التحول في خطاب النخب السياسية من لغة الحرب لخطاب الدولة

تمثل ظاهرة التحول في خطاب النخب السياسية من لغة الحرب والاستقطاب إلى خطاب الدولة والمواطنة إحدى الإشكاليات المركزية في تحولات ما بعد النزاع، إذ تضعنا أمام مفارقة تتجاوز التفسيرات الأخلاقية المبسطة القائمة على مفاهيم النفاق أو الانتهازية الشخصية.
فالملاحظة التجريبية تشير إلى أن قادةً كُثُراً، ممن بنوا شرعيتهم الأولى على خطاب راديكالي أو طائفي في مراحل الصراع، يتحولون لاحقاً إلى دعاة وطنية جامعة، بل وقد يصل الأمر إلى حد تأدية طقوس رمزية كالوقوف في دور العبادة لغير طوائفهم معلنين انتماءهم لخطاب ديني مغاير لما كانوا يتبنونه سابقاً.
هذا التحول، بمقتضى التحليل السوسيولوجي العميق، يمكن اعتباره ظاهرة مركبة تعكس آليات التكيف الاستراتيجي مع شروط إنتاج الخطاب في سياقات متباينة.

تفيد نظرية الخطاب في تحليلها للأنظمة السياسية أن اللغة كما هي انعكاس لبنية المصالح؛ هي نتاج جدلية معقدة بين الذات المتكلمة والجمهور المستهدف وشروط الإنتاج الاجتماعية.
ففي مراحل النزاع المسلح، تعمل آلية "تزييف التفضيلات" التي صاغتها نظرية الاختيار العقلاني، حيث يضطر الفاعل السياسي إلى تبني خطاب متطرف لا يعكس بالضرورة قناعاته الذاتية بقدر ما يعكس حاجته إلى البقاء في ساحة تنافسية تفرض "تطرف الجمهور" كشرط للحصول على الولاء.
حينئذ، يصبح الخطاب الحاد أداة وظيفية لشد العصب الجماعي في سياق يهدد الوجود الجماعي للطائفة أو الجماعة، فيمارس القائد ما تصفه السوسيولوجيا التفاعلية بـ"إدارة الانطباع" داخل ما أسماه إرفنغ غوفمان "المنطقة الخلفية" المغلقة التي تخاطب الجماعة المؤمنة بلغتها الخاصة.

غير أن الانتقال من حالة الحرب إلى حالة الدولة يغير بنية المصالح جذرياً، وبالتالي يغير شروط إنتاج الخطاب.
فالاستقرار السياسي، على عكس الحرب، لا يُبنى بالرصاص بل يبنى بالخطاب الجامع، ولا تُنتج الشرعية فيه عبر التعبئة الطائفية بل عبر الاعتراف المتبادل بين مكونات المجتمع.
تفرض هنا "الواقعية السياسية" قوانينها الجديدة، حيث يدرك الفاعل أن استمرارية حكمه تتطلب شرعية وطنية واعترافاً دولياً، مما يستدعي الانتقال من خطاب "نحن وهم" إلى خطاب "المواطنة الجامعة".
وهذا ما يصفه غوفمان بالانتقال إلى "المنطقة الأمامية" حيث الجمهور مختلف والمتطلبات مختلفة، فيضطر الفاعل إلى "تبديل الشفرة الخطابية" كما يغير الممثل ملابسه على المسرح.
ولا يعتبر هذا بالعرف السياسي نفاقاً بالضرورة، بل هو وعي ضمني أو صريح بأن لكل سياق قواعده الخاصة في إنتاج الخطاب المقبول والفاعل.

