أكثر من 3 آلاف سوري الجنسية.
وتنوعت جنسيات المعتقلين لتشمل 61 جنسية مختلفة.
وقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن قوات سورية الديمقراطية "قسد" نقلت ما لا يقل عن 6,547 محتجزاً إلى العراق، بينهم 4,743 مواطناً سورية.
وتتم هذه العمليات في غياب إعلان رسمي شامل يتضمن القوائم الاسمية للمنقولين، أو الأساس القانوني والإجرائي لكل عملية، مما يثير مخاوف جدية تتعلق بمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في المادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب.
وقد أكدت هيومن رايتس ووتش أن وجود "خطر جسيم" للتعذيب في العراق يعني أن عمليات النقل قد تنتهك هذا المبدأ، مشيرة إلى أن هؤلاء المعتقلين "احتُجزوا لسنوات دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة، وهم الآن محتجزون في بلد آخر دون ضمانات كافية".
الاعتقال في القانون الدولي:
ينص المبدأ الثاني من مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن، الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 43/173 لسنة 1988، ينص على أن "لا يجوز إلقاء القبض أو الاحتجاز أو السجن إلا مع التقيد الصارم بأحكام القانون وعلى يد موظفين مختصين أو أشخاص مرخص لهم بذلك".
وهذا المبدأ، الذي تكرسه كافة المواثيق الدولية، يؤسس لفكرة مركزية هي أن الحرية هي الأصل، والاعتقال استثناء لا يبرره إلا ارتكاب جرم، وبأمر اعتقال صادر وفق آلية قانونية، أو بضبط في جرم مشهود.
وهنا تكمن خطورة التطبيع مع فكرة اعتياد الاعتقال، فهذا التطبيع يمثل إرثاً ثقيلاً من عقود من حكم الأمن والمخابرات، حيث تحول المواطن من صاحب حق إلى موضوع للمراقبة الدائمة، لتصبح "ادفع هويتك" عند كل حاجز مشهداً يومياً لا يثير الدهشة.
ففي دولة القانون، العادي أن يكون الإنسان حراً، وأن يعيش حياته كلها دون أن يدخل مخفراً أو يتم توقيفه.
وهذا الفرق الجوهري بين الاعتقال كاستثناء قانوني والمحاسبة كآلية لإنفاذ القانون هو ما يجب أن ترسخه المرحلة الانتقالية.
الإطار النظري:
سيادة القانون:
ديشير مفهوم سيادة القانون إلى مبدأ مفاده أن جميع الأفراد والمؤسسات، سواء كانت عامة أو خاصة، بما في ذلك الدولة نفسها، خاضعة للقوانين التي تُسنّ بشكل علني، وتُطبّق بشكل مستقل، وتُفصل فيها نزاعاتها عبر قضاء نزيه.
ويتضمن هذا المبدأ أربعة عناصر جوهرية:
- الشرعية (أي أن تكون القوانين واضحة ومعلنة ومستقرة).
- المساءلة (أي خضوع الحكومة والموظفين العموميين للقانون).
- العدالة (أي تكافؤ الفرص في الوصول إلى القضاء وحقوق الإنسان).
- المشاركة (أي مشاركة المواطنين في صنع القرار).
في سياق الاعتقال، تعني سيادة القانون أن أي تقييد للحرية الشخصية يجب أن يكون:
- مستنداً إلى نص قانوني واضح ومعلن مسبقاً.
- مخولاً بموجب أمر قضائي من سلطة مستقلة، إلا في حالات التلبس بالجرم المشهود.
- متناسباً مع الغاية المقصودة (أي ألا يكون أشد مما تتطلبه الضرورة).
- قابلاً للطعن أمام محكمة مستقلة.
العدالة الانتقالية:
تُعرَّف العدالة الانتقالية بأنها "إطار تحويلي يُستخدم في فترات التحول الجذري" لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتقوم على أربع ركائز أساسية: المساءلة الجنائية، كشف الحقيقة والمصالحة، جبر الضرر، الإصلاح المؤسسي في قطاعات القضاء والأمن والعسكر.
وتؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن العدالة الانتقالية تمثل "المنهج الأمثل لتحقيق تعافٍ شامل من آثار النزاع، وبناء أسس راسخة لدولة تقوم على سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وتعزيز المصالحة الوطنية".
وفي السياق السوري، يشير المقال المشترك للأستاذ فضل عبد الغني والبروفسورة روتي تيتل إلى أن "الفظائع واسعة النطاق في سورية خلّفت واقعاً معقداً يتجاوز معاناة الأفراد ليطال أجيالاً متعاقبة ويصيب المجتمع بأسره بأضرار عميقة"، مما يستدعي "تصميم تدابير انتقالية تُخفف المخاوف الوجودية بدلًا من تعميقها".
