بمتابعةٍ عميقةٍ للحادثين الأليمين اللذين هزا محافظتَي دير الزور وحماة خلال أيام متقاربة، يجدد تيار المستقبل السوري تأكيده على أن بناء سورية الجديدة يمرّ عبر إرساء أنظمة حماية فعالة للأرواح والممتلكات قبل أي شيء آخر.
فما حدث في بادية المريعية شرقي دير الزور يوم الجمعة 5 حزيران/يونيو 2026، وما تلاه في صوامع كفربهم بريف حماة يوم السبت 6 حزيران/يونيو 2026، نراه ناقوس خطر يدقّ بضرورة إحداث نقلة نوعية في ثقافة وإجراءات السلامة المهنية، والانتقال من ردود الأفعال المتأخرة إلى أنظمة وقائية متكاملة تُعرف في الأدبيات المتخصصة باسم "نظام الحماية (سيفتي)" .
أولاً، وقائع مأساوية بأسباب معروفة:
حادثة دير الزور – غاز كبريتيد الهيدروجين (H₂S):
في بادية بلدة المريعية، فارق العنصران عبد الحكيم مرهش الضياف ويوسف خلف الأحمد المرهش الحياة أثناء تأدية عملهما في حرس المنشآت، بعد استنشاق غاز كبريتيد الهيدروجين السام المنبعث من أحد الآبار النفطية.
ويُعد هذا الغاز عديم اللون ذا رائحة تشبه رائحة البيض الفاسد، وينتج طبيعياً عن تحلل المواد العضوية المحتوية على الكبريت، ويتسبب عند استنشاقه بتركيزات مرتفعة بتهيج الجهاز التنفسي وفقدان الوعي والوفاة خلال دقائق.
حادثة حماة – الانفجار الغباري في صوامع كفربهم:
أثناء أعمال الصيانة الدورية لصوامع الحبوب استعداداً لاستلام موسم القمح لعام 2026، وقع انفجار غباري عنيف أسفر عن وفاة العامل حمزة جمال الشمطية وإصابة تسعة آخرين، بعضهم في حالة حرجة، وقد أظهرت التحقيقات الأولية أن الحادث وقع نتيجة قيام متعهد الصيانة باستخدام آلة لحام بشكل مخالف لشروط الأمن والسلامة المعتمدة، التي تمنع تنفيذ أعمال اللحام داخل الصوامع إلا وفق ضوابط محددة وبيئة خالية من الغبار القابل للاشتعال.
يرى تيار المستقبل السوري أن هاتين الحادثتين تكشفان عن فجوة خطيرة في منظومة السلامة المهنية الوطنية، تعود إلى غياب أنظمة رقابية صارمة، وضعف التدريب على المخاطر المتخصصة، وتراجع ثقافة الوقاية مقابل هيمنة ثقافة رد الفعل.
ثانياً، من فاجعة إلى مؤسسة – نظام الحماية "سيفتي" كضرورة وطنية:
بينما لا تزال سورية تبني مؤسساتها في مرحلة انتقالية دقيقة، تؤكد تجارب الدول المتقدمة أن أنظمة الحماية (Safety Systems) تشكل الركيزة الأساسية للحد من الحوادث المهنية وحماية الأرواح، وهي ليست رفاهية تقنية، بل استثمار في العامل البشري ومقوّم أساسي لجذب الاستثمار وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وفيما يلي أبرز النماذج الدولية الملهمة التي يستلهم منها تيار المستقبل السوري رؤيته لتطوير منظومة السلامة المهنية في سورية:
تتبنى النرويج في تنظيم صناعتها النفطية نهجاً قائماً على "متطلبات الأداء"، حيث يُطلب من الشركات تحقيق مستويات أمان محددة بأي وسيلة تختارها، مع ترك مسؤولية الابتكار وإدارة المخاطر على عاتقها، فيما تمارس جهات متخصصة مثل Havtil دوراً رقابياً فعالاً، كما يُعد التدريب على شهادات السلامة (HSE) شرطاً أساسياً للعمل في هذا القطاع.
طوّرت ألمانيا توجيهاً أوروبياً صارماً (ATEX 137) يُلزم أرباب العمل بحماية العمال من مخاطر الأجواء المتفجرة، ويحدد المناطق الخطرة ويصنفها، ويفرض استخدام معدات خاصة معتمدة في صوامع الحبوب والمطاحن.