وفي عمق التراث الإسلامي، نجد آليات تأصيلية لهذه الظاهرة تتجاوز التفسير الأخلاقي إلى التحليل الوظيفي.
فالفتوى، في منظور الفقه المقاصدي، ليست نصاً جامداً يتلى خارج الزمان والمكان، بل هي كائن حي يتنفس هواء الواقع.
ويؤصل علماء السياسة الشرعية لمبدأ "تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف"، مما يعني أن تحول الفتوى من التكفير إلى التأليف ليس تناقضاً في المنهج بل استجابة لمقتضيات المصلحة المتغيرة.
ففي سياق الاحتلال أو تهديد الوجود الجماعي، قد تظهر فتاوى الصدام كاستجابة دفاعية كما حدث في فتاوى مقاومة "الياسق" التتري، بينما في سياق الدولة المستقرة التي يشعر المفتي بالانتماء إليها، يفرض فقه المقاصد خطاباً تأليفياً يحقن الدماء ويجمع الكلمة، اقتداءً بالنموذج التأسيسي في وثيقة المدينة التي أسست لمواطنة فوق دينية قبل أربعة عشر قرناً.
يؤكد هذا أن التحول في الخطاب ليس براغماتية آنية، بل هو امتداد لمنهجية أصولية تعيد إنتاج نفس المبادئ (حفظ النفس والمال والدين) في سياقات مختلفة بوسائل مختلفة.

هكذا تتكشف الظاهرة كحالة من "التكيف الاستراتيجي" الذي تستخدم فيه اللغة كمفك براغي يتغير حسب نوع المهمة.
فالقائد الذي يتحدث بلغة الوطنية اليوم ليس بالضرورة قد نسي ماضيه أو كذب عليه، بل هو يمارس تبديل الشفرة السياسية لأنه أدرك عملياً أن خطاب الحرب يهدم الدولة بينما خطاب التعايش يبنيها.
والجديد في التحليل هنا هو ربط هذا التحول بقضية الانتماء، ففي مرحلة ما قبل الدولة، كان الانتماء منصباً على الجماعة فقط، مما جعل خطاب الصراع هو الخطاب العقلاني الوحيد الممكن.
أما بعد تأسيس الدولة والشعور بالانتماء إليها كإطار جامع، يصبح خطاب المواطنة هو الخطاب العقلاني، بل يصبح التمسك بخطاب الحرب القديم في زمن الاستقرار علامة على فشل في فهم قواعد اللعبة السياسية الجديدة.
إنها رحلة القائد من الثائر الأيديولوجي إلى الحاكم البراغماتي، وهي رحلة تحكمها المصلحة العامة والبقاء المشترك قبل كل شيء.

ليبقى السؤال النقدي مفتوحاً أمام الجمهور السوري خصوصاً والمجتمعات الخارجة من النزاع عموماً:
هل هذا النمط من البراغماتية الخطابية يمثل نضجاً سياسياً يحمي المجتمعات من الانكفاء على الذات، أم هو مجرد خداع مؤقت ينهار عند أول اختبار حقيقي للأزمات؟.
تحتاج الإجابة عن هذا السؤال إلى معايير تتجاوز تحليل الخطاب إلى تحليل الممارسة الفعلية ومدى انعكاس التحول الخطابي على السياسات العامة والمؤسسات.
فالمعيار الحاسم لايبدو أنه في قدرة القائد على تغيير خطابه، بل في مدى قدرته على بناء مؤسسات تجعل هذا الخطاب الجديد ممكناً ودائماً حتى بعد رحيله.
بمعنى آخر، هل يتحول الخطاب الجامع من مجرد استراتيجية شخصية إلى ثقافة مؤسسية وإطار دستوري يحمي التنوع ويمتص الصدمات؟
هذا هو الاختبار الحقيقي الذي يفصل بين البراغماتية البناءة والانتهازية العابرة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

تسليم التقرير النهائي في أحداث السويداء

تسليم التقرير النهائي في أحداث السويداء وأهم النتائج التي تم توثيقها من قبل اللجنة الوطنية للتحقيق.

18 مارس 2026

إدارة الموقع

وصول الدفعة الأولى من السوريين في سجون لبنان

يُرحب تيار المستقبل السوري بوصول أولى دفعات المحكومين السوريين من سجون لبنان، مشيدا بالجهود المشتركة.

18 مارس 2026

إدارة الموقع