برزت قضية الملكية العقارية في أعقاب سقوط النظام البائد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وانتقال السلطة إلى إدارة حكومة أفرزتها قيادة التحرير بقيادة حكومة الإنقاذ، حيث برزت تلك القضية كإحدى أبرز التحديات الوطنية التي تواجه المرحلة الانتقالية.
إذ تُنفذ المجالس المحلية في مختلف المناطق قرارات استملاك واسعة للأراضي والمنازل الخاصة بهدف توسعة البنية التحتية، وتُعد مدينة الدانا في ريف إدلب الشمالي نموذجاً حياً لهذه الإشكالية.
فمنذ بداية عام 2025، شهدت الدانا سلسلة قرارات تنظيمية متتالية شملت استملاك أجزاء من الأراضي والمنازل لتوسعة الطرق الرئيسية والزراعية (كطريق الدانا الزراعي بطول يتجاوز 1700 متر وعرض يصل إلى 24 متراً في بعض المقاطع)، وسط جدل شعبي يركز على طبيعة التعويضات وارتباط بعض المشاريع بمصالح تجارية كبرى.
لم تكن هذه القرارات حادثة معزولة، بل كانت تعكس نمطاً وطنياً يتكرر في مناطق أخرى مثل سرمدا ومعرة مصرين، حيث يواجه «المواطن الصغير» ضغطاً اقتصادياً متزايداً في ظل غياب برلمان تشريعي منتخب.
يأتي هذا الاستعجال في سياق انتقالي يتسم بانفجار سكاني غير مسبوق بعد التحرير. فوفقاً لتقديرات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) حتى آذار/مارس 2025، بلغ عدد سكان محافظة إدلب نحو 2,848,168 نسمة (بما في ذلك النازحون والعائدون)، بينما قدرت منظمة الصحة العالمية العدد بنحو 3,179,920 نسمة.
وقد سجلت الأمم المتحدة (UNHCR) عودة أكثر من 1.14 مليون نازح داخلياً إلى مناطق الشمال الغربي منذ كانون الأول 2024، بالإضافة إلى نحو 507,672 عائداً من الخارج حتى أيار/مايو 2025.
أدى هذا التدفق الديموغرافي – الناتج عن عودة الآلاف إلى مدن مثل الدانا التي تحولت إلى مركز تجاري نابض – أدى إلى ضغط حقيقي على حركة السير والخدمات الأساسية، مما يجعل الحاجة إلى توسعة الطرق أمراً واقعياً.
ومع ذلك، يظل التركيز على الإحصائيات ما بعد التحرير ضرورياً لأنه يعكس الواقع الجديد للمرحلة الانتقالية، حيث لم تعد المنطقة تعاني من حصار النظام البائد بل من تحديات الإدارة الذاتية تحت «أمر واقع» يسعى إلى الاستقرار الوطني.
من الناحية الحقوقية، تُعد الملكية الخاصة حقاً أساسياً محمياً بموجب المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويتطلب في مراحل النزاع والانتقال – كما حددتها مبادئ العدالة الانتقالية للأمم المتحدة – أن يكون أي استملاك متناسباً وضرورياً وغير تمييزي، مع تعويض عادل يعكس القيمة السوقية ويمر عبر آليات شفافة.
أما فلسفياً، فإن التوتر يدور بين رؤية جون لوك للملكية كحق طبيعي سابق على الدولة، وبين نظرية جون راولز التي تؤكد أولوية «الأقل حظاً» في توزيع المنافع العامة.
في الدانا كما في السياق الوطني، يبدو أن الاستعجال يُفسر أحياناً كخدمة لـ«المصلحة العامة» (كتخفيف الازدحام)، لكنه يثير تساؤلات حول ما إذا كان يحمي فعلاً «المواطن الصغير» أم يعزز من «سلطة المال» لدى التجار الكبار الذين يستفيدون من ارتفاع قيم الأراضي التجارية المجاورة.
ويضيف البعد الشرعي الإسلامي – الذي يشكل مرجعية أساسية للمجتمع السوري في هذه المرحلة – طبقة فكرية وفقهية عميقة.
