الاجتهاد المقاصدي وأثره في ترجيح الأحكام الفقهية

ملخص البحث:

يتناول هذا البحث إحدى أبرز القضايا الأصولية المعاصرة، ألا وهي الإشكالية المنهجية التي تواجه الساعي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في ظل تعدد المذاهب الفقهية وتباين الاجتهادات، وهي الإشكالية التي تُختزل في سؤال جوهري: "أي شريعة سنطبق والفقهاء مختلفون؟".
يهدف البحث إلى تفكيك هذه الإشكالية من خلال استعراض حقيقتها التاريخية والمنطقية، متجاوزاً مقولة "الخلاف رحمة" من النظري إلى التطبيقي، ومقدماً "الاجتهاد المقاصدي" كآلية علمية لإدارة الاختلاف وترجيح الأحكام.
ويخلص البحث إلى أن تنوع المذاهب لا يمثل عائقاً أمام تطبيق الشريعة، بل هو ثراء يُستثمر عبر "سياسة شرعية مقاصدية" قادرة على انتقاء الأحكام التي تحقق أولويات العدل والمصلحة العامة في سياق الدولة الحديثة.
ويتسق هذا الطرح مع رؤية تيار المستقبل السوري في مشروعه السياسي القائم على "الشورقراطية"، حيث تشكل المقاصد الضرورية (الدين، النفس، العقل، النسل، المال) إطاراً مرجعياً للحوار الوطني والتشريع.

أولاً، مقدمة – إشكالية التعدد الفقهي بين الواقع والنظر:

لطالما كان اختلاف الفقهاء والمذاهب سمةً ملازمة للفكر الإسلامي، بل هو ثمرة طبيعية لاتساع دائرة الاجتهاد في النصوص، يقول الباحثون والمتخصصون إن نقاط الاتفاق بين المذاهب هي الأصل العام، ونقاط الاختلاف محدودة وهي تبع للأصل؛ فالخلاف ليس عيباً في مجال الفكر والاجتهاد[^1].
ومع ذلك، تتحول هذه الميزة الفقهية إلى عقبة منهجية حين يتعلق الأمر ببناء دولة حديثة تسعى لتطبيق الشريعة، فيرد المعترضون: "أي إسلام ستطبقون؟ إسلام أبي حنيفة أم الشافعي أم مالك أم أحمد بن حنبل؟"[^2].
هنا تبرز الحاجة إلى آلية رشيدة لإدارة هذا الاختلاف، لا عبر توحيد المذاهب قسراً ولا عبر ترك الحرية المطلقة للمكلفين، بل عبر استثمار المنظومة المقاصدية التي تتيح الانتقال من منطق "التخيير" (أي اختيار أي مذهب شئت) إلى منطق "الترجيح" (أي اختيار الحكم الأقرب إلى مقاصد الشريعة في ضوء واقع معين)، وهذا المنطق هو ما تبناه تيار المستقبل السوري في مقاربته للشأن السياسي والديني، تماشياً مع وثيقته التأسيسية التي تجعل من "الشورى" و"المقاصد" أفقاً للاجتهاد الجماعي.

ثانياً، حقيقة الاختلاف الفقهي:

قبل الشروع في آليات الترجيح، لا بد من تفنيد ما يسمى "شبهة الخلاف الفقهي" والتي تُثار في وجه الداعين إلى تطبيق الشريعة، حيث يمكن تفنيد هذه الشبهة من عدة محاور:

المحور الأول: أن الاختلاف سمة عامة لكل النصوص، ولا يمكن الاعتراض على الاختلاف في تفسير النصوص الشرعية منهجياً، لأن الاختلاف في شرح وتفسير سائر ما يتعامل به البشر موجود عند جميع الشعوب، ومجرد وجوده لا يبطل المفهوم ولا يلغيه، وإلا لما استقامت للناس في حياتهم قائمة[^3].
فالقوانين الوضعية نفسها تختلف تفسيراتها بين المحاكم، وهذا لا يمنع من وجود نظام قانوني فاعل.

المحور الثاني: قاعدة "الخلاف رحمة" لا تعني الفوضى، فالمذاهب العقدية والفقهية والتربوية اجتهادات لعلماء الإسلام، بقصد تيسير العمل بها، وتتجه كلها إلى بناء وحدة الأمة وإثرائها فكراً[^4].
لكن هذه الرحابة بحسب البعض لا تعني شرعنة التلفيق أو التنقل بين المذاهب بناءً على الهوى، بل هي فسحة للمجتهد المؤهل، لا للمُقلّد العامي[^5].