المملكة المتحدة عبر مبادئ "قواعد إنقاذ الأرواح" (Life Saving Rules)، فبعد عقود من تطوير السلامة في بحر الشمال، اعتمدت المملكة المتحدة منهجيةً تركز على مجموعة صغيرة من القواعد السلوكية البسيطة والمحددة التي تتصدى للمخاطر الأكثر فتكاً في قطاعي النفط والغاز، وطبّقتها شركات عالمية كبرى لخفض الوفيات الناجمة عن الحوادث إلى ما يقارب الصفر.
الولايات المتحدة وتجربة سلطة وموارد رقابية (OSHA)، حيث تخصص إدارة السلامة والصحة المهنية الأمريكية (OSHA) موارد بشرية وفنية هائلة للتفتيش الدوري المفاجئ، مع سلطة إصدار غرامات مالية كبيرة، إلى جانب حملات توعية وبرامج تدريب إلزامية معتمدة.
أدخلت سنغافورة نظام "قانون السلامة والصحة المهنية" (WSH Act) الذي يدمج المسؤولية بين أرباب العمل والموظفين والمصممين والموردين، مع فرض تقييمات دورية للمخاطر وإلزامية الإبلاغ عن الحوادث الوشيكة، ما جعلها من بين الدول الأكثر أماناً على مستوى العالم.
اعتمدت أستراليا "قانون الصحة والسلامة المهنية النموذجي" (Model WHS Act) الذي تتبناه أغلب الولايات، ليضمن توحيد المعايير وتسهيل الامتثال وتطبيق مبدأ "المعرفة المسبقة" في تقييم المخاطر.
ثالثاً، رؤية تيار المستقبل السوري:
انطلاقاً من إيمانه الراسخ بأن تطوير أنظمة الحماية هو استثمار في مستقبل سورية وكرامة أبنائها، يدعو تيار المستقبل السوري إلى مأسسة وتفعيل "اللجنة الوطنية العليا للسلامة والصحة المهنية" وتكليفها فوراً بمهمة تصميم وتنفيذ "نظام الحماية الوطني (سيفتي)" وفق منهجية متكاملة تراعي خصوصية القطاعات الحيوية. وتتمثل أهم أركان هذه الرؤية فيما يلي:
- إصدار تشريع وطني ملزم (قانون الحماية الوطنية)، يُلزم جميع منشآت القطاعين العام والخاص بوضع وتنفيذ نظام للحماية والصحة المهنية وفق المعايير الدولية (ISO 45001)، مع إلزامية إنشاء سجلات وطنية للحوادث والمخاطر المهنية، وتوحيد إجراءات الإبلاغ والتحقيق.
- إنشاء هيئة رقابية مستقلة وإلزامية الاعتماد الفني، واستحداث "الهيئة الوطنية للسلامة والصحة المهنية" بصلاحيات تفتيشية واسعة، ووضع نظام إلزامي لاعتماد فني دوري للمنشآت ذات المخاطر العالية (النفط والغاز، الصوامع، المواد الكيميائية، الإنشاءات، وغيرها).
- تطوير منظومة تدريب وطنية وفق نموذج الشهادات الإجبارية، عبر اعتماد برامج تدريب وتأهيل إلزامية للعاملين في القطاعات عالية الخطورة، تشمل إصدار "شهادة سلامة مهنية" متخصصة، تُجدد دورياً، وتُعتبر شرطاً أساسياً للالتحاق بالعمل.
- تجهيز غرف عمليات طوارئ متخصصة في كل محافظة، تكون مزودة بأحدث أنظمة الاستجابة السريعة والإنذار المبكر، مع تخصيص فرق تدخل مدربة ومجهزة للتعامل مع الحرائق والانفجارات والمواد الكيميائية والغازات السامة.
- إطلاق حملات توعية وطنية مستدامة، بالشراكة بين وزارات الإعلام والتربية والتعليم العالي والصحة، لنشر ثقافة الوقاية وإدارة المخاطر كقيمة وطنية، تبدأ من المناهج الدراسية وتصل إلى مواقع العمل.
يطّلع تيار المستقبل السوري على هذه الحوادث الموجعة بحزن عميق، ويتقدم بأصدق التعازي لذوي الضحايا، ويدعو الحكومة السورية وكافة مؤسسات الدولة والقطاع الخاص إلى اعتماد "نظام الحماية سيفتي" كأولوية قصوى ضمن جهود إعادة الإعمار وتثبيت دعائم الدولة الحديثة.
فكل روح تُزهق بسبب إهمال أو تقصير في السلامة هي خسارة لا تعوض، وكل نظام حماية نؤسسه اليوم هو استثمار في غد أكثر أماناً لسورية الجديدة.