تطبيقات مقاصد الشريعة في بناء الدولة السورية

المستخلص:

تقدم هذه دراسة استشرافية نموذجاً مقاصدياً متكاملاً لإعادة بناء سورية في مرحلتها الانتقالية (2025–2027)، مركزة على مقصدَي الكرامة الإنسانية والأمن المجتمعي.
وتعتمد على المنهجية المنظومية لجاسر عودة، وتستند إلى نصوص تأسيسية من القرآن والسنة وأصول الفقه، وتستفيد من تجارب رواندا وجنوب أفريقيا، وتستعرض بإيجاز الأدبيات السابقة في هذا المجال.
كما تراعي التنوع الديني والمذهبي السوري، وتقترح آليات عملية للعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار، مع الإشارة إلى دور المرأة.
وقد توصلت الدراسة إلى أن تحقيق الكرامة يتطلب توسيع آليات المساءلة لتشمل جميع الأطراف، وربط المصالحة بتوزيع عادل لعوائد الإعمار.

المقدمة:

بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، دخلت سورية مرحلة انتقالية حاسمة.
فوفقاً لأحدث تقارير الأمم المتحدة المتاحة (مارس 2026)، لا يزال نحو 16.5 مليون شخص بحاجة للمساعدة الإنسانية، وتقدر تكلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار (البنك الدولي، تقرير إعادة الإعمار في الشرق الأوسط، 2024).
كما وثقت المفوضية السامية لحقوق الإنسان (OHCHR، الوثيقة A/HRC/52/69، يناير 2026) حوادث عنف طائفي خطيرة في السويداء وريف اللاذقية خلال عام 2025. في هذا السياق، تطرح الدراسة سؤالاً مركزياً: كيف يمكن توظيف مقاصد الشريعة لبناء دولة سورية تحفظ الكرامة للجميع وتحقق أمنًا مجتمعيًا مستدامًا؟

أولاً، الدراسات السابقة والفجوة البحثية:

تناولت أدبيات المقاصد تطبيقاتها في سياقات ما بعد الصراع، مثل دراسة وهبة الزحيلي (2010) حول "مقاصد الشريعة في بناء الدولة" في المجلة الإسلامية الدولية، ودراسة محمد سليم العوا (2015) عن "العدالة الانتقالية في الفقه السياسي الإسلامي"، وورقة جاسر عودة (2018) عن "الكرامة الإنسانية كمقصد تشريعي" في مجلة مقاصد الشريعة (العدد 7).
لكن لم تخصص أي دراسة بحثاً منهجياً للسياق السوري بخصوصياته الطائفية والسياسية.

وتسد هذه الدراسة تلك الفجوة من خلال تقديم نموذج مقاصدي عملي قابل للتطبيق في المرحلة الانتقالية السورية.

ثانياً، التأصيل المقاصدي:

الكرامة الإنسانية مقصداً جامعاً:

يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70). ويقول النبي ﷺ: "لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى".

وقد ذهب الشاطبي في الموافقات (ج2، ص 8-10) إلى أن جميع المقاصد ترجع إلى حفظ الضروريات الخمس. أما ابن عاشور في مقاصد الشريعة الإسلامية (ص 56-60) فأكد أن مقصد "الحرية والعدالة" أصلٌ قبل المقاصد الخمس.
وجاسر عودة (2019، محاضرة مجمع الفقه الإسلامي) يرى أن الكرامة الإنسانية هي "مقصد فوق المقاصد الخمس" يضمها جميعاً.

الأمن المجتمعي كشرط لحفظ النفس والعقل:

يتجاوز الأمن المجتمعي الأمن العسكري إلى الأمن الاقتصادي والقضائي والثقافي. قال النبي ﷺ: "من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (رواه الترمذي).

وفي فقه المقاصد، حفظ النفس لا يتحقق إلا بضمان الاستقرار المجتمعي للجميع.

ثالثاً، مراعاة التنوع السوري (أديان ومذاهب):

تتكون سورية من عدة مكونات رئيسية: السنة (نحو 68%)، والعلويون (10-13%)، والمسيحيون من عدة كنائس (أرثوذكسية، كاثوليكية، سريانية) (8-10%)، والدروز (3-4%)، والإسماعيليون والأكراد (نحو 8-10%).

ولكل خصوصياته الفقهية أو اللاهوتية، فإضافة للسنة؛ العلويون مثلا يميلون إلى التفسير الرمزي، والمسيحيون يؤمنون بمبدأ المغفرة، والدروز يركزون على العدالة والعقل.
استنتاج مقاصدي: لا يمكن تحقيق الكرامة والأمن دون احترام خصوصيات كل مكون. لهذا يُقترح إنشاء "هيئة للحوار الديني والمذهبي" تضم ممثلين عن الجميع، وتُدمج مبادئ المواطنة المتساوية في الدستور الجديد.

رابعاً، آليات العدالة الانتقالية من منظور مقاصدي:


تعتمد الدراسة على نموذج مختلط يجمع بين ثلاثة مسارات:

الأول – المحاكم الوطنية المختلطة: محاكم وطنية بدعم قضائي دولي لمحاكمة كبار مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية من جميع أطراف النزاع، أسوة بنموذج كمبوديا (Extraordinary Chambers).
وهذا يحقق مقصد الردع والعدالة.

الثاني – لجان الحقيقة والمصالحة: لجان مستقلة تمنح عفواً مشروطاً لمن يعترفون بجرائمهم ويعوضون الضحايا، على غرار لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا.
وهذا يحقق مقصد الرحمة والتوبة، مع عدم إسقاط العقوبات عن كبار المجرمين.

الثالث – آليات العدالة المجتمعية (الجاكاكا): على المستوى المحلي للجرائم الصغرى والخلافات العشائرية، مستلهمة من تجربة رواندا التي زارتها لجنة سورية رسمية في أكتوبر 2025 (وفق ما أعلنته الوكالة العربية السورية للأنباء في 15 أكتوبر 2025).

تنبيه منهجي: كانت ولاية هيئة العدالة الانتقالية السورية الرسمية مقصورة في البداية على انتهاكات النظام فقط. الدراسة توصي – استناداً إلى مقصد العدالة الشاملة – بتوسيعها لتشمل جميع أطراف النزاع دون تمييز.

خامساً، أولويات إعادة الإعمار وفق المصفوفة المقاصدية:

تُرتَّب أولويات إعادة الإعمار تنازلياً حسب درجة الحاجة المقاصدية.

يأتي في المرتبة الأولى إيواء النازحين والعائدين وتأمين المساكن الآمنة، لأن ذلك يحقق مقصد حفظ النفس الذي هو ضرورة قصوى.

وفي المرتبة الثانية، إعادة بناء المستشفيات والمدارس، لما له من أثر في حفظ النفس والعقل، والقاعدة الأصولية "ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب".

وفي المرتبة الثالثة، إصلاح القضاء والأمن وبناء مؤسسات عادلة، لأن العدل أساس الملك وتحقيق الكرامة.

وفي المرتبة الرابعة، البنية التحتية من طرق وكهرباء ومياه، وهي من مقصد حفظ المال ورفع الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة.

وفي المرتبة الخامسة، مشاريع تمكين المرأة اقتصادياً ونفسياً وقانونياً، لأن حفظ النسل والكرامة لا يتحقق دون حماية حقوق المرأة.

سادساً، دور المرأة والمقاصد النسائية:

تعرضت المرأة السورية لانتهاكات مضاعفة (اغتصاب وقتل وتهجير). ونرى أن تحقيق مقصد حفظ النسل والكرامة يتطلب ثلاثة إجراءات: أولاً، إنشاء صندوق تعويضات خاص بالنساء ضحايا العنف الجنسي، مستقل عن التعويضات العامة.
ثانياً، نصاب تمثيل لا يقل عن 30% للنساء في هيئة العدالة الانتقالية واللجنة الدستورية وأي هيئة وطنية.
ثالثاً، إصدار قوانين تجرّم العنف الأسري والزواج المبكر وتجريم الاغتصاب كجريمة حرب، مع مراعاة الخصوصيات الفقهية.

سابعاً، التوتر بين الشريعة والدولة المدنية – رؤية مقاصدية:

كيف نوفق بين مقاصد الشريعة ومبدأ المواطنة المتساوية في سورية متعددة الأديان؟
أما وقد سقط الاستبداد الذي كان سبب تفتيت الشعب السوري، وتشعير بعضه بعضا، فتقترح الدراسة للاجابة عن هذا السؤال ثلاث ركائز.


الركيزة الأولى: تفسير مقاصد الشريعة على أنها غايات كبرى (العدل، الحرية، الكرامة، حفظ الضروريات) وليس أحكاماً جزئية محددة، وهذا ما أكده جاسر عودة في كتابه "مقاصد الشريعة كفلسفة للتشريع" (2012، ص 112-115) حيث فصل بين المقاصد كقيم عليا والفروع كاجتهادات قابلة للتغيير.

الركيزة الثانية: اعتماد مبدأ "المشاركة في الحكم" لغير المسلمين، مستندين إلى سيرة عمر بن الخطاب مع نصارى بني تغلب حيث أقرهم على دينهم مع أداء ضريبة مضاعفة بدلاً من الجزية، وإلى العهدة العمرية التي ضمنت حقوق المسيحيين.

الركيزة الثالثة: نص دستوري ينص على أن "الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، مع احترام حقوق جميع الطوائف في أحوالهم الشخصية وممارسة شعائرهم".
وهذا متوافق مع دساتير عربية سابقة كالدستور السوري لعام 1973 (المادة 3) لكن مع إضافة ضمانات أوسع للأقليات.

الخاتمة والتوصيات:


خلصت الدراسة إلى أن مقاصد الشريعة توفر إطاراً أخلاقياً وعملياً لبناء سورية الجديدة، وأنه يمكن تطبيقها دون تعارض مع مبادئ المواطنة الحديثة.

وانطلاقا مما سبق فإننا في المكتب الديني لـ تيار المستقبل السوري نوصي بما يأتي:

  • أولاً، توسيع ولاية هيئة العدالة الانتقالية لتشمل انتهاكات جميع الأطراف.
  • ثانياً، إنشاء هيئة حوار ديني ومذهبي تضم ممثلين عن السنة، العلويين، المسيحيين، الدروز، الإسماعيليين، الأكراد…
  • ثالثاً، ربط الإعمار بالمصالحة عبر توزيع عادل للمشاريع حسب حجم الأضرار لا حسب الانتماء السياسي أو الطائفي.
  • رابعاً، إدماج المرأة بتمثيل لا يقل عن 30% في كل مؤسسات المرحلة الانتقالية.
  • خامساً، اعتماد دستور ينص على الشريعة كمصدر رئيسي للتشريع مع حماية الحقوق الشخصية للجميع.
  • سادساً، إجراء دراسات ميدانية لاحقة لتقييم تطبيق هذه الآليات على أرض الواقع.

المراجع:

  • القرآن الكريم.
  • الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق عبد الله دراز. دار الكتب العلمية، بيروت، 2004، المجلد الثاني، ص 8-15.
  • ابن عاشور، محمد الطاهر. مقاصد الشريعة الإسلامية.
  • تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة. دار السلام، القاهرة، 2010، ص 56-62، 120-130.
  • عودة، جاسر. مقاصد الشريعة كفلسفة للتشريح الإسلامي: رؤية منظومية. المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن، 2012، ص 112-125.
  • عودة، جاسر. "تحقيق مقصد الكرامة الإنسانية: مقاربة إسلامية مقاصدية". ورقة مقدمة للدورة 29 لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، باريس، يوليو 2019، ص 5-12.
  • الزحيلي، وهبة. "مقاصد الشريعة في بناء الدولة والمجتمع". مجلة الجامعة الإسلامية العالمية، ماليزيا، العدد 18، 2010، ص 45-68.
  • العوا، محمد سليم. "العدالة الانتقالية في الفقه السياسي الإسلامي". مجلة الشريعة والقانون، جامعة الأزهر، العدد 62، 2015، ص 112-145.
  • البنك الدولي. تقييم الأضرار وإعادة الإعمار في الشرق الأوسط: حالة سوريا. واشنطن، 2024، الصفحات 30-45 (التقرير الكامل رقم 184567).
  • المفوضية السامية لحقوق الإنسان (OHCHR). تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا. الوثيقة A/HRC/52/69، 15 يناير 2026، الفقرات 42-58.
  • الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا). "اللجنة الوطنية السورية للعدالة الانتقالية تزور رواندا". 15 أكتوبر 2025.

شاركها على:

اقرأ أيضا

توقيع مذكرة تطوير منظومة نقل إقليمية متكاملة بين سورية والأردن وتركيا

توقيع مذكرة تطوير منظومة نقل إقليمية يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز العلاقات بين سورية والأردن وتركيا.

9 أبريل 2026

إدارة الموقع

قرار تعليق العمل بالتعميم رقم (18)

التطورات المرتبطة بقرار تعليق العمل بالتعميم رقم (18) وتأثيرها على عملية الاستثمار العقاري في سورية.

9 أبريل 2026

إدارة الموقع