المحور الثالث: الأصل هو الالتزام بقواعد الترجيح العلمية، فإذا كانت الشريعة الإسلامية خيراً للناس في كل زمان ومكان، فلا بد أن يكون الله سبحانه قد أودع فيها أدوات للتعامل مع التنوع البشري، وأبرز هذه الأدوات هو "علم الاجتهاد المقاصدي".

ثالثاً، الاجتهاد المقاصدي:

يُعرِّف الباحثون المتخصصون "الاجتهاد المقاصدي" بأنه: "جهد فكري واجتهادي يهدف إلى استكشاف مقاصد الشريعة وغاياتها من النصوص والأحكام، بحيث لا يقف عند حدود الجزئيات، بل يتجاوزها إلى الرؤية الكلية التي تراعي المصلحة العامة"[^6].
وهو اتجاه فكري عُرف منذ الإمام أبي إسحاق الشاطبي (توفي 790 هـ) في كتابه "الموافقات"[^7]، ثم جرى إحياؤه على يد ابن عاشور (توفي 1973 م) في "مقاصد الشريعة الإسلامية"[^8]، وتطور مع المعاصرين مثل الدكتور أحمد الريسوني والدكتور طه جابر العلواني.
ولم يعد هذا الاتجاه مجرد نظرية، بل تحول إلى أداة عملية للتشريع والإفتاء.

ويقوم الاجتهاد المقاصدي على ثلاث قواعد أساسية:

القاعدة الأولى: قاعدة التعليل، وهي ربط الأحكام الشرعية بعللها ومقاصدها، أي البحث عن الحكمة التي شرعت من أجلها الأحكام، وهو ما يجعل الفقه أكثر حيوية وارتباطاً بواقع الناس، وقد أصل لهذا الإمام الشاطبي في "الموافقات" بقوله: "الأحكام الشرعية معللة بمصالح العباد"[^9].

القاعدة الثانية: قاعدة الاستصلاح، وهي تفسير النصوص الشرعية بما يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، دون أن يكون ذلك تحكماً أو تعطيلاً للنصوص، بل هو حسن فهم لها.
وتستند هذه القاعدة إلى مقصد الشارع في جلب المصالح ودرء المفاسد، وهو ما يُعرف عند الأصوليين بـ "المصلحة المرسلة" بشروطها[^10].

القاعدة الثالثة: قاعدة اعتبار المآل، وهي استشراف النتائج المستقبلية للأفعال والقرارات الفقهية، وتقدير ما قد تؤول إليه قبل الحكم عليها. وقد نبه إلى أهميتها الإمام الشاطبي والشيخ ابن عاشور، وأكد عليها المعاصرون في قضايا الفقه السياسي والنوازل[^11].

وما يجعل هذا المدخل ذا أهمية خاصة في سياقنا السوري الراهن هو أن المقاصد لها أثر في دفع التعارض الظاهري عن الأحاديث، وفي دفع التعارض عند تزاحم المصالح والمفاسد[^12]، مما يجعلها الأداة المثلى لحل التزاحمات الكبرى في مرحلة التحول السياسي.

رابعاً، آليات الترجيح بالمقاصد:

ليس الاجتهاد المقاصدي تنظيراً فلسفياً، بل هو ممارسة تطبيقية تجيب عن سؤال: كيف نختار بين الآراء الفقهية المتعددة في قضية واحدة؟.
وقد تناولت المؤلفات المتخصصة هذه المسألة بوصفها قضية مهمة يحتاجها المجتهد[^13].

يمكن إجمال آليات الترجيح بالمقاصد فيما يلي:

أ. الترجيح بمراتب المقاصد: بما أن مقاصد الشريعة تتدرج في ثلاث مراتب: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، فإن أي حكم فقهي يحقق ضرورةً يُقدَّم على ما يحقق حاجة، ويُقدم الحاجي على التحسيني عند التعارض.
وهذا ما أكده الشاطبي بقوله: "المقاصد الضرورية – وهي الكليات الخمس (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) – لا بد منها في قيام مصالح الدارين"[^14].

ب. الترجيح باستحضار المآل: يُرجَّح الرأي الذي تؤول إليه عواقب أقل ضرراً وأكثر نفعاً، حتى لو كان الدليل الجزئي يبدو في الظاهر أقوى.
تسمح هذه المقاربة للفقه السياسي بأن يكون استباقياً، وليس مجرد ردة فعل على الوقائع[^15].

