بدأ المنتدى الاستثماري السوري-الإماراتي الأول فعالياته صباح يوم الاثنين 11 أيار/مايو 2026، في فندق إيبلا الشام بريف دمشق، ثم انتقل اليوم التالي الثلاثاء 12 أيار إلى قصر الشعب بدمشق برعاية وحضور الرئيس أحمد الشرع.
هذا المنتدى كان تتويجاً لمسار تصاعدي من التفاهمات التي بلغت ذروتها بإطلاق "منتدى استثماري" متكامل لأول مرة منذ أكثر من 15 عاماً.
وحجم الحدث وأجواؤه وحضور الرئيس بنفسه يعكسان طموحاً سورياً-إماراتياً مشتركاً لتجاوز مرحلة الترقب نحو التنفيذ الفعلي، وتراهن دمشق على تحويل هذه الخطوة إلى رسالة سياسية بأن عودتها إلى محيطها العربي الاقتصادي باتت "أمر واقع".
أبعاد المنتدى:
أولا، البعد الاقتصادي:
كشف المنتدى عن استثمارات ضخمة تتمثل ب:
- زخم تجاري مُحقَّق بالفعل، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 1.3 مليار دولار في عام 2025(منها 1.4 مليار وفقًا لأرقام أخرى بزيادة 132% عن العام السابق)، وتسجيل نحو 40 ألف شركة سورية تعمل في الإمارات.
- مشاريع بمليارات الدولارات قيد الدراسة، فمثلا تدرس شركة "إعمار" الإماراتية مشروعات عقارية في دمشق بقيمة 12 مليار دولار ومشروعات على الساحل السوري بقيمة 7 مليارات دولار.
- أولويات استثمارية واضحة، مثل قطاعات الاتصالات (تقدّمت شركات إماراتية للحصول على رخصة جديدة)، والطاقة والزراعة والأمن الغذائي، والسياحة والتطوير العقاري، والخدمات اللوجستية والمطارات.
ثانيا، البعد السياسي:
ما حدث في دمشق تجاوز الاقتصاد إلى تطبيع عملي تحت عنوان "الفرص" تجلى بـ:
- رسالة مزدوجة: لطالما كانت الإمارات من أكثر الدول تعقيداً في موقفها من الحكومة الانتقالية بسبب مخاوفها من الخلفية الإسلامية، وكونها بلد الثورات المضادة، لكن مشاركتها بهذا المستوى الرفيع تخترق تلك العقدة الضمنية وتعترف بانتهاء مرحلة المقاطعة الفعلية، وفتح صفحة جديدة بالمنطقة وليس بين البلدين.
- توقيت الحضور الرئاسي: حضور الرئيس أحمد الشرع شخصياً في اليوم الثاني واستقباله للوفد، يمنح المنتدى ضمانة سياسية وثقة حكومية قصوى، ويُقرأ كرسالة علنية للعالم بأن سوريا منفتحة للشراكة تحت إدارة هذا النظام السياسي.
- تجاوز البعد الاقتصادي: كما قال وزير الاقتصاد السوري نضال الشعار "زيارة رجال الأعمال الإماراتيين تتجاوز البعد الاقتصادي إلى معاني الثقة والأخوة والرغبة الصادقة في بناء شراكة حقيقية".
ثالثا، البعد التنموي المُعْلن:
ركّز المنتدى على "نموذج التدريب وبناء القدرات" وليس ضخ الأموال فقط من خلال:
- نقل التجربة الإماراتية في تبسيط الإجراءات وسرعة الإنجاز وتطوير بيئة الأعمال عبر تفعيل مجلس الأعمال السوري الإماراتي المشترك لتسهيل التواصل المباشر بين رجال الأعمال والمستثمرين.
التعاون في التمويل متناهي الصغر لدعم المشاريع الصغيرة وتمكين الشباب والأسر ورواد الأعمال، والتعاون في التدريب المهني والتأهيل التقني. - تطوير مناطق صناعية حديثة ومشاريع في التكنولوجيا والتحول الرقمي والحوكمة والمدفوعات الرقمية.
الآن، يبرز السؤال: هل نحن أمام قفزة نوعية أم "دعاية انتخابية"؟
نقاط القوة: ما يميز هذا المنتدى عن غيره:
- إجماع غير مسبوق على "التنفيذ" بدلاً من "الوعود"، حيث تركّزت كل الكلمات على نقل الفرص إلى مشاريع فعلية (وزير التجارة الإماراتي: "نعمل على تحويل الأفكار إلى مشاريع مشتركة")، وهذا نادر في الثقافة المؤتمرية العربية.
- تأسيس "مسار تراكمي"، اذ الأهمية الحقيقية للمنتدى تكمن في إعادة فتح قناة مباشرة بين صانع القرار السوري والمستثمر الإماراتي، ووضع قائمة قطاعات ذات أولوية واضحة، واختبار جدية الوعود السورية بتطبيق قانون الاستثمار وتوسيع "النافذة الواحدة".
- جدية تنظيمية عالية، حيث لاحظ الدكتور خالد الحمدي – خبير استثمار وتخطيط اقتصادي – لاحظ في تحليله "عملاً أكاديمياً تخصصياً وحقيقياً وواقعياً".
