مقدمة – أيام الله والتحولات الكبرى:
نقف في هذه العشر الأوائل من ذي الحجة، حيث تقبل القلوب على ربها وتستعد لاستباق النفحات، نقف أمام نصوص الوحي وسنن الكون متأملين دلالة أعمق من ظاهرية الشعائر.
لتتجلى لنا كلحظة نادرة يتقاطع فيها الزمن المقدس مع زمن التحول الوطني في سورية، ولنكتشف أن التضحية التي نرددها في مناسكنا، منهجُ تحول مستمر من حال القهر إلى حال العزة، ومن التبعية إلى السيادة، ومن المركزية الاستبدادية إلى التعددية المقاصدية.
لقد أقسم الله بهذه الأيام تنويهاً بشرفها وعظم شأنها، فقال سبحانه: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} ، وقد جزم جمهور المفسرين أن المراد بالليالي العشر هي عشر ذي الحجة، والله لا يقسم إلا بعظيم.
وأكد النبي ﷺ فضلها حين قال: «ما العمل في أيام أفضل من هذه العشر»، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء».
الفصل الأول – الأضحية والمواطنة في قصة سيدنا إبراهيم:
إن قصة سيدنا إبراهيم -عليه السلام- حين أمر بذبح ابنه إسماعيل هي أعظم نموذج على التضحية من أجل العقيدة، إلا أن الفهم التقليدي لهذه القصة قد حصرها في البعد الشعائري فقط، بينما هي تختزل تجسيداً لمبادئ وحقوق وواجبات تتجاوز حدود الزمان والمكان.
يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه "فقه السيرة": "لقد كانت محنة إبراهيم الذبيح امتحاناً لثنائية الأبوة والنبوة، فأطاع الله على حساب عواطفه البشرية".
كما ويُذكرنا هذا الامتحان الإلهي العظيم بأن التضحية الحقيقية لا تكتمل إلا بتجريد النفس من كل ما يعوق طاعة الله وتحقيق العدل.
ويعني مما يعنيحين نستلهم هذه القصة في الواقع السوري المعاصر أن علينا اليوم أن نضحي بكثير من الممارسات السياسية والاجتماعية الفاسدة التي رسخت عقود من الحكم الشمولي، وأن نذبح طاغوت المركزية والتبعية ليقوم مجتمع فاضل تسوده العدالة والمساواة بين جميع أفراده .
تقودنا قراءة مقاصدية لقصة الأضحية إلى جوهرها الأخلاقي، حيث يرى المفكر مالك بن نبي أن الحضارة لا تنهض إلا بتقديم التضحية الجماعية من أجل مشروع نهضوي شامل، فلقد علمنا إبراهيم -عليه السلام- أن المواطنة الحقيقية في دولة الحق والقانون تتطلب منا أن نذلل صعوبات البناء ونضحي بأنانياتنا وأحزاننا ومصالحنا الضيقة من أجل قيام دولة المؤسسات لا دولة الأفراد، فكما أن أضحية العيد رمز لفداء الإنسان من سلطة الأنانية والمال والنفوذ، فإن الأضحية اليوم هي بذل الغالي والنفيس من أجل سورية الجديدة.
الفصل الثاني – من الشعائر إلى المقاصد:
في روح المنهج التفكيكي والرؤية الما بعد حداثية، نجرؤ على السؤال: ألم يكن الخطاب الديني التقليدي أسير سلطة النص المغلق وسلطة المؤسسة الواحدة؟ ألم تُستخدم مفاهيم "الطاعة" و"الجماعة" لتبرير نظام استبدادي استنزف سورية لعقود؟ ثم نطرح من زاوية رمزية فكرة أن الذبيح في قصة إبراهيم أنه قد تم فداؤه بذبح عظيم وليس مقصوداً به الذبح الفعلي للإنسان وهو ما يعزز بعدها الرمزي والأخلاقي.
ولعل المقصود الأعظم من الأضحية هو تقوى القلوب، يقول تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ} [سورة الحج:37]، وهذا يذكرنا بأهمية تأسيس الدولة المدنية العصرية التي لا تُنكر الأديان ولا تستبعدها .
من جهة أخرى، نجد في فقه المقاصد عند الإمام الشاطبي أن مقاصد الشريعة تنقسم إلى قسمين رئيسيين: قصد الشارع (الغاية لتشريع الأحكام الإلهية)، وقصد المُكلف (غاية المؤمن من تطبيق تشريعات دينه)، وهو بذلك يؤسس لوعي مزدوج بالغاية الإلهية ونية الإنسان، والوعي المزدوج المقصود هنا يفيد بأن الشاطبي وضع معادلة توازن بين طرفين: طرف غيبي وتشريعي ثابت (ماذا يريد الله من هذا الحكم؟)، وطرف إنساني واقعي متغير (ماذا ينوي الإنسان بفعله هذا؟)، فلا يكفي لكي يكون السلوك الإنساني "مشروعاً وحضارياً" أن يلتزم بالقانون الظاهري فقط، بل يجب أن يمتلك الإنسان وعياً مزدوجاً: يفهم فلسفة التشريع وغايته (قصد الشارع)، ويضبط بوصلته النفسية والأخلاقية (قصد المكلف) ليتطابقا معاً.
ويؤكد الدكتور يوسف القرضاوي أن مقاصد الشريعة ليست مجرد نصوص نظرية بل هي أداة عملية تُوجّه عملية الاجتهاد الفقهي نحو تحقيق التوازن في ضبط التوازن بين النصوص الشرعية ومتطلبات الواقع.
أما المفكر المعاصر طه عبد الرحمن، فيقدم مشروعاً فلسفياً أخلاقياً يجعل من علم المقاصد صورة الأخلاق مندمجة في علم الأصول، ويؤكد أن المعرفة بلا التزام أخلاقي تظل ناقصة، وأن العقل الذي يبتعد عن الروح والضمير لا يمكنه بناء حضارة راشدة.
وهذا يضعنا أمام مسؤولية تحديث الخطاب الديني في سورية، بحيث يرتقي من مستوى الخطب التوجيهية والوعظية إلى مستوى فكري حضاري نهضوي شامل.
الفصل الثالث – الأضحية والمرحلة الانتقالية:
في نهاية عام 2024، وبعد أكثر من خمسة عقود من حكم حزب البعث، أطاحت الثورة الشعبية ومفرزاتها المركبة بحكومة بشار الأسد، وقد واجه السوريون خلال هذه الفترة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتدهوراً كارثياً في الظروف الاقتصادية والأمنية.
هذا، ووفقاً للتقارير الدولية، تشهد -وما تزال- سورية واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً وإلحاحاً في العالم، حيث أُفيد أن أكثر من 16 مليون سوري بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، بينما يعيش أكثر من 70% من اللاجئين السوريين في فقر داخل مخيمات النزوح.
أما الدمار الذي لحق بالبنية التحتية، فقد قدرت كلفة إعادة الإعمار بين 140 و345 مليار دولار، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لسورية في عام 2024، هذا بالإضافة إلى أن الاقتصاد السوري قد تقلص بمقدار الثلثين، وأن نصف السكان يعيشون في فقر مدقع.
هذه الأرقام هي جراح حية تحتاج إلى تضحية وطنية كبرى وأضحية جماعية متجددة: التضحية بالكراسي والمحاصصة باسم المصلحة العامة، والتضحية بخطاب الكراهية باسم المصالحة التاريخية، والتضحية بمركزية القرار باسم اللامركزية وتمكين المحافظات، والتضحية بفكرة "الزعيم المنتظر" باسم المؤسسات الدستورية.
إن المرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية اليوم تتطلب إعادة هيكلة للمشهد الفكري والديني نفسه، وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة الخطاب الديني والخروج به من مآزق الأيديولوجيا والطقوس والسيولة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولتكن همته فهم مَقَاصِد الرَّسُول في أمره وَنَهْيه وَسَائِر كلامه"، مؤكداً أن على العالم أن يعلم مقاصد الشرع ليعمل بها ويعلمها الناس.
الفصل الرابع – الإسلام الحضاري:
عندما نتحدث عن الإسلام الحضاري الذي تبنيناه في تيار المستقبل السوري، فإننا نتحدث عن رؤية بديلة تستفيد من خبرة 1500 عام من العيش المشترك في سورية لتتجاوز قصور النماذج السابقة، حيث نهدف بذلك إلى بناء "الإنسان الحضاري" باعتباره المدخل الحقيقي لنهضة سورية الجديدة، عبر إعادة إعداد المواطن الصالح والمصلح في العمل والعلم والمادة والروح والثقافة والاعتقاد، وذلك من خلال قيم الأديان السماوية وحقوق الإنسان واحترام التعددية.
كما وإن الفكرة المقاصدية التي يمكن أن تتبناها سورية ما بعد الانتقالي تعني الفصل بين مؤسسات السلطة وأي هيمنة دينية مع الاحتفاء بالدين كمصدر للقيم والمبادئ.
والمواطنة المتساوية هي جوهر هذا المشروع، الذي لا يفرق بين سوري وآخر إلا بالعمل الصالح والإبداع الحضاري.
وأخيراً، الاجتهاد المؤسسي، أي تحويل "فتوى الفرد" إلى "سياسات عامة" تنبثق عن مؤسسات بحثية تراعي الواقع والمآلات، وهو ما يتسق مع رؤية مالك بن نبي الذي أكد على أن النهضة الحضارية لا تتحقق إلا بإنتاج الإنسان الحضاري الذي يمتلك الرؤية والأداة معاً.
الخاتمة:
نستقبل عيد الأضحى في هذه الأيام المباركة، وقلوبنا مفعمة بالأمل بأن تكون أيام العيد القادمة على سورية وقد انتهت مرحلة الجرح وبدأت مرحلة البناء، وندعوا الله سبحانه أن يلهم قياداتنا وشعبنا فقه الأولويات المقاصدية، بأن تكون الدولة خادمة للدين بحرية الإنسان، لا حارسة للدين باغتيال العقل.
ونحن في تيار المستقبل السوري نؤمن أن الإسلام الحضاري هو مشروع حياة يتجلى في مدن عامرة، وعقول منفتحة، وقوانين عادلة، وعلاقات إنسانية كريمة.
وإذا كانت الأضواء تُشعل في العيد رمزاً للفرح، فإننا إن أشعلنا نور المقاصد في قلوبنا وعقولنا، فسنبني سورية التي نحلم بها، سورية التسامح، سورية الإبداع، سورية المواطنة.
كل عام وسورية تتعلم كيف تذبح طاغوت الداخل والخارج.
كل عام وسورية تقوم من رقدتها حضارة جديدة.
كل عام وسورية أقرب إلى تحقيق مقاصد السماء في الأرض.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.