واقع الاعتقال التعسفي في سورية:
رغم سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ورغم الآمال التي فتحتها المرحلة الانتقالية لإعادة بناء الدولة على أسس سيادة القانون، تشير التقارير الحقوقية إلى استمرار الانتهاكات.
ففي تقريرها السنوي الخامس عشر عن حالة حقوق الإنسان في سورية لعام 2025، وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 1,108 حالة اعتقال تعسفي خلال العام، شملت أطفالاً ونساء.
ويشير التقرير إلى أن "الانتقال السياسي وحده لا يكفي لوقف الانتهاكات دون إصلاح مؤسسي فعلي ومساءلة فعالة وحماية للمدنيين".
كما كشف تقرير آخر صادر عن الشبكة أن تعدد الجهات الفاعلة على الأرض يسهم في استمرار أنماط الانتهاكات، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري.
وتشير هذه الأرقام إلى أن التحدي لا يكمن فقط في تجاوز إرث النظام السابق، بل أيضاً في بناء مؤسسات جديدة قادرة على حماية الحقوق بدلاً من انتهاكها.
وهذا يتطلب، كما تؤكد الشبكة، "إصلاحاً مؤسسياً فعلياً" يبدأ من إعادة هيكلة أجهزة الأمن والقضاء وفق معايير الشفافية والمساءلة والاستقلالية.
تجارب دولية:
تُظهر التجارب الدولية أن المراحل الانتقالية الأكثر نجاحاً هي تلك التي وضعت حقوق الإنسان في صميم عملية بناء الدولة.
ففي تجارب جنوب أفريقيا، كانت لجنة الحقيقة والمصالحة برئاسة ديزموند توتو أداة أساسية لكشف الحقيقة دون التضحية بالاستقرار السياسي.
وفي الأرجنتين وتشيلي، كانت آليات المساءلة الجنائية للمتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان ركيزة أساسية لبناء الثقة في المؤسسات الجديدة.
وفي المنطقة العربية، تقدم تجربة تونس بعد 2011 نموذجاً مهماً، حيث تم إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة للتحقيق في الانتهاكات منذ 1955، مع التركيز على جبر الضرر والمصالحة الوطنية.
ورغم التحديات التي واجهتها هذه التجارب، فإنها تؤكد على أهمية مشاركة المجتمع المدني والضحايا في صياغة ملامح المرحلة الانتقالية، وعدم ترك ملف العدالة الانتقالية حكراً على السلطة التنفيذية وحدها.
كما تشير تجارب العراق بعد 2003 إلى تحديات كبيرة واجهتها البلاد في التعامل مع أرشيفات النظام السابق ومحاسبة المتورطين، مما يسلط الضوء على ضرورة الاستفادة من هذه الدروس في السياق السوري.
التحديات في المرحلة الانتقالية السورية:
تواجه المرحلة الانتقالية في سورية تحديات متعددة تعقّد مسار بناء دولة القانون، منها:
أولاً: تعدد الفاعلين – إذ تتصارع على الأرض فصائل مسلحة وقوى إقليمية ودولية، مما يخلق بيئة أمنية هشة يصعب معها فرض سيادة القانون بشكل موحّد.
ثانياً: الإرث المؤسسي – حيث تبقى مؤسسات الدولة، ولا سيما أجهزة الأمن والقضاء، حاملة لثقافة وعقليات من عهد النظام السابق والتركيبة الفصائلية السابقة، مما يستدعي عملية إصلاح جذرية تطال البنى والكادر البشري معاً.
ثالثاً: الهشاشة الاقتصادية – إذ تُقدَّر كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، في وقت تعاني فيه الدولة من شح الموارد، مما قد يدفع إلى تهميش أولويات حقوق الإنسان لصالح الأولويات الأمنية والاقتصادية.
رابعاً: الانقسامات المجتمعية – حيث يعكس المشهد السوري "تفككاً سياسياً واستقطاباً اجتماعياً"، مع "تنافس في المظلومية" بين مختلف المكونات، مما يتطلب "اعتماد عدالة غير طائفية تركز على المسؤولية الفردية".
توصيات:
انطلاقاً مما سبق، وفي ضوء خصوصية المرحلة الانتقالية في سورية، يقدم تيار المستقبل السوري التوصيات التالية:
أولاً، إصلاح تشريعي ومؤسسي فوري:
- إصدار تشريعات تنظم عملية الاعتقال والتوقيف بما يتوافق مع المعايير الدولية، وتجرم أي اعتقال بدون أمر قضائي أو في غير حالة التلبس بالجرم المشهود.
- إخضاع كافة مراكز الاحتجاز للإشراف القضائي المستقل، وضمان حق المحتجز في الاتصال بمحامٍ وإبلاغ عائلته فوراً، وفقاً للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
- وضع آليات واضحة للتعويض عن حالات الاعتقال التعسفي، أسوة بتجارب الدول التي قطعت شوطاً في هذا المجال.
