الملخص التنفيذي:
يشهد الشرق الأوسط في 28 شباط/فبراير 2026 تصعيداً دراماتيكياً غير مسبوق، تمثّل في شن الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات عسكرية كبرى ضد إيران، تزامناً مع اندلاع حرب مفتوحة بين باكستان وأفغانستان.
هذا التزامن الحاد يعيد تشكيل بنية الصراع الإقليمي وخرائط النفوذ بوتيرة متسارعة.
وفي خضم هذه العاصفة، تجد سورية – التي تعيش عامها الثاني في مرحلة انتقالية دقيقة أعقبت سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 – نفسها أمام معادلة استراتيجية جديدة مفادها كيف يمكن تحويل هذا الاضطراب الإقليمي الشامل إلى فرصة تاريخية لتعزيز السيادة وبناء الدولة، مع تجنب الانجرار إلى صراعات بالوكالة أو استغلال الفوضى لزعزعة استقرارها الداخلي؟
يتعمق هذا التحليل في تفكيك المشهد الإقليمي المركب، وتحديد موقع سورية فيه، مستنداً إلى أحدث المعطيات الميدانية والسياسية، بهدف تقديم رؤية استراتيجية متوازنة حول الفرص غير المسبوقة والمخاطر الجسيمة التي تنتظر المرحلة الانتقالية، ويختتم بتوصيات عملية للحكومة السورية والقوى الوطنية والشعب السوري.
أولاً، تزامن الأزمات وإعادة تشكيل الشرق الأوسط:
في صباح 28 شباط/فبراير 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" بدء "عمليات قتالية كبرى ومستمرة" ضد إيران، بمشاركة إسرائيلية كاملة.
استهدفت الضربات الأولية منشآت نووية وقواعد للحرس الثوري، في تصعيد وُصف بأنه الأوسع منذ سنوات.
وفي الوقت نفسه، كانت باكستان قد أعلنت في 27 شباط/فبراير "حرباً مفتوحة" مع جارتها أفغانستان، ونفّذت سلسلة ضربات جوية على كابول وقندهار وبكتيا، على خلفية اتهامات بإيواء حركة "طالبان باكستان".
هذا التزامن الحاد، الذي لا يمكن اعتباره مصادفة، يعيد رسم خريطة التحالفات والنفوذ في المنطقة.
فبينما تنشغل القوى الكبرى بحروبها، تجد سورية نفسها أمام فرصة تاريخية لاستثمار هذا الاضطراب لتعزيز سيادتها، شرط أن تتمكن من إدارة المخاطر الداخلية والخارجية بحكمة.
ثانياً، الحرب على إيران – الضربة القاضية للنفوذ الإيراني في سورية:
تشكل الحرب الدائرة على إيران اليوم لحظة فاصلة بالنسبة للمشروع الإيراني في سورية.
فبعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، كان النفوذ الإيراني قد تراجع بشكل كبير، لكنه ظل موجوداً عبر ميليشيات محلية وبقايا هيكلية.
ومع هذه الحرب، ومقتل خامنئي، يصبح هذا النفوذ شبه منعدم، مما يتيح للحكومة الانتقالية في دمشق – لأول مرة منذ 2011 – ممارسة سيادة فعلية على كامل الأراضي السورية، لا سيما في البادية والمنطقة الشرقية التي كانت معقلاً رئيسياً للميليشيات الإيرانية.
لكن هذا المكسب الجيوسياسي الكبير يأتي مصحوباً بمخاطر، فقد تؤدي الحرب وردات الفعل (الثأر) إلى استغلال إيران لأوراق ضغط في سورية عبر خلايا نائمة، أو إلى ردود فعل طائفية داخلية. لذلك، فإن التعامل مع هذه اللحظة يتطلب يقظة أمنية وحكمة سياسية.
ثالثاً، الحرب الأفغانية-الباكستانية – إلهاء استراتيجي وتداعيات أمنية ممتدة:
تحمل تباشير الحرب الدائرة بين باكستان وأفغانستان تداعيات تتجاوز حدودهما.