نقاط الضعف:
غياب "جملة الصفقات المنفذة": التحليل الأولي لـ Syrian Business Gateway يشير إلى أنه حتى ختام اليوم الأول "لم يُعلن عن حزمة صفقات مرقمة أو قائمة نهائية بمذكرات تفاهم موقعة"، وكان المنتدى "أساساً منصة عرض فرص وجلسات حوار".
ثغرة حقيقية في غياب "ميثاق لضمانات الشفافية": لم تتطرق أي من التغطيات الرسمية أو تحليلات الخبراء إلى وجود هيئة رقابة مستقلة أو خطة زمنية مُلزمة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، مما يُبقي على سؤال جوهري: كيف سيعرف السوري العادي أن وعود الاستثمار تحوّلت إلى أموال دخلت الخزينة، أم بقيت حبيسة "الصفقات المبدئية"؟ تحليل ردود الفعل:
ردود الفعل الرسمية (متفائلة جداً)، حيث أكد وزير الاقتصاد نضال الشعار أن الإمارات "استطاعت بناء نموذج تنموي يقوم على الكفاءة" وأن المنتدى يعكس "عودة سورية إلى قلب الحركة الاقتصادية العربية والعالمية".
وأما وزير التجارة الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي، فقد حرص على نقل صورة الإمارات كدولة تريد بناء شراكة وليس استغلال الفراغ، مشيراً إلى أن بلاده تؤمن بأن الشراكات الاقتصادية تُبنى على التعاون المشترك والمنفعة المتبادلة والتزام طويل الأجل.
وأما ردود فعل الخبراء والمحللين، فنرى خبير الاستثمار الدكتور خالد الحمدي الذي أشار إلى ارتباط الحديث باستثمارات إماراتية باقتصاد عالمي مستقر، ووصف المنتدى بأنه "متميز" في طريقة الطرح.
هذا، و يعتبر معظم الخبراء أن "النتائج الحقيقية" لن تُعرف إلا بعد أشهر، عبر متابعة مدى انخفاض تكاليف التراخيص وسرعة منحها في "النافذة الواحدة" ومدى زيادة مشاريع البنية التحتية فعلياً في الميزانيات القادمة، والرهان الأكبر هو على مدى انفتاح سورية على الشفافية المالية واستقلالية هيئة مكافحة الفساد لاستقبال شكاوى تأخر تنفيذ الوعود(بناءً على استقراء واقع البيئة الاستثمارية الهشة).
وبمتابعتي لتقسيم مواقف النشطاء والمتابعين، قسمتهم لثلاثة أقسام:
- المتفائلون (الذين رأوا خطوة نحو الانفراج): رحبوا بحجم الوفد وطبيعة القطاعات، ورأوا في وعد إعمار بقيمة 19 مليار دولار بمثابة "قشة أمل" في اقتصاد منهك.
- المتشائمون بمنطق "الاستغلال الإسرائيلي لضعف الدولة": فودائع إماراتية ضخمة تعني المزيد من التبعية الاقتصادية. كما أن هناك تخوف من أن رأس المال الخليجي سيذهب للمشاريع الفاخرة (عقارات الساحل، مراكز التسوق) وليس للبنية التحتية المدمرة، ما ينعكس إيجاباً على نخبة المستثمرين فقط.
- المحايدون (منطق "الانتظار والترقب"): يمثلون العدد الأكبر في التحليلات الميدانية التي رصدتها، فهؤلاء لا يرفضون المنتدى لكنهم ينتظرون اختبار النتائج على أرض الواقع.
الخلاصة:
ما قام به القصر الرئاسي وهيئة الاستثمار كان عملاً احترافياً غير مسبوق لإزالة العقبات النمطية. وقيمة المنتدى أنه أعاد تعريف ملامح الاستثمار في سورية على أسس أكثر واقعية.
لكن يبقى المؤشر الحقيقي هو مدى إقدام رجال الأعمال الإماراتيين فعلياً على تحويل خطابات النوايا إلى عقود ووكالات بنكية وتعهدات تشغيل فعلية، وهذا يحتاج إلى مراقبة بعد 3 إلى 6 أشهر.
القراءة الحقيقية كما أراها هي أن المشكلة الأكبر ليست في "شكل الحدث" بل في "جهة تنفيذه". إذ لا بد أن تصدر توجيهات فورية بتفعيل "لجنة متابعة عليا" بمشاركة القطاع الخاص وممثلين عن المستثمرين، وأن تكون اجتماعاتها دورية وعلنية جزئياً، مع التقارير ربع السنوية المعلنة.
كما لا بد أن تكون الاستثمارات مرتبطة بتعهدات صريحة بخلق فرص عمل للسوريين في المناطق الأكثر فقراً، وليست مركزة في دمشق وحدها. كما أنه ويجب وضروري وكل مافي اللغة من تحذير، أن هذا المسار الذي بدأ في قصر الشعب يجب ألا يموت في دهاليز البيروقراطية.
إنه إذا نجحت دمشق في تحويل هذا الزخم إلى تنفيذ بنسبة 20% فقط خلال عام، فقد تصبح سورية قصة نجاح اقتصادي نادرة في الخروج من الحرب. أما إذا فشلت، فسيكون المؤتمر مجرد حلقة أخرى في مسلسل "حفلات الاستثمار" الطويل في العالم العربي.
ونبقى نتعلق بأمل أن تنجح دمشق بنسبة 100٪، من يدري، لعل الله إذا أراد أمرا هيئ له أسبابه!.