بإسم تيار المستقبل السوري، الكيان السياسي الوطني المدني الذي يسعى إلى بناء سورية الغد على أسس الحداثة والعلم واحترام الحقوق والحريات العامة، وعملاً بأهدافه التي تضع كرامة الإنسان السوري في صدارة أولوياته، وتأسيساً على المادة (12) من الإعلان الدستوري السوري ومابعدها التي تكفل حق التظاهر السلمي للمواطنين، واستناداً إلى أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لاسيما المادة (21) التي تنص على أن أي قيود على ممارسة هذا الحق يجب أن تكون "تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي"، وكذلك بالإشارة إلى التعليق العام رقم 37 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (2020)، الذي يؤكد بوضوح على أنه لا ينبغي إخضاع ممارسة حق التجمع السلمي لنظام الترخيص المسبق، بل يفضل نظام الإخطار البسيط.
وفي الوقت الذي صدر فيه البلاغ الرسمي لوزارة الداخلية السورية رقم (61/ ب) بتاريخ 3 أيار 2026، والذي يهدف – حسب نصه – إلى تنظيم حق التظاهر السلمي، فإن تيار المستقبل السوري يرى في هذه الخطوة تطوراً إيجابياً نحو بناء دولة المؤسسات والقانون، والخروج من منطق القمع والتكميم الذي ساد لعقود.
ينظر تيار المستقبل السوري إلى البلاغ رقم (61/ ب) الصادر عن وزارة الداخلية السورية بوصفه خطوة أولى وإيجابية لتنظيم الفضاء العام، ويشيد بالمادة التي تنص على أن الموافقة تعد تلقائية في حال عدم رد اللجنة المختصة خلال خمسة أيام، وكذلك بحق المنظمين في الطعن على قرارات الرفض أمام القضاء الإداري خلال أسبوع، وهو ما يتماشى مع مبادئ الدولة القانونية التي ينادي بها التيار.
يأخذ تيار المستقبل السوري علماً بما ورد في البلاغ من استناد تعاميم وزارة الداخلية إلى مواد قانون العقوبات الصادر بالمرسوم التشريعي رقم (148) لعام 1949. وتحديداً، فإن المواد من 335 إلى 338 من هذا القانون تعرف "الاجتماعات التي ليس لها طابع الاجتماع الخاص" على أنها تجمعات عامة غير مرخصة، وتخضع لإجراءات قانونية تصل إلى العقوبات الجنائية بحسب سياق كل مادة.
ونؤكد أن أي إجراءات تنظيمية يجب ألا تؤدي إلى تجريم الاحتجاج السلمي في جوهره، داعين إلى مراجعة هذه النصوص بما يتوافق مع روح المرحلة الانتقالية ومع التزامات سورية الدولية.
ينبه تيار المستقبل السوري إلى ما يراه قصوراً جوهرياً في البلاغ يتعلق بغياب النص على الحالات الطارئة والعفوية، كالتجمعات التي تندلع استجابة لحوادث لحظية (كحالات الاستفزاز أو القمع الفردي)، حيث لا يمكن ولا ينبغي إخضاعها لفترة انتظار تصل إلى خمسة أيام، حيث يؤكد تيار المستقبل السوري على أن قدسية الحق في الاحتجاج السلمي الفوري لا يجوز انتهاكها تحت طائل الإجراءات الروتينية.
يستند تيار المستقبل السوري في موقفه الداعي إلى تبني نظام الإخطار بدلاً من الترخيص المطلق للإجراءات الروتينية، إلى أفضل الممارسات العالمية والخبرة المقارنة في الدول الديمقراطية المتقدمة، وذلك على النحو التالي:
- في ألمانيا، يُطلب من المنظمين تقديم إخطار إلى السلطات قبل 48 ساعة كحد أدنى، مع إعفاء تام للتجمعات العفوية تماماً كحق دستوري. وتسمح الممارسة القانونية باستثناءات إذا كان من غير الممكن الالتزام بالمهلة، مع مراعاة مبدأ التناسب.
- في بريطانيا، يُطلب إخطار الشرطة قبل ستة أيام في حالات المسيرات المخطط لها، مع إتاحة استثناء إذا تعذر ذلك عملياً وواقعياً، وهو ما يجسد ضماناً للحقوق الاحتجاجية اللحظية.
- في الولايات المتحدة، يكفل التعديل الأول حرية التجمع، وعلى الرغم من أن العديد من المدن تفرض أنظمة تراخيص مسبقة للتجمعات الكبيرة التي تعطل حركة المرور أو تتطلب خدمات حكومية، فإن الممارسات القضائية تشترط أن تكون تلك الأنظمة محايدة في مضمونها، وتميل إلى حماية الاحتجاجات العفوية باعتبارها تعبيراً محمياً عن الرأي.
- في كندا، تبنت العاصمة أوتاوا مؤخراً نموذج "الإخطار الطوعي" الذي ألغى التصاريح الإلزامية بالكامل، حيث يقوم المنظمون بتعبئة نموذج إخطار مبسط للسلطات دون الحاجة إلى انتظار رد أو موافقة مسبقة، وذلك احتراماً لمرونة الاحتجاج السلمي كحق دستوري.
يوجه تيار المستقبل السوري دعوته إلى وزارة الداخلية السورية للنظر في التوصيات التالية:
- تعديل البلاغ بإضافة مادة استثنائية تسمح بتنظيم الاحتجاجات العفوية والطارئة دون حاجة إلى ترخيص مسبق، مع إمكانية تقديم المنظمين إخطار كتابي عاجل في غضون ساعات من بدء الفعالية لحماية الأمن العام والنظام.
- الانتقال التدريجي من "نظام الترخيص" إلى "نظام الإخطار" بحيث يكون دور السلطات تسهيل الاحتجاجات السلمية وليس تقييدها إلا في حالات الضرورة القصوى والمبررة، تماشياً مع التعليق العام رقم 37 للأمم المتحدة.
- الإسراع بمراجعة قانون العقوبات رقم 148 لعام 1949، بهدف تعديل أو إلغاء المواد 335-338 بما يضمن عدم تجريم الاحتجاج السلمي، وتوفير غطاء قانوني عصري يتسق مع معايير حقوق الإنسان وبما يحفظ قدسية الحق في الاحتجاج السلمي في كل الظروف.
ختاماً، يجدد تيار المستقبل السوري تأكيده على أن حماية الحق في الاحتجاج السلمي، بكل أشكاله التلقائية والمنظمة، هي حجر الزاوية لأي انتقال ديمقراطي حقيقي في سورية ما بعد الثورة، وهو مع احترامه لقرارات الدولة وحرصه على السلم الأهلي، لن يدخر جهداً في الدفاع عن هذا الحق المقدس بوصفه ترسيخاً لكرامة لا تقبل المساس، وأساساً لوطن تسوده الحرية والمساواة وسيادة القانون.