يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ الإعلان الذي صدر عن وزارة المالية السورية بتاريخ 11 نيسان/أبريل 2026، والمتعلق بإطلاق "نسخة المواطن" من الموازنة العامة للدولة لعام 2026، على لسان الوزير محمد يسر برنية، الذي شدد على أن هذه النسخة المبسطة "ليست بديلاً عن الموازنة العامة"، بل هي وثيقة تهدف إلى تمكين مختلف شرائح المجتمع من فهم كيفية إدارة المال العام.
يُثمّن تيار المستقبل السوري هذه الخطوة كأولى تجليات التحول نحو الشفافية المالية في سورية، وهي ممارسة تتوافق مع المعايير الدولية التي توصي بها مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث تُعد "موازنة المواطن" أداة معترفاً بها عالمياً لتبسيط المالية العامة وبناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع.
يُشير تيار المستقبل السوري إلى أبرز الأرقام التي تضمنتها النسخة المبسطة، والتي تستحق التحليل والتوقف عندها:
- زيادة الإنفاق الاستثماري إلى 27% من إجمالي الموازنة، مقارنة بـ7% فقط في العام السابق، مما يعكس نية الحكومة التركيز على المشاريع التنموية وإعادة الإعمار.
- رفع الرواتب بنسب تراوحت بين 350% و2000% لبعض الشرائح، حيث أكد الوزير أن أقل راتب في سورية زاد بنسبة 350% بالليرة السورية و460% بالدولار.
- إصلاحات ضريبية تشمل إعفاء محدودي الدخل (من يقل دخلهم عن 50 مليون ليرة سورية قديمة سنوياً) وتخفيض الضرائب إلى حد أقصى 15%.
- عجز كبير يقدر بنحو 1.8 مليار دولار (حوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي)، تعتزم الحكومة تمويله عبر إصدار سندات وصكوك إسلامية.
يُقرّ تيار المستقبل السوري بأن الخطوة تحمل إيجابيات واضحة، لكنه لا يغفل الانتقادات الجوهرية التي أثارها مختصون ونشطاء على وسائل التواصل ومنصات التحليل المستقلة، والتي يجب أخذها بعين الاعتبار:
- منصة "7al.net" نشرت تحليلاً بعنوان "موازنة المواطن في سوريا: شفافية شكلية ونتائج غامضة"، أشار إلى أن الوثيقة تخلو من مؤشرات قياس واضحة تمكن المواطن من متابعة التنفيذ، مما يجعلها "أداة عرض أكثر منها أداة شفافية مالية حقيقية"، كما نبهت إلى تناقض في الإعفاءات الضريبية، إذ كيف سيتم تخفيض الضرائب مع اعتماد 50% من الإيرادات عليها؟
- منصة "سوريا الغد" قدمت تحليلاً أعمق تحت عنوان "موازنة المواطن في سورية: حين تغدو الشفافية خطاباً بلا سيادة تشريعية"، واستندت إلى مقاربة الخبير وارن كرافتشيك الذي يعتبر أن الموازنة ليست أرقاماً بل الوثيقة السياسية الأكثر كثافة في الدولة، وقد تمحور النقد المركزي حول غياب برلمان مكتمل قادر على مناقشة الموازنة والرقابة على تنفيذها، مما يجعل الشفافية "بلا مساءلة مؤسسية".
- الصحفي عبد الرحمن الحاج علّق على منصة "إكس" (تويتر سابقاً) قائلاً: "نشرت وزارة المالية ‘نسخة المواطن’ من موازنة عام 2026… يجب تقدير هذه الخطوة المهمة، بغض النظر عن التقييم لمضمونها"، في موقف يعكس ترحيباً حذراً.
- نشطاء آخرون أثاروا على فيسبوك وتيليغرام مخاوف حقيقية بشأن الاعتماد على توقعات متفائلة قد لا تتحقق، مثل عودة مناطق الجزيرة السورية واستئناف إنتاج النفط والغاز، وهي عوامل خارجة عن سيطرة السياسة المالية المباشرة.
يُشدّد تيار المستقبل السوري على أن النجاح الحقيقي لهذه المبادرة لن يُقاس بحجم الوثيقة أو بلاغة شرحها، بل بقدرة الحكومة على:
- سد الفجوة بين الشفافية الشكلية والشفافية الفعلية، من خلال تقديم آليات قياس واضحة وقابلة للتتبع، مثل مؤشرات أداء ربع سنوية منشورة على موقع الوزارة.
- استكمال البنية المؤسسية، خاصة استعادة دور البرلمان المنتخب ليكون طرفاً فاعلاً في مناقشة الموازنة والرقابة على تنفيذها.
- تحويل التوقعات المتفائلة إلى واقع ملموس، مع تقديم خطط بديلة في حال عدم تحقق الافتراضات (كعودة إنتاج النفط أو تدفق الاستثمارات الأجنبية).
- معالجة أزمة الرواتب بشكل شامل، وعدم الاكتفاء بالزيادات التي قد تلتهمها التضخمات المستقبلية.
يقترح تيار المستقبل السوري على وزارة المالية والحكومة السورية النظر في مجموعة من الإجراءات التكميلية:
- إطلاق منصة إلكترونية تفاعلية لمتابعة تنفيذ الموازنة بشكل شهري، تتضمن البيانات المالية الأولية ونسب الإنجاز لكل برنامج.
- تشكيل مجلس استشاري مجتمعي يضم خبراء اقتصاديين وممثلين عن منظمات المجتمع المدني، يُعنى بمراجعة تقارير التنفيذ وتقديم ملاحظات دورية.
- إصدار تقرير نصف سنوي عن المخاطر المالية (مثل التضخم، تقلبات سعر الصرف، عدم الاستقرار الأمني) وكيفية التعامل معها.
يُختتم تيار المستقبل السوري بيانه بالتأكيد على أن إطلاق "نسخة المواطن" هو خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، ويجب البناء عليها.
فالمواطن السوري لا يحتاج فقط إلى أن يفهم الموازنة، بل يحتاج إلى أن يعرف كيف يعترض عليها، ومن يمثله في ذلك الاعتراض، وكيف تقاس النتائج بعد عام.
حيث إن الشفافية ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق المساءلة والعدالة الاجتماعية.
ويُجدّد تيار المستقبل السوري التزامه بدعم كل جهد يهدف إلى إصلاح المالية العامة، ويضع خبرته المتواضعة تحت تصرف الحكومة والمجتمع المدني للمساهمة في ترسيخ ثقافة الشفافية والمشاركة.