فباكستان، القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، قد تصبح منشغلة بحرب استنزاف على حدودها الغربية، مما يقلص قدرتها على لعب دور موازن في الأزمات الأخرى، خاصة في الملف الإيراني.
كما أن الفراغ الأمني على الحدود يهدد بعودة تنظيمي القاعدة وداعش-خراسان بقوة، وهو ما سيمثل خطراً على المنطقة بأسرها، بما فيها سورية التي لا تزال تعاني من وجود خلايا نائمة لتنظيم داعش.
ويفرض هذا الوضع على الحكومة السورية تعزيز التعاون الاستخباراتي مع الدول المعنية، ومراقبة أي تحركات مشبوهة لعناصر إرهابية قد تحاول الانتقال إلى المنطقة.
رابعاً، صراع المحاور – سورية على خط التماس بين "التحالف السداسي" و"كتلة السيادة":
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 23 شباط/فبراير 2026، عن رؤيته لتشكيل "التحالف السداسي" والذي يضم إسرائيل والهند واليونان وقبرص ودولاً عربية وأفريقية وآسيوية، بهدف معلن هو مواجهة "المحاور الراديكالية" بحسب تعبير الإعلام الاسرائيلي.
وفي المقابل، يبرز محور سني معتدل يضم تركيا والسعودية وباكستان، مدعوماً باتفاقيات دفاع مشترك واستثمارات خليجية كبيرة في سورية.
هنا تجد سورية نفسها في موقع شديد الحساسية، فهي أقرب جيوسياسياً إلى المحور التركي-الخليجي الذي يقدم دعماً حيوياً للمرحلة الانتقالية، لكنها في الوقت نفسه مضطرة لإدارة علاقتها مع إسرائيل بحذر شديد لتجنب أي تصعيد في الجولان أو المناطق الجنوبية.
ولهذا، يتطلب النجاح في هذه المعادلة سياسة خارجية براغماتية قادرة على تحقيق التوازن دون التضحية بالثوابت الوطنية.
خامساً، المشهد السوري الداخلي – مكاسب استراتيجية في الشمال مقابل تحديات في الجنوب والاقتصاد:
أ. تطورات إيجابية:
تمكنت الحكومة الانتقالية من تحقيق مكاسب استراتيجية كبرى تمثلت في إنهاء النفوذ الإيراني، والتوصل لاتفاق مع "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) في 30 كانون الثاني/يناير 2026 لدمج شمال شرق سورية إدارياً وعسكرياً.
ويُنظر لهذا الاتفاق كخطوة تحولية نحو استعادة الوحدة الوطنية، ويتضمن أحكاماً لعودة النازحين وحماية الحقوق الكردية.
كما أسهم رفع جزء كبير من العقوبات خلال عام 2025 في فتح آفاق للتعاون الاقتصادي.
ب. تحديات داخلية قاسية:
رغم هذه المكاسب، تبقى الصورة الداخلية قاتمة: أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، مع وجود أكثر من 6 ملايين نازح داخلياً وحوالي 3.7 مليون لاجئ في الخارج.
وتكلفة إعادة الإعمار تتجاوز 216 مليار دولار، والاقتصاد يحتاج إلى نمو سنوي لا يقل عن 8-10% لسنوات لاستعادة مستويات ما قبل 2011.
جـ. جبهة الجنوب المتأججة:
تشهد محافظة السويداء تجدداً للاحتجاجات والاشتباكات بين القوات الحكومية ومجموعات محلية تطالب بتقرير المصير، وسط توغلات إسرائيلية مستمرة. نشير بهذا التحليل إلى أن إسرائيل تسعى لخلق منطقة عازلة في الجنوب، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للسيادة السورية.
ولهذا يتطلب التعامل مع هذا الملف حواراً وطنياً جاداً مع أبناء المحافظة، وتعزيز الوجود الحكومي بالخدمات والأمن، مع تفادي أي صدام قد يستغله العدو.
د. نقل معتقلي داعش:
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، في 13 شباط/فبراير 2026، الانتهاء من نقل أكثر من 5,700 معتقل من عناصر تنظيم "داعش" من سجون شمال شرق سورية إلى سجون عراقية. وهذه الخطوة، التي تأتي ضمن ترتيبات انسحاب أمