وهم "الحسم الجوي": لماذا لم يسقط النظام الإيراني

في صيف عام 2019، وبينما كان العالم يحبس أنفاسه بانتظار "أم القنابل" الأمريكية لتنهي الملف النووي الإيراني أو الكوري الشمالي، كتبتُ محذراً من أن القوة الجوية التقليدية، مهما بلغت دقتها وتدميريتها، ليست "معول هدم" للأنظمة الأيديولوجية المتجذرة. ففي تلك السنة واجهت إدارة دونالد ترامب معضلة حقيقية في التعامل مع كوريا الشمالية: كيف يمكن توجيه ضربة تضمن شلّ القدرة الانتقامية بالكامل؟

القراءات الأميركية، خصوصاً دراسات مركز راند، كانت واضحة: المنشآت النووية والعسكرية العميقة، متعددة المداخل، والمخفية، تجعل "الضربة الجراحية" وهماً. حتى حملة جوية واسعة قد تؤلم، لكنها لا تضمن الإزالة الكاملة للقدرة على الرد. لكن الإشكالية كانت أن تحقيق ضمان كامل لإصابة الهدف المطلوب في كوريا الشمالية يعني أن كلفة الضربة كانت ستصل لمستوى غير قابل للاستخدام السياسي.

هذا الوهم ليس جديداً؛ فقد جُرّب مراراً في العقد الأخير، من كوريا الشمالية إلى الشرق الأوسط، حيث أظهرت تجارب سابقة أن التفوق الجوي، وعنف المليشيا الداخلية، مهما بلغ، لا يكفي لإسقاط أنظمة تمتلك عمقاً جغرافياً وأمنياً؛ وكذلك لا يكفي لإسقاط مليشيات أيدلوجية مدعومة من الخارج. ولعل الحالة السورية كانت المثال الأوضح على حدود هذه الأنواع من القوة.

لقد طُرح بتلك المرحلة استخدام السلاح النووي التكتيكي، وهو خيار ذو ثمن سياسي عالٍ جداً. لم يكن التفكير باستخدام السلاح النووي التكتيكي "حلاً"، بل مؤشراً على غياب الحل. لم يكن طرح الخيار النووي تعبيراً عن حل، بل عن بلوغ المعضلة حدودها القصوى؛ حيث يصبح البحث عن "يقين تدميري كامل" دليلاً على غياب أي خيار عملي قابل للاستخدام لحسم معركة ضد نظام يختبئ تحت آلاف الأمتار من الغرانيت، أي أن اللحظة التي يصبح فيها النووي مطروحاً، هي اللحظة التي يعترف فيها صانع القرار أن الأدوات التقليدية فشلت.

الجغرافيا والفساد: دروع إيران غير المرئية

إيران ليست مجرد "دولة"، بل هي "جغرافيا معقدة" محكومة بفساد مؤسساتي متغلغل. فالنظام الإيراني ليس هدفاً تقليدياً، بل هو جغرافيا، ونظام حكم، وشبكة سيطرة.

الجغرافيا الجبلية لإيران، التي تغلب على مساحة تتجاوز مليون وستمائة كيلو متر مربع، تشكل طبقات غرانيتية تعطل كل الأسلحة التقليدية. كذلك النظام الإيراني مبني وفق طبقات متعددة ومعقدة، دينية وعسكرية وأمنية وسياسية وإدارية. بنفس الوقت هذه البنية الجغرافية السلطوية متداخلة مع شبكات معقدة من الفساد والمصالح ضمن بنية الدولة والاقتصاد؛ فالفساد في النظام الإيراني، ورغم كونه نقطة ضعف أدائية، إلا أنه أيضا آلية بقاء تجعل من الصعب تتبع الموارد والتحكم، وبنفس الوقت تضمن الولاء للسلطة.  هذه البنية السلطوية أقرب لبنية عنقودية حيث يتوزع القهر بشكل لا مركزي، وليست بنية هرمية تعتمد بوجودها على قوة رأس الهرم.

لذلك لم تنجح الضربات الجوية العنيفة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في استئصال النظام الإيراني، ولا في هدمه، كما كان مخططاً. لقد تعاملت الإدارة الأمريكية مع إيران كما تعاملت مع فنزويلا، معتقدةً أن التخلص من رأس النظام سيؤدي لانهياره، وهنا كان خطأ الحسابات الأساسي.

معضلة "ما بعد الضربة"

القراءات الأمريكية الحالية مثل تقارير CSIS 2026 تؤكد أن المشكلة ليست في "الضربة الأولى"، بل في "ما بعد الضربة". الهجوم الجوي التقليدي لا يستطيع، تقنيا، مهما بلغت قوته، أن يدمر كامل القدرة العسكرية، ولا بد له أن يترك للنظام الإيراني دائماً "بقية باقية" من الصواريخ الجوالة والمسيّرات والوكلاء الإقليميين.

