المكرّم رقم (58): الدكتور عارف دليلة

في إطار برنامج “درع تيار المستقبل السوري”، الذي يُخلّد الشخصيات السورية التي نصرت الثورة السورية وقيم الحرية والكرامة، نسلّط الضوء هذه المرة على شخصية الدكتور عارف دليلة، المفكر الاقتصادي والسياسي السوري المعروف، وعميد كلية الاقتصاد الأسبق، الذي قدّم نموذجاً استثنائياً في المعارضة السلمية للنظام السوري، ودفع من عمره وصحته ثمناً لمواقفه الوطنية.

يُعد الدكتور عارف دليلة واحداً من أبرز رموز المعارضة الديمقراطية السورية، ومن الشخصيات التي واجهت منظومة الفساد والاستبداد بعقل أكاديمي وطرح اقتصادي عميق، مؤمناً بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من العدالة والشفافية والمواطنة المتساوية.

النشأة والمسيرة الأكاديمية:

وُلد الدكتور عارف دليلة عام 1942 في مدينة اللاذقية، وتخرّج عام 1967 من كلية التجارة في جامعة دمشق، قبل أن ينال درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة موسكو “لومانوسوف” عام 1972.

عمل مستشاراً اقتصادياً في دولة الكويت بين عامي 1981 و1986، ثم عاد إلى سورية ليتولى منصب عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، حيث عُرف بجرأته الفكرية وانتقاداته البنيوية للفساد الاقتصادي والإداري.
وفي عام 1998 تم عزله من منصبه عقب محاضرة ألقاها في اتحاد الكتّاب العرب تناولت الخلل الاقتصادي والفساد المؤسسي في الدولة السورية.

تركّزت أبحاثه وكتاباته على:

  • التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية.
  • العدالة الاجتماعية.
  • الحوكمة الرشيدة.
  • مكافحة الفساد.
  • الإصلاح الإداري والاقتصادي.

دوره في ربيع دمشق:

مع انطلاق مرحلة “ربيع دمشق” بعد تولّي بشار الأسد الحكم عام 2000، كان الدكتور عارف دليلة في مقدمة الأصوات المطالبة بالإصلاح السياسي والديمقراطي.

شارك في المنتديات الفكرية والسياسية، وساهم في إعادة إحياء النقاش العام حول مستقبل سورية، وضرورة الانتقال نحو دولة المؤسسات والقانون.

كما خاض انتخابات مجلس الشعب عام 1998، واعتبرها آنذاك “المنبر الوحيد الممكن لمخاطبة الرأي العام”، في خطوة عكست رغبته في الإصلاح من داخل المجال العام رغم القيود الأمنية والسياسية.

الاعتقال والمحاكمة السياسية:
في 9 سبتمبر/أيلول 2001، ألقى الدكتور دليلة محاضرته الشهيرة في منتدى جمال الأتاسي بعنوان:
“الاقتصاد السوري: مشكلات وحلول”، حيث دعا إلى:

  • توسيع الحريات العامة.
  • إنهاء الفساد.
  • تعزيز الشفافية.
  • بناء دولة القانون.

وبعد أسبوع واحد فقط، قامت أجهزة المخابرات السورية باعتقاله.

وفي يوليو/تموز 2002، أصدرت محكمة أمن الدولة العليا حكماً بحقه بالسجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة، بتهم سياسية شملت:

  • محاولة تغيير الدستور بطرق غير قانونية.
  • التحريض على العصيان.
  • نشر أخبار كاذبة.

وقد اعتُبرت محاكمته واحدة من أبرز المحاكمات السياسية في تاريخ سورية الحديث.

سنوات السجن والمعاناة الصحية:
أمضى الدكتور عارف دليلة سبع سنوات في السجن، معظمها في الحبس الانفرادي داخل سجن عدرا السياسي بدمشق، في ظروف قاسية أدّت إلى تدهور صحته بشكل بالغ.

ومن أبرز ما تعرّض له خلال الاعتقال:

  • الإصابة بتجلطات رئوية.
  • أمراض قلب وشرايين.
  • داء السكري.
  • جلطة دماغية عام 2006 أفقدته الإحساس بجزء من جسده.
  • الإضراب عن الطعام عدة مرات احتجاجاً على سوء المعاملة.
  • التعرض للتعذيب والضرب وفق ما وثّقه محاموه ومنظمات حقوقية.

