تابع تيار المستقبل السوري ببالغ القلق والاستنكار التصعيد الخطير للتوغلات العسكرية الإسرائيلية في العمق السوري، وتحديداً في ريفي درعا والقنيطرة، والتي بلغت ذروتها يوك الأحد 15 آذار/مارس 2026، حيث توغلت قوة عسكرية إسرائيلية مؤلفة من 24 آلية عسكرية ثقيلة في المنطقة الواقعة بين بلدتي طرنجة وجباتا الخشب بريف القنيطرة، بالتزامن مع توغل مماثل في قرية عين ذكر بريف درعا الغربي، حيث أقامت قوات الاحتلال حاجزاً عسكرياً وقطعت الطريق الواصل بين قريتي عين ذكر والمقرز، وشرعت بتفتيش المارة والمدنيين تحت تهديد السلاح، في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ أيام الاحتلال والاستباحة.
يرصد تيار المستقبل السوري، بالاستناد إلى شبكات التوثيق المحلية وشهادات الأهالي، نمطاً تصاعدياً ممنهجاً في الانتهاكات الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة. فمنذ منتصف شباط/فبراير 2026 وحتى لحظة إصدار هذا البيان، تم توثيق ما لا يقل عن 28 توغلاً برياً إسرائيلياً داخل الأراضي السورية، توزعت على قرى عين ذكر، وصيدا الجولان، وطرنجة، وجباتا الخشب، والحانوت، وتل الأخضر، والمقرز، ووادي الرقاد.
ولقد ترافقت هذه التوغلات مع إقامة حواجز ثابتة، ونقاط تفتيش مفاجئة، وعمليات اعتقال ميدانية طالت حتى الآن 17 مواطناً سورياً، بينهم مسنون ورعاة أغنام، اقتيدوا إلى جهات مجهولة، ولا يزال بعضهم قيد الاحتجاز دون تهمة أو محاكمة أو حتى السماح للصليب الأحمر بزيارتهم.
ولعل الأكثر إيلاماً هو ما يرويه الأهالي من تفاصيل يومية عن حياة أصبحت مستحيلة تحت تهديد الاحتلال. في قرية المقرز، يصف المزارع أبو محمد (55 عاماً) كيف منعته دورية إسرائيلية قبل ثلاثة أيام من الوصول إلى أرضه التي ورثها عن أبيه: "جاءوا فجأة، ست سيارات عسكرية، أنزلونا من الجرار، وفتشونا كأننا مجرمون، ثم أمروا بالعودة. أرضي هناك، أراه كل صباح ولا أستطيع الوصول إليها".
وفي بلدة جباتا الخشب، تروي أم أحمد (42 عاماً) كيف اقتحمت قوة إسرائيلية منزلها فجر 10 آذار/مارس، وفتشت الغرف بحضور أطفالها المرعوبين، دون أي مبرر. وإننا في تيار المستقبل السوري نرى أن هذه ليست حوادث معزولة، بل هي سياسة يومية تهدف إلى بث الرعب وكسر إرادة السكان، إلى جانب حرمانهم من مواردهم الطبيعية وتجريف أراضيهم الزراعية، خاصة في منطقة وادي الرقاد الخصيبة.
يستحضر تيار المستقبل السوري في هذا السياق مواقفه الثابتة والمتسقة منذ تأسيسه، والتي تؤكد على وحدة الأراضي السورية وسيادتها الكاملة.
ففي بيانه الصادر في 22 شباط/فبراير 2026، بمناسبة تسلم سورية رئاسة المجموعة العربية لدى الأمم المتحدة، شدد تيار المستقبل السوري على أن "استعادة السيادة الكاملة على كل شبر من الأراضي السورية، وفي مقدمتها الجولان السوري المحتل، هي أولوية وطنية لا تقبل المساومة أو التأجيل". كما جاء في بيان 9 آذار/مارس 2026، الذي علقنا فيه على التطورات الأمنية في الجنوب السوري، أن "تيار المستقبل السوري يرفض بشكل قاطع أي وجود عسكري أجنبي على الأراضي السورية، وأي محاولات لفرض أمر واقع جديد عبر التوغلات والاعتقالات، مهما كانت المبررات".
لتمثل هذه المواقف ركيزة أساسية في رؤيتنا لسورية المستقبل: دولة حرة ذات سيادة، لا تقبل وصاية أو احتلالاً.
يُذكر تيار المستقبل السوري أنه من الناحية القانونية، تؤكد هذه التوغلات على نمط إسرائيلي ممنهج في انتهاك القانون الدولي والشرعية الدولية، وتشكل خرقاً فاضحاً لعدد من الاتفاقيات والقرارات الملزمة، أبرزها:
- اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 الموقعة بين سورية وإسرائيل برعاية الأمم المتحدة، والتي تنص صراحة على احترام خط فض الاشتباك وعدم تجاوزه من قبل أي من الطرفين.
