يدرك تيار المستقبل السوري أن تنظيم قطاع التطوير العقاري يُعد من الملفات المحورية لنجاح أي مشروع انتقالي في سورية، نظراً لدوره الحيوي في إعادة الإعمار ودفع عجلة الاقتصاد.
وفي هذا السياق، نُتابع التطورات المتعلقة بقرار هيئة الاستثمار السورية تعليق العمل بالتعميم رقم (18) المتعلق بهذا القطاع، حيث نرى في هذا التعليق خطوة إجرائية إيجابية، لكنها تظل غير كافية بمعزل عن حوار وطني شامل ومؤسسي يعالج جوهر المشكلة.
يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن أساس تنظيم الاستثمار في سورية هو قانون الاستثمار رقم (18) لعام 2021 وتعديلاته، وأهمها القانون رقم (2) لعام 2023 الذي وسع نطاق القانون ليشمل مشاريع التطوير والاستثمار العقاري.
وقد صدر التعميم رقم (18) كأداة تنفيذية لتفعيل أحكام هذا القانون.
كما لم تكن المشكلة في مبدأ طلب التراخيص لحماية السوق من الممارسات غير المنظمة، بل في صياغة التعميم وتوقيته الذي فاجأ القطاع بعدة عناصر إشكالية:
- المهلة غير الواقعية: منح مهلة 15 يوماً فقط لتصحيح أوضاع مشاريع معقدة ومنتشرة في ظل بيئة قانونية متغيرة هو إجراء غير عملي ومن شأنه أن يهدد استمرارية مئات المشاريع.
- الافتقار إلى مبدأ عدم الرجعية: تجاهل التعميم حقيقة أن العديد من هذه المشاريع انطلقت في فترات سابقة، حيث كانت الأطر القانونية والتنظيمية مختلفة أو أقل وضوحاً.
- غياب التشاور: صدر التعميم دون نقاش مسبق مع ممثلي القطاع الخاص، مما أدى إلى خلق حالة من عدم اليقين وإضعاف الثقة بين الدولة والمستثمرين.
يرى تيار المستقبل السوري أن تعليق التعميم فتح نافذة فرصة لا يجب إهدارها.
وإن معالجة هذا الملف تتطلب تجاوز النهج التفاعلي إلى إطار استراتيجي شامل.
وبدورنا نضع بين يدي صناع القرار الركائز التالية:
- صياغة تشريع دائم ومشارَك: بدلاً من التعاميم المؤقتة، يجب المبادرة فوراً إلى إعداد قانون أو نظام خاص لتنظيم أعمال التطوير العقاري والبيع على الخارطة.
كما يجب أن يُصاغ هذا التشريع من خلال لجنة مشتركة تضم هيئة الاستثمار، ووزارة الأشغال العامة والإسكان، واتحاد غرف التجارة، وخبراء قانونيين وممثلين عن المطورين. - اعتماد آليات الحماية المالية (الإسكرو) كشرط أساسي: يجب أن يركز أي تشريع جديد على حماية حقوق المشترين كأولوية مطلقة.
ونرى أن الحل يكمن في إلزام المطورين بفتح حسابات ضمان (Escrow Accounts) لدى مصرف معتمد، حيث تُودع دفعات المشترين وتُصرف تدريجياً بناءً على نسب الإنجاز الميداني التي تعتمدها لجنة فنية مستقلة.
حيث يقضي هذا الإجراء، الذي يُعتبر ممارسة عالمية معيارية، يقضي على المخاوف الأساسية من عمليات الاحتيال في البيع على الخارطة. - تطبيق نظام الترخيص المتدرج: نقترح الانتقال إلى نظام تراخيص عقارية متدرج (Class-based Licensing System) لمشاريع التطوير العقاري، على غرار النماذج الدولية الناجحة التي طبقتها هيئات تنظيم القطاع العقاري، يتم تصنيف الشركات والمشاريع حسب حجم رأس المال وسجلها والخبرة الفنية، وتحديد متطلبات ترخيص وضمانات مالية تتناسب مع كل فئة، مما يخلق بيئة تنافسية عادلة ويحد من المخاطر النظامية.
- إطلاق منصة رقمية وطنية للبيع على الخارطة: تستطيع سورية الاستفادة من التجارب الإقليمية الرائدة من خلال إنشاء منصة إلكترونية مركزية وطنية، كما هو معمول به في أنظمة "البيع على الخارطة" في السعودية.
وستكون هذه المنصة مسؤولة عن تسجيل جميع عقود البيع على الخارطة بشكل إلكتروني موثق، وتوفير بيانات شفافة عن المشاريع المرخصة، وتسهيل عملية التنازل عن العقود، مما يعزز ثقة المستثمر ويحد من النزاعات.
تواجه سوريا تحدياً فريداً يتمثل في حجم المشاريع التي انطلقت في مرحلة ما بعد الحرب، قبل اكتمال الأطر التشريعية والتنظيمية. إن التعامل مع هذا الواقع بعقلية "تطبيق القانون بصرامة" سيكون له تداعيات اقتصادية واجتماعية كارثية. بالتالي، يدعو تيار المستقبل السوري إلى:
- تشكيل لجنة تسوية أوضاع عليا: بقرار من مجلس الوزراء، مهمتها حصر جميع مشاريع التطوير العقاري القائمة وتصنيفها.
- اعتماد عفو تنظيمي لفترة محدودة: منح جميع المشاريع غير المرخصة مهلة انتقالية لا تقل عن 90 يوماً، مع رسوم رمزية أو مخفضة، لتسوية أوضاعها وفق الإطار الجديد الذي سيتم التوافق عليه.
- توفير دعم فني وقانوني: إنشاء نافذة واحدة (One Stop Shop) في هيئة الاستثمار لتقديم المشورة والإرشاد لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لمساعدتهم على استيفاء متطلبات الترخيص.
يؤمن تيار المستقبل السوري بأن جودة القوانين هي أساس نهضة الدولة.
وما حدث مع التعميم (18) هو عرض لمشكلة أعم في منهجية صنع القرار الاقتصادي.
لذلك، نرى أن معالجة ملف التطوير العقاري يجب أن تكون نموذجاً يُحتذى لسياسة تنظيمية جديدة ترتكز على:
- الشفافية: النشر الإلزامي لأي مشروع قانون أو نظام على منصة رقمية مخصصة لمدة لا تقل عن 30 يوماً، لجمع ملاحظات العموم وأصحاب المصلحة.
- التقييم المسبق للأثر التنظيمي (RIA): إجراء دراسات مستقلة لتقييم الآثار الاقتصادية والاجتماعية لأي تشريع جديد قبل إقراره.
- الفصل بين الوظائف: وضع آليات واضحة تفصل بين مهام وضع السياسات (الحكومة)، والإشراف والترخيص (الهيئات المستقلة)، وتقديم الخدمات (القطاع الخاص)، للحد من تضارب المصالح.
في الختام، يرى تيار المستقبل السوري أن المرحلة الحالية تتطلب أكثر من مجرد خطوات تصحيحية.
إنها تتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة الحوكمة الاقتصادية، تنتقل من حالة الفعل الانفرادي ورد الفعل إلى حالة التخطيط الاستراتيجي التشاركي.
كما نرى أن إرساء أسس تنظيمية واضحة ومستقرة وعادلة لقطاع التطوير العقاري هو اختبار حقيقي لعزم الدولة على بناء اقتصاد ما بعد الحرب وفق مبادئ سيادة القانون وحماية الحقوق.