يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ التطورات السياسية المتسارعة في سورية الجديدة، ومنها انعقاد مؤتمر "الوحدة والتضامن" للمجلس التركماني السوري يوم السبت 6 حزيران/يونيو 2026 في المركز الثقافي العربي بكفرسوسة بدمشق، ونرى في هذا المؤتمر خطوة إيجابية نحو اندماج كامل للمكون التركماني في العملية السياسية الوطنية، ويعتبرها رسالة واضحة برفض التهميش والإقصاء، والتأكيد على أن سورية الجديدة تتسع للجميع.
يُثمّن تيار المستقبل السوري عدة مكاسب أساسية حققها هذا المؤتمر:
- رمزية المكان: انعقاد المؤتمر في العاصمة دمشق، وليس خارج البلاد، يحمل دلالة عميقة على تجاوز مرحلة الاستقطاب والصراع، والانخراط الجاد في بناء الدولة الجديدة تحت سقف وطني واحد.
- الاعتراف بالتنوع: طرح المجلس رؤية متكاملة تطالب بالاعتراف الدستوري بالتركمان كمكون أساسي، وضمان حقوقهم الثقافية والتعليمية (التعليم باللغة التركية)، والتمثيل العادل في الحكومة ومجلس الشعب واللجان الدستورية، والعودة الآمنة للنازحين واستعادة الممتلكات.
- التوافق الوطني: مشاركة شخصيات سياسية واجتماعية ودينية من مختلف المكونات، وتصريحات داعمة من رئيس المجلس الوطني الكردي والقس شيرو شعرة وغيرهما، تعكس إجماعاً وطنياً على أن قوة سورية تكمن في وحدتها وتنوعها. يرى تيار المستقبل السوري أن المؤتمر واجه أيضاً تحديات واضحة، أبرزها:
- صراع التمثيل: التصريحات المتبادلة بين أقطاب المجلس التركماني، والتحذيرات التي أطلقها الدكتور طارق سلو حول "إعادة فتح الجروح"، تكشف عن انقسامات داخلية حول القيادة والتمثيل، تضعف الصوت التركماني الموحد وتُفقد المطالب قوتها.
- خطر الاحتكار: التحفظ لـ "احتكار التمثيل السياسي والاجتماعي الكامل لتركمان سورية" في كيان واحد، وهذا تحذير مشروع من أن أي مكون لا يمكن اختزاله في جهة واحدة، خصوصاً في غياب آليات ديمقراطية داخلية.
- الفجوة بين الشعارات والواقع: تساؤلات حول قدرة المجلس على ترجمة شعاراته إلى واقع ملموس، تعكس إحباطاً متراكماً من كثرة المؤتمرات والبيانات دون نتائج.
انطلاقاً من منهجيتنا القائمة على الاستفادة من التجارب العالمية الرائدة، يرى تيار المستقبل السوري أن إدارة التنوع في سورية الجديدة لا يمكن أن تنجح من خلال "تنافس المكونات على الحصص"، بل من خلال نموذج المواطنة المتساوية والمؤسسات الجامعة.
وفي هذا السياق، نستلهم تجارب دول نجحت في تحويل التنوع إلى قوة:
- النموذج السويسري (التوافقية): سويسرا، بأربع لغات رسمية وأكثر من 20 كانتوناً، اعتمدت نظاماً لامركزياً يمنح صلاحيات واسعة للمناطق، مع حكومة اتحادية قائمة على التوافق وتقاسم السلطة، مما جعلها نموذجاً في الاستقرار رغم التنوع.
- النموذج الكندي (متعدد الثقافات): اعتمدت كندا رسمياً "سياسة التعددية الثقافية" منذ عام 1971، والتي لا تكتفي بالاعتراف بالتنوع، بل تدعمه وتشجعه كقيمة وطنية، مع حماية حقوق المكونات في إطار قانوني موحد يضمن المساواة الكاملة.
- النموذج البلجيكي (الفدرالية المرنة): بلجيكا نجحت في تحقيق توازن دقيق بين المجتمعات الناطقة بالفرنسية والهولندية والألمانية، من خلال نظام فيدرالي معقد لكنه فاعل، وآليات وساطة وتوافق تحول الخلافات إلى حلول مؤسسية.
- تجربة إقليم كردستان (التشاركية): رغم التحديات، تقدم التجربة العراقية نموذجاً في إقليم كردستان على إدارة التنوع من خلال حكومة تشاركية وتقاسم السلطة بين الأحزاب والمكونات المختلفة، مع اعتراف دستوري بالحقوق الثقافية.
ونرى من خلال هذه التجارب أنها تؤكد على أن نجاح إدارة التنوع يتطلب ثلاثة عناصر أساسية: دستور يعترف بالحقوق دون تمييز، ولامركزية إدارية تمكن المناطق والمكونات، وأنظمة انتخابية وتشكيل حكومات قائمة على التوافق، لا على الأغلبية المطلقة.
استناداً إلى ما سبق، يدعو تيار المستقبل السوري إلى:
- الإسراع في إقرار دستور دائم يعترف بكل مكونات الشعب السوري (عرب، أكراد، تركمان، آشوريون، كلدو سريان، أرمن، شركس، شيشان، إسماعيليون، علويون، دروز، مسيحيون) كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، ويضمن لهم حقوقهم الثقافية والتعليمية في إطار وحدة التراب الوطني.
- اعتماد نظام لا مركزي إداري يمنح المحافظات والمناطق صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها المحلية، بما يتناسب مع خصوصياتها الديموغرافية والثقافية، دون المساس بوحدة الدولة وسيادتها، بحسب ما ندعوا إليه باللامركزية التشاركية.
- ضمان تمثيل عادل لجميع المكونات في مؤسسات الدولة (الحكومة، مجلس الشعب، المجالس المحلية، الهيئات المستقلة)، عبر آليات انتخابية وتشكيلية تضمن المشاركة الفعلية وليس الرمزية.
- حل النزاعات الداخلية للمكونات عبر الحوار، ودعم تشكيل هيئات تمثيلية ديمقراطية داخل كل مكون، لا أن تتحول الخلافات الداخلية إلى أزمات وطنية.
- تفعيل دور هيئة مستقلة للحقوق والحريات تتولى رصد أي خطاب كراهية أو تمييز أو تهميش، وتعمل على تعزيز ثقافة التسامح والتنوع كقيمة وطنية.
يُشيد تيار المستقبل السوري بمبادرة المجلس التركماني السوري في عقد مؤتمر "الوحدة والتضامن" في دمشق، ويدعو جميع المكونات السورية إلى حذو هذا النموذج، والانخراط في حوار وطني شامل يخرج بخريطة طريق واضحة لإدارة التنوع.
كما نؤمن أن سورية الجديدة التي ننشدها لن تكون دولة المكون الواحد أو الحزب الواحد، بل دولة المواطنة المتساوية، حيث يُقاس ولاء المواطن بمساهمته في بناء وطنه، لا بانتمائه العرقي أو الديني.
فإن تنوعنا ثروتنا، ووحدتنا في التنوع هي ضمان مستقبلنا.