جـ. الترجيح بمراعاة السياق الزماني والمكاني: فالحكم الذي يناسب بيئة زمانية أو مكانية معينة قد لا يكون الأصلح لبيئة أخرى، دون المساس بثبات النص.
وهذا ما يعبر عنه بـ "تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان" وهو مقرر في القواعد الفقهية[^16].

خامساً، المقاصد في السياسة الشرعية:

ربما يكون المجال الأكثر حاجة لتفعيل الاجتهاد المقاصدي اليوم هو مجال "السياسة الشرعية"، التي عرَّفها الماوردي والفقهاء بأنها تدبير شؤون العامة وفق قواعد الشريعة[^17]. ولكن في ضوء الدراسات الحديثة، يمكن القول إن السياسة الشرعية المنشودة اليوم هي "فقه تدبير المصالح العامة في ضوء المقاصد الشرعية"[^18].
ولذلك بات من الضروري إعمال المنظومة المقاصدية وتفعيلها في هذا المجال، لإعادة تفسير نصوصها تفسيراً مصلحياً يقوم على فهم الواقع والمتغيرات، وضبط الاجتهادات والتصرفات السياسية بقواعد الشريعة ومقاصدها[^19].
ولم يعد الاجتهاد المقاصدي في السياسة الشرعية مجرد وسيلة للاجتهاد الفردي، بل تحول إلى أداة مؤسسية تعيد تعريف علاقة الحاكم بالمحكوم.
وتأسيساً على ذلك، يمكن الإشارة إلى أن معظم العلماء والمفكرين المسلمين المعاصرين يؤيدون وجود هيئة تشريعية (برلمان) من خلال إحياء ممارسة الشورى التي تطورت عبر مؤسسة "أهل الحل والعقد"[^20].
وكما يستند هذا التأييد إلى اعتبار المقاصد العامة للشريعة في تحقيق العدل ودفع الظلم، وإلى أن فصل السلطات هو السبيل لتحقيق التوازن ومنع الاستبداد، مما يعكس مرونة الأحكام السلطانية عند تنزيلها وفق رؤية مقاصدية معاصرة.

سادساً، نموذج مقترح لتجسيد الاجتهاد المقاصدي في سورية الجديدة:

على ضوء ما سبق، يمكن استخلاص نموذج مؤسسي يتسق مع رؤية تيار المستقبل السوري – القائمة على "الشورقراطية" التي تدمج بين الشورى كمرجعية قيمية والديمقراطية كآلية إجرائية[^21] – ويكون قابلاً للتطبيق في سياق بناء الدولة السورية الحديثة:

أ. في التشريع: يُنشأ "مجمع فقهي مقاصدي استشاري" يضم فقهاء من مختلف المذاهب، مهمته تحليل القوانين المقترحة في ضوء الموازنة بين المقاصد الضرورية الخمس.
وهذا لا يعني وصاية المجمع على السلطة التشريعية المنتخبة، بل يعني أن يكون مشروع القانون مدعماً بتقرير مقاصدي يوضح أي المصلحة حقق وأي المفسدة درأ.
وهذا يعكس فلسفة "الشورقراطية" في جعل المرجعية الدينية استشارية لا وصائية[^22].

ب. في القضاء: يُؤهَّل القضاة في أكاديمية قضائية عليا لفقه المقاصد وآليات الترجيح، ليتمكنوا من النظر إلى القضية بعين كليتها، لا الوقوف عند ضيق النظر الجزئي.
يسمح هذا الاستثمار في فقه المقاصد للقاضي بتقدير النوازل المعقدة التي تتشابك فيها مصالح متعددة، والجمع بين التدليل والتعليل والتنزيل[^23].

جـ. في الحوار الوطني: يُعْتَمَد الاجتهاد المقاصدي "لغة حوار جامعة" بين المكونات المختلفة، ترتكز على الضرورات الخمس التي تشكل قاسماً مشتركاً بين جميع السوريين.
وهذا ما تدعو إليه وثائق تيار المستقبل السوري من "حوار وطني شامل كأداة للتوافق والشفافية"[^24].

د. آلية الترجيح التشريعي: مع اعترافنا بثبات الثوابت الدينية، يجري اعتماد الترجيح بأولوية الضروريات (كالأمن والعدالة) على الحاجيات (كبعض وسائل الرفاه)، واعتماد المآل في إقرار القوانين طويلة المدى[^25].