وما تقوم به قوات الاحتلال يومياً هو تجاوز سافر لهذا الخط، وإلغاء فعلي للاتفاقية. - قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 لسنة 1967، الذي يشكل حجر الزاوية في عملية السلام، ويؤكد على مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، ويطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب حزيران/يونيو 1967.
- قرار مجلس الأمن الدولي رقم 497 لسنة 1981، والذي اعتبر قرار إسرائيل بفرض قوانينها وولايتها القضائية على الجولان السوري المحتل "باطلاً ولاغياً وليس له أي أثر قانوني على الصعيد الدولي"، وطالب إسرائيل بالتراجع عنه فوراً.
- اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وخاصة المواد المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب والأراضي المحتلة. فاعتقال المدنيين السوريين تعسفياً، وتفتيش منازلهم، وحرمانهم من الوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم، تمثل انتهاكات جسيمة للاتفاقية، ترقى إلى مستوى جرائم الحرب.
- ميثاق الأمم المتحدة، الذي يكرس مبدأ احترام سيادة الدول وسلامتها الإقليمية، ويهدد أي اعتداء على السلم والأمن الدوليين. التوغلات الإسرائيلية المتكررة تمثل تهديداً خطيراً للاستقرار في المنطقة برمتها.
وإذ يثمن تيار المستقبل السوري المواقف العربية والدولية الرافضة لهذه الانتهاكات، وفي مقدمتها بيان المجموعة العربية في مجلس الأمن الذي أدان بأشد العبارات التوغلات الإسرائيلية واعتبرها "خرقاً فاضحاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتهديداً للسلم والأمن الإقليميين"، وكذلك موقف مجموعة أصدقاء ميثاق الأمم المتحدة التي أكدت على ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها الجولان السوري، فإنه يرى أن الإدانة وحدها لم تعد كافية. ولقد حان وقت الفعل، وليس القول فقط.
لذا، واستناداً إلى المعطيات الميدانية والمرجعيات القانونية، وإيماناً بواجبه الوطني والقومي، يرفع تيار المستقبل السوري الأصوات محدداً التوصيات التالية:
- للحكومة السورية: ندعو الحكومة إلى تصعيد تحركاتها الدبلوماسية على المستويين العربي والدولي، عبر تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن تتضمن الأدلة الموثقة على الانتهاكات، والمطالبة بعقد جلسة طارئة للمجلس لاتخاذ إجراءات رادعة. كما نقترح تشكيل فريق وطني متخصص برصد وتوثيق هذه الانتهاكات بشكل يومي، تمهيداً لرفعها إلى المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها جرائم حرب. وهنا نثمن عالياً موقف الحكومة الثابت والمبدئي الرافض لهذه الاعتداءات، وندعم حقها في استعادة السيادة بكل الوسائل المشروعة التي كفلها القانون الدولي.
- لمجلس الأمن الدولي: نطالب المجلس بتحمل مسؤوليته القانونية والأخلاقية، والانتقال فوراً من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الفعل. وذلك عبر إصدار قرار ملزم تحت الفصل السابع يطالب إسرائيل بوقف التوغلات فوراً، والانسحاب من جميع الأراضي السورية التي توغلت فيها، وفرض عقوبات على الكيانات الاستيطانية والمسؤولين العسكريين المتورطين في هذه الانتهاكات. كما ندعو إلى تفعيل دور قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف) وتوسيع صلاحياتها لتشمل توثيق الانتهاكات وفضحها بشكل فوري.
- للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية: نناشد جميع الدول المحبة للسلام والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ولجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسورية، توثيق هذه الانتهاكات وإدراجها في تقاريرها الدورية، والعمل على فضح السياسات الإسرائيلية التوسعية. كما ندعو إلى تكثيف الضغط على الحكومات الغربية الكبرى لوقف سياسة الكيل بمكيالين تجاه إسرائيل، ومحاسبتها على انتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي، أسوة بأي دولة أخرى.
- للمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية: نطالب خطباء المساجد ورجال الدين والمفكرين والإعلاميين بتسليط الضوء على معاناة أهالي الجولان وريف درعا والقنيطرة، ونقل صوتهم إلى العالم، وكسر جدار الصمت والتطبيع مع الاحتلال. كما ندعو إلى إحياء ذكرى الجولان المحتل في المناسبات الوطنية والدينية، وترسيخ حق السوريين في أرضهم وهويتهم في الوعي الجمعي.
يختتم تيار المستقبل السوري بيانه بالتأكيد على أن الجولان السوري كان وسيبقى أرضاً سورية عربية محتلة، وأن حقوق السوريين في هذه الأرض المباركة، وفي مقدساتهم وكنائسهم ومساجدهم، غير قابلة للتصرف أو التفريط. وإننا على ثقة تامة بأن إرادة السوريين الموحدة، ودعم أشقائهم العرب وأحرار العالم، كفيلة وحدها بدحر هذا الاحتلال البغيض، واستعادة كل شبر من تراب الوطن الغالي، وبناء سورية الجديدة، الحرة الموحدة المستقلة.