مقدمة:
شهدت السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً لما يُعرف بـ"التحديات الطرقية" أو "تحديات الشارع"، وهي أنشطة يقوم أصحابها بتصوير مقاطع مصورة في الأماكن العامة، تعتمد غالباً على تقديم مبالغ مالية أو جوائز مقابل تنفيذ مهام آنية، مثل تناول أطعمة شديدة الحموضة أو الحرارة، أو القيام بسلوكيات استعراضية لا تحمل قيمة معرفية أو تربوية أو مهنية واضحة.
ورغم أن هذه الأنشطة تُقدَّم عادةً ضمن إطار الترفيه وصناعة المحتوى الرقمي، فإن انتشارها المتزايد بين فئة الشباب والأطفال يستدعي وقفة جادة لدراسة آثارها الاجتماعية والتربوية والنفسية، خصوصاً في مجتمع يمر بمرحلة إعادة بناء شاملة بعد سنوات طويلة من الحرب والاضطرابات.
من بناء الإنسان إلى استهلاك الإنسان:
يرى مكتب شؤون الأسرة في تيار المستقبل السوري أن التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمع السوري اليوم لا يكمن في صناعة المزيد من المحتوى الترفيهي، بل في إعادة بناء الإنسان السوري فكرياً وتربوياً ومهنياً.
ففي الوقت الذي يحتاج فيه ملايين الأطفال واليافعين إلى برامج دعم تعليمي وتدريب مهني وتنمية مهارات، نجد أن جزءاً من الاهتمام العام يتجه نحو أنشطة تقوم على الإثارة العابرة والانتشار السريع دون إنتاج قيمة مضافة حقيقية للفرد أو المجتمع.
لقد قدّم المفكر الإسلامي الراحل الشيخ محمد الغزالي رحمه الله رؤية عميقة في كتابه "كيف تصنع من الليمون الحامض شراباً حلواً"، حيث دعا إلى تحويل التحديات والصعوبات إلى فرص للنجاح والبناء.
أما بعض التحديات المنتشرة اليوم فتسير في الاتجاه المعاكس، إذ يتم تحويل الإمكانات والموارد إلى مشاهد استهلاكية مؤقتة تنتهي بانتهاء التصوير، دون أن تترك أثراً تنموياً مستداماً.
التأثير على الأطفال واليافعين:
تكمن خطورة هذه الظاهرة في الرسائل غير المباشرة التي تنقلها إلى الأجيال الجديدة.
فالطفل أو المراهق الذي يشاهد مئات المقاطع المشابهة قد يبدأ بتكوين قناعة بأن الشهرة أو المال يمكن تحقيقهما عبر السلوكيات الاستعراضية أو التحديات الغريبة، بدلاً من الاجتهاد في التعلم واكتساب المهارات والإبداع والإنتاج.
كما أن تكرار هذه المشاهد يساهم تدريجياً في إعادة تشكيل منظومة القيم لدى بعض الشباب، بحيث تصبح الإثارة والانتشار السريع أكثر جاذبية من الإنجاز الحقيقي والعمل المنتج.
ومن منظور أسري، فإن هذا النوع من المحتوى يضع الآباء والأمهات أمام تحديات جديدة تتعلق بتوجيه الأبناء وإدارة الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات، وحمايتهم من تقليد سلوكيات قد تكون مؤذية صحياً أو نفسياً.
الحاجة إلى بدائل إيجابية:
لا يدعو مكتب شؤون الأسرة إلى محاربة الترفيه أو إلغاء المحتوى الشبابي، فالمجتمعات السليمة تحتاج إلى مساحات للمتعة والترفيه.
لكن السؤال المطروح هو: أي ترفيه نريد؟
وهل يمكن توظيف الموارد المالية والإعلامية نفسها في مبادرات أكثر فائدة للمجتمع؟
إن الأموال التي تُصرف على بعض التحديات قادرة على تمويل مسابقات للقراءة، أو برامج لتعلم اللغات، أو مبادرات للبرمجة والتكنولوجيا، أو مسابقات للمشاريع الصغيرة، أو برامج تدريب مهني للشباب، أو أنشطة تطوعية تخدم المجتمع المحلي.
وفي مثل هذه الحالات يتحول المال من وسيلة للفرجة إلى أداة للتنمية، ومن صناعة المشاهدات إلى صناعة القدرات.
التمويل والمسؤولية المجتمعية:
إن من حق المجتمع أن يتساءل عن طبيعة التمويل الذي يقف وراء بعض هذه المشاريع، خاصة عندما تتحول من نشاط فردي محدود إلى مشاريع مستمرة تتطلب ميزانيات متزايدة.
فالشفافية في مصادر التمويل وأهدافه تعد جزءاً أساسياً من المسؤولية المجتمعية، خصوصاً عندما يكون الجمهور المستهدف من الأطفال واليافعين والشباب.
ولا يعني ذلك توجيه الاتهامات أو إصدار الأحكام المسبقة، وإنما الدعوة إلى وضوح أكبر فيما يتعلق بطبيعة هذه الأنشطة وأهدافها ورسائلها.
دور الدولة والمؤسسات:
إننا نرى أن للدولة ومؤسسات المجتمع المدني دوراً مهماً في متابعة الأنشطة العامة التي تؤثر في الصحة العامة أو السلوك المجتمعي أو الفئات العمرية الصغيرة.
فالدول الحديثة لا تتدخل في الأفكار بقدر ما تعمل على تنظيم الأنشطة العامة وضمان سلامة المشاركين فيها وحماية الفئات الأكثر عرضة للتأثر بمحتواها.
ومن هنا تبرز أهمية وجود معايير واضحة تراعي الجوانب الصحية والنفسية والأخلاقية عند تنفيذ الأنشطة الجماهيرية التي تستهدف الجمهور الواسع.
خاتمة:
إن سورية الجديدة تحتاج اليوم إلى استثمار كل فكرة وكل دقيقة وكل مورد في مشروع بناء الإنسان.
فالمعركة الحقيقية بعد الحرب ليست معركة الحجر فقط، بل معركة الوعي والقيم والمهارات.
ونحن بحاجة إلى مكتبات أكثر، ومراكز تدريب أكثر، ومبادرات شبابية أكثر، ومشاريع تعليمية وثقافية أكثر.
إن صناعة العقول أولى من صناعة الضجيج.
وصناعة المهارات أولى من صناعة الترند.
وصناعة المستقبل أولى من صناعة المشاهد العابرة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يحضر في أي مشروع يستهدف الشباب:
كم إنساناً ساهمنا في بنائه؟
وليس فقط كم مشاهدة حققنا؟