ثانياً، كسر ثقافة التطبيع:
- إطلاق حملات توعية وطنية تؤسس لفكرة أن "الحرية هي الأصل"، وتفكيك الإرث الذهني الذي يرى في الاعتقال أمراً عادياً.
- تدريب أجهزة الأمن والقضاء على معايير حقوق الإنسان، وترسيخ مبدأ أن المواطن شريك في بناء الدولة وليس موضوعاً لإدارتها الأمنية.
- إدراج مفاهيم سيادة القانون وحقوق الإنسان في المناهج التعليمية وبرامج التدريب المهني للعاملين في مؤسسات الدولة.
ثالثاً، ضمانات في ملف المعتقلين المسلّمين للعراق:
- المطالبة بكشف القوائم الاسمية الكاملة للمعتقلين المنقولين، والأساس القانوني لكل عملية نقل.
- العمل على ضمان محاكمات عادلة لهم، أو إعادتهم إلى سورية لمحاكمتهم أمام قضاء وطني مستقل، وفقاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية.
- متابعة أوضاع المعتقلين السوريين في العراق عبر آليات دبلوماسية وقانونية، وضمان حقهم في الاتصال بعائلاتهم والحصول على تمثيل قانوني.
رابعاً، تفعيل العدالة الانتقالية:
- الإسراع في تفعيل عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وضمان استقلاليتها وتمثيلها لمختلف أطياف المجتمع السوري.
- ضمان مشاركة المجتمع المدني والضحايا في تصميم وتنفيذ آليات العدالة الانتقالية، والاستفادة من الخبرات الدولية في هذا المجال.
- الربط بين مسار العدالة الانتقالية وإصلاح مؤسسات الدولة، بحيث لا يقتصر الأمر على محاسبة الفاعلين بل يمتد إلى إعادة بناء الثقة في المؤسسات.
خامساً، المساءلة وعدم الإفلات من العقاب:
- محاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات لحقوق الإنسان في المرحلة الانتقالية، بما فيها حالات الاعتقال التعسفي.
- إنشاء آلية وطنية مستقلة لتلقي الشكاوى والتحقيق في انتهاكات الحرية الشخصية، على غرار هيئات حقوق الإنسان المستقلة في العديد من الدول.
- التعاون مع الآليات الدولية لحقوق الإنسان، وتقديم تقارير دورية عن أوضاع حقوق الإنسان في سورية.
خاتمة:
الاعتقال في دولة القانون ليس قدراً محتوماً، وليس سمة من سمات الحياة اليومية، إنه إجراء استثنائي له ضوابطه وشروطه.
والتطبيع مع فكرة أن "أي إنسان معرض للاعتقال" هو استمرار لإرث ثقافي وسياسي يجب تجاوزه.
ونؤكد على ذكرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بإن "حماية المدنيين، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وصون الحريات العامة، هي الشروط التأسيسية لأي استقرار مشروع ومستدام في سورية".
هذا، والمرحلة الانتقالية في سورية هي لحظة تأسيسية، تتطلب من الجميع—دولة ومجتمعاً مدنياً ومواطنين—العمل على بناء نموذج جديد للدولة، حيث يكون المواطن حراً، وحيث لا يُعتقل أحد إلا وفق القانون، وحيث تكون المحاسبة هي القاعدة والإفلات من العقاب هو الاستثناء.
ففي دولة القانون، العادي أن تكون حراً… والاستثناء أن يتم توقيفك.
قائمة المصادر:
- الشبكة السورية لحقوق الإنسان، "التقرير السنوي الخامس عشر عن حالة حقوق الإنسان في سورية لعام 2025″، 26 آذار/مارس 2026.
- الشبكة السورية لحقوق الإنسان، "اتفاقية سورية–لبنانية لنقل المحكومين: فائدة قانونية أم أداة تسييس؟"، 6 شباط/فبراير 2026.
- هيومن رايتس ووتش، "العراق: معتقلو ‘داعش’ المزعومون المنقولون من سورية مهددون بالتعذيب"، 17 شباط/فبراير 2026.
- CNN العربية، "الجيش الأمريكي يعلن إنجاز نقل معتقلي ‘داعش’ من سورية للعراق"، 13 شباط/فبراير 2026.
- الجزيرة نت، "7 أسئلة عن مسار نقل معتقلي تنظيم الدولة من سورية للعراق"، 15 شباط/فبراير 2026.
- فضل عبد الغني وروتي تيتل، "العدالة الانتقالية في سورية بعد الأسد: إطار تحويلي للمحاسبة والإصلاحات"، Just Security، أيار/مايو 2026.
- مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 43/173، 1988.