وقد أصبح أطول معتقلي “ربيع دمشق” بقاءً في السجن.

الحملة الدولية للإفراج عنه:
تحوّلت قضية الدكتور عارف دليلة إلى قضية رأي عام حقوقية دولية، حيث:

اعتبرته منظمة العفو الدولية “سجين رأي”.

احتج مركز PEN الأمريكي على محاكمته.

طالبت عشرات المنظمات الحقوقية بالإفراج عنه.

أشار إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في خطاب رسمي كسجين سياسي سوري.

وفي 7 أغسطس/آب 2008، أُفرج عنه بعفو رئاسي بعد تدهور وضعه الصحي.

وكان أول تعليق له بعد الإفراج: “تمضية كل هذا الوقت في السجن من غير أن أرتكب أي جريمة يفوق تصوري.”

موقفه من الثورة السورية:

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، واصل الدكتور عارف دليلة دعمه لمسار التغيير الديمقراطي، وسعى إلى تخفيف الاحتقان الطائفي، خصوصاً في مدينة اللاذقية.

كما انضم إلى المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، مؤكداً تمسكه بالحل السياسي والدولة المدنية الديمقراطية.

وقد شكّل حضوره، بوصفه شخصية علوية معارضة للنظام، دليلاً إضافياً على أن الثورة السورية كانت ثورة شعب ضد الاستبداد، وليست صراعاً طائفياً كما حاول النظام تصويرها.

نشاطه البحثي بعد خروجه من سورية:

بعد مغادرته سورية، استقر في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث واصل نشاطه الفكري والبحثي في المجال الاقتصادي.

وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، عاد اسمه إلى الواجهة الإعلامية من خلال مقابلات وتصريحات تناولت مستقبل الاقتصاد السوري ومرحلة إعادة البناء، كما علّق على ملف رفع العقوبات الأمريكية عن سورية خلال عام 2025.

ورغم تقدمه في السن وتدهور صحته، ما يزال الدكتور عارف دليلة يمثل رمزاً أخلاقياً وفكرياً في الوعي الوطني السوري.

تكريم تيار المستقبل السوري:م

انطلاقاً من إيمان تيار المستقبل السوري بأهمية توثيق نضالات الشخصيات الوطنية السورية، يعلن التيار تكريم الدكتور عارف دليلة بمنحه “درع التيار” الرمزي، تقديراً لمسيرته الأكاديمية والوطنية، وتضحياته الطويلة في سبيل الحرية والكرامة والعدالة.

إن هذا التكريم يأتي وفاءً لكل من حمل قضية الإنسان السوري، وواجه الاستبداد بالكلمة الحرة والموقف الشريف.

كما يؤكد تيار المستقبل السوري أن الدكتور عارف دليلة يمثل نموذجاً وطنياً جامعاً، يثبت أن المعارضة السورية كانت مشروعاً وطنياً عابراً للطوائف والانتماءات، وأن النضال ضد الظلم كان قضية جميع السوريين.

خاتمة:

يبقى الدكتور عارف دليلة واحداً من أبرز رموز النضال السلمي والفكري في سورية الحديثة، وشاهداً حياً على قدرة الأكاديمي الحر على مواجهة الاستبداد مهما بلغت قسوته.

لقد دفع من صحته وحريته ثمناً لمواقفه، لكنه بقي ثابتاً على مبادئه، مؤمناً بأن سورية تستحق مستقبلاً قائماً على الحرية والعدالة والمواطنة.

ونحن في تيار المستقبل السوري نفتخر بتكريمه، ونجدّد التزامنا بتوثيق مسيرة كل من أسهم في نصرة الثورة السورية وبناء الوعي الوطني السوري.

شاركها على:

اقرأ أيضا

تخريج الدفعة الأولى من الشرطة السياحية

تخريج الدفعة الأولى من الشرطة السياحية خطوة مهمة نحو تطوير المنظومة الأمنية في سوريا وتحسين الثقة لدى المواطنين.

20 مايو 2026

إدارة الموقع

وقفة احتجاجية لأهالي المعتقلين أمام الأمم المتحدة

الأهالي يرفعون أصواتهم في وقفة احتجاجية أمام الأمم المتحدة لمطالبة المجتمع الدولي بالتحرك من أجل المعتقلين.

20 مايو 2026

إدارة الموقع