حيث يرى الفقه الإسلامي في الملكية الخاصة حقاً مقدساً (حرمة المال) مستمداً من النصوص القرآنية والسنة، لكنه يجيز نزعها للمصلحة العامة (نزع الملكية أو الاستملاك) بشرط الضرورة والتعويض العادل الفوري.
وتتفق المذاهب الأربعة على هذا الأصل مع فروقات طفيفة في التفاصيل:
فالمذهب الحنفي يؤكد على «السياسة الشرعية» كأساس للاستملاك فيما يخدم المجتمع (كتوسعة الطرق أو المرافق العامة)، شريطة أن يكون التعويض نقدياً أو عينياً يحفظ كرامة المالك ويُقدره أهل الخبرة.
أما المالكي فيشترط أن تكون المصلحة «راجحة» وغير قابلة للتحقق بطريق آخر، مع التركيز على عدم إضرار الفرد إلا بقدر الحاجة.
بينما يربط المذهب الشافعي الجواز بتحقق «الضرورة العامة» التي تفوق ضرر الفرد، مع وجوب التعويض الفوري لئلا يتحول الأمر إلى ظلم.
أخيراً، يذهب الحنبلي – وهو الأكثر تشدداً في حماية الملكية – إلى أن الاستملاك جائز فقط إذا كان لمصلحة قطعية (كإقامة مسجد أو طريق عام) وبعد استيفاء شروط الإذن الشرعي والتقويم العادل، محذراً من أن أي إهمال في التعويض يُعد غصباً محرماً.
تُلزم هذه الرؤية الفقهية، المبنية على قاعدة «الضرر يُزال» و«المصلحة العامة مقدمة على الخاصة بشرط العدل»، تُلزم السلطة الانتقالية بأن تكون قراراتها خاضعة لمعايير شرعية واضحة، وليس مجرد إجراءات إدارية استعجالية.
ومع ذلك، فإن الواقع في الدانا – وهو نموذج للتحدي الوطني – يُظهر فجوة بين النظرية والتطبيق:
فالتعويضات غالباً ما تكون «ورقية» أو بخسة لا تمكن أصحاب «الطابو الصغار» من شراء بديل في المنطقة نفسها التي ارتفعت أسعارها بفعل الاستثمار التجاري.
ويهدد هذا الوضع شرعية الإدارة الانتقالية ذاتها، إذ إن السلطة التي تتصرف كدولة مستقرة قبل اكتمال بناء مؤسساتها الدستورية قد تُقوض ثقة المواطنين.
ومن منظور مستقبلي، يتطلب التعامل مع هذه الإشكالية الوطنية استراتيجية متكاملة تضمن التوازن بين التنمية العاجلة والعدالة الدائمة.
لهذا فإننا في تيار المستقبل السوري نرى أنه من الضروري إيقاف أي استملاك غير ضروري فوراً حتى تشكيل هيئة تشريعية انتقالية منتخبة أو مجلس استشاري يضم ممثلين محليين، مع إلزام كل قرار بتقييم مستقل للقيمة السوقية ونشر المخططات مسبقاً عبر جلسات استماع عامة.
كما يُوصى بإنشاء صندوق تعويض مركزي ممول جزئياً من رسوم الاستثمارات التجارية الكبرى، يضمن تعويضاً عينياً أو نقدياً يعادل القيمة الحقيقية ويمنع «التهجير الاقتصادي».
كما ينبغي في المدى المتوسط سن قانون انتقالي موحد يحدد شروط الاستملاك وفق المعايير الحقوقية والشرعية المذكورة، مع رقابة قضائية مستقلة تُفعّل مبادئ الفقه الإسلامي في حماية الملكية.
هذه التوصيات، القابلة للتنفيذ بموارد محلية محدودة، نراها خطوة نحو بناء شرعية وطنية مستدامة تعيد الثقة بين الشعب والسلطة.
في الختام، إن ما يجري في الدانا يبدو تجسيداً لمعضلة وطنية أعمق: كيف نحقق التنمية دون أن نفقد العدالة في مرحلة انتقالية هشة؟
ونرى أن الاستجابة للاحتجاجات السلمية بالحوار والشفافية هي السبيل الوحيد لتحويل هذه التحديات إلى فرصة تاريخية لبناء دولة سورية عادلة ومستقرة.