سابعاً، الخلاصة والتوصيات:

خلص هذا البحث إلى أن تعدد المذاهب الفقهية والاجتهادات ليس عائقاً أمام تطبيق الشريعة، بل هو ثراء قابل للاستثمار عبر منهجية "الاجتهاد المقاصدي" القائمة على الترجيح بالضروريات والمآلات والمصالح.
ولقد أثبتت الدراسات الأكاديمية المعاصرة أن الاجتهاد المقاصدي وسيلة أنجع لترجيح الأحكام، سواء في عملية استنباطها أو في تنزيلها على واقع الناس المعاصر.

وبناءً عليه، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

أولاً: اعتماد الاجتهاد المقاصدي كمنهجية رسمية معتمدة في اللجان الشرعية والقانونية، مع مراعاة تراتبية المقاصد (الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينيات) في أي ترجيح.

ثانياً: تكوين هيئة علمية متخصصة تجمع فقهاء من مختلف المدارس الإسلامية لصياغة دليل مقاصدي إرشادي للمشرع والقاضي والمسؤول، يُتَّخذ مرجعاً في حالات تعارض الأولويات أو تزاحم المصالح.

ثالثاً: تطوير برامج تدريبية متخصصة في مجال فقه المقاصد وآليات الترجيح بين المذاهب، بما يُعلي قيمة الاجتهاد الجماعي المؤسسي على حساب الفتاوى الفردية المجتزأة.

رابعاً: الدعوة إلى تشكيل لجنة وطنية عليا للمقاصد الشرعية في سورية، تكون مهمتها مراجعة مشاريع القوانين والموازنات وسياسات الحكم في ضوء مقاصد الشريعة وأولوياتها، على أن تكون قراراتها استشارية غير ملزمة للسلطة التشريعية – تنفيذاً لروح "الشورقراطية" التي تميز بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية.

ختاماً، إن بناء دولة سورية جديدة قادرة على الوفاء بمقاصد الشريعة في تحقيق الكرامة والعدل، هو مسؤولية جماعية تبدأ من تحرير عقولنا من قيود الجمود، وتنتهي بتجسيد روح المقاصد في مؤسساتنا.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الهوامش:

  • [^1]: الشاطبي، الموافقات، ج4، ص 205 (باب الاختلاف في الاجتهاد).
  • [^2]: القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، ص 89-91.
  • [^3]: المصدر نفسه، ص 112.
  • [^4]: قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، قرار رقم 3 (دورة 1). (يمكن توثيق الرابط إن وجد).
  • [^5]: القرضاوي، في فقه الأولويات، ص 55.
  • [^6]: الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص 23.
  • [^7]: الشاطبي، الموافقات، ج1، ص 38-40.
  • [^8]: ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 15-18.
  • [^9]: الشاطبي، الموافقات، ج2، باب "الأحكام معللة".
  • [^10]: المصدر نفسه، ج4، فصل "المصالح المرسلة".
  • [^11]: ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص 215-217.
  • [^12]: فراس عبد الحميد الشايب، "الترجيح بين المقاصد وأثره في الفقه الإسلامي: دراسة تأصيلية تطبيقية"، مجلة دراسات (علوم الشريعة والقانون)، الجامعة الأردنية، المجلد 42، العدد 3، 2015م.
  • [^13]: المصدر نفسه، ص 7-10.
  • [^14]: الشاطبي، الموافقات، ج1، ص 25-27.
  • [^15]: ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص 220-222.
  • [^16]: ابن القيم، إعلام الموقعين، ج3، ص 3 (فصل تغير الفتوى بتغير الزمان).
  • [^17]: الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 15.
  • [^18]: الريسوني، نظرية المقاصد، ص 155 (بتصرف).
  • [^19]: القرضاوي، الاجتهاد، ص 205-208.
  • [^20]: ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص 245-247.
  • [^21]: تيار المستقبل السوري، "من الشورى إلى الشورقراطية تأصيلٌ شرعي ومقاربةٌ وطنية".
  • [^22]: المرجع نفسه.
  • [^23]: الشاطبي، الموافقات، ج4، ص 195 (أهمية فقه التنزيل).
  • [^24]: تيار المستقبل السوري، الحوار الوطني، خارطة طريق وتحديات.
  • [^25]: القرضاوي في فقه الأولويات، ص 90-95.

شاركها على:

اقرأ أيضا

ألعاب التحديات الطرقية ومخاطرها على الأسرة السورية

ما هي مخاطر ألعاب التحديات الطرقية على الأسرة السورية؟ تحليل لأبعادها التربوية والاجتماعية.

12 يونيو 2026

الدكتور زاهر بعدراني

اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال

اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال يسلط الضوء على أهمية حماية حقوق الأطفال وحقهم في التعليم.

12 يونيو 2026

إدارة الموقع