لضمان عدم حدوث رد انتقامي يدمر أسواق الطاقة العالمية، يحتاج المهاجم إلى "سيادة مطلقة" على الأرض، وهو ما ترفض واشنطن تقديمه عبر الغزو البري، وما تعجز عن تحقيقه عبر الجو؛ فتبقى النتيجة ضربة قوية، لكن من دون حسم.

القومية تحت النيران

كما توقعنا، لم تؤدِ الضربات الجوية إلى "انتفاضة شعبية" تُسقط النظام فوراً. بدلاً من ذلك، استغل النظام غريزة البقاء القومية. الضربة الخارجية حين تكون جوية وبهذا العنف، وما تفرضه من أضرار واسعة في البنية التحتية وانقطاع للخدمات والمواد الأساسية، تسمح للبروباغندا الرسمية بتصوير المعركة كدفاع عن "السيادة" لا عن "الأيديولوجيا"، عن "الوطن" لا عن "النظام الحاكم"، مما يمنح النظام عمراً إضافياً رغم ترهله الداخلي.

بالواقع، كما تشير العديد من التقارير، فإن هذا الهجوم الجوي الأمريكي-الإسرائيلي أدى لالتفاف الإيرانيين حول العلم، لا إلى تصعيد الانتفاضة الشعبية الإيرانية التي وصلت لأوجها قبيل الهجوم.

من كوريا الشمالية، لا فنزويلا، إلى إيران

تكرر سيناريو كوريا الشمالية عام 2019 حرفياً في الأزمة الحالية مع إيران، من حيث الجغرافيا العسكرية والسلطوية؛ فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على "إيلام" النظام الإيراني، لكنها لا تملك القدرة على "إعدامه" جوياً دون الانزلاق للمحرقة النووية. فالواقع يثبت أن "عطالة الجغرافيا" و"صلابة المؤسسة الأمنية" أقوى من أحدث الصواريخ الفرط صوتية.

على ما يبدو أن نجاح تجربة فنزويلا، في اختطاف الرئيس واعتقاله، قد عزز من ثقة الأمريكيين والإسرائيليين في أن إسقاط النظام الإيراني ممكن بإسقاط القيادة الإيرانية، لكن واقع ما حصل خلال أسابيع من أعنف قصف جوي تعرضت له دولة أثبت أن حالة فنزويلا هي الاستثناء وليست القاعدة.

الخلاصة: العودة إلى "المربع الأول"

الأنظمة التي تمتلك "عمقاً استراتيجياً" وتحصينات تحت الأرض لا تسقط بالريموت كنترول. الخيار أمام القوى الكبرى اليوم هو إما القبول بـ "إيران جريحة لكن باقية"، أو الذهاب إلى "الحل النووي التكتيكي" الذي يخشاه الجميع، أو المراهنة على "التآكل الداخلي طويل الأمد" الذي لا تسرّعه الصواريخ بقدر ما يعطله التدخل العسكري الفاشل. الضربات الجوية لم تفشل لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها طُلب منها ما لا تستطيع فعله.

ولعل الدرس الأوضح لم يكن في إيران وحدها، بل سبق أن كُتب بوضوح في سوريا؛ حيث لم تفلح سنوات من الحرب المتواصلة في إسقاط النظام، ولا استطاعت قوة النظام وروسيا إسقاط قوة المليشيا الإسلامية المسلحة، بل أعادت تشكيل توازنات القوة على الأرض.

ما بين دمشق وطهران، تتكرر الحقيقة نفسها: الأنظمة التي تمتلك عمقاً جغرافياً وأمنياً لا تُسقط من السماء، أو من حروب المليشيات، بل تتآكل -إن تآكلت- من الداخل، كما حدث مع نظام بشار الأسد. لكن في إيران لا يوجد قوة معارضة سياسية منظمة، ولا مليشيات مسلحة مدعومة من الخارج كي تضعف النظام. أما الحراك الشعبي الإيراني فقد تم إجهاضه بهذه الحرب المدمرة من قبل من شنّ الحرب.

ما كشفته حرب 2026 ليس قوة إيران، بل حدود القوة الجوية نفسها. فحين تصبح القدرة على التدمير أكبر من القدرة على التحكم بالنتائج، يتحول التفوق العسكري إلى مأزق استراتيجي. والسؤال الذي سيبقى معلقاً، هل أدت هذه الحرب الجوية على إيران إلى زيادة احتمال أن يستطيع الشعب الإيراني إسقاط النظام، أم ساهمت في إضعاف الحراك الشعبي وتقوية النظام؟

شاركها على:

اقرأ أيضا

جامعة دمشق تتصدر تصنيف سيماغو محلياً رغم التراجع العالمي

جامعة دمشق تحافظ على الصدارة محلياً في تصنيف سيماغو، بالرغم من تراجع ترتيبها العالمي.

27 مارس 2026

إدارة الموقع

اتفاقية التعاون بين الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية ومؤسسة «الأفق السوري الأخضر»

اتفاقية التعاون بين الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية ومؤسسة «الأفق السوري الأخضر» لتعزيز الأمن الغذائي.

27 مارس 2026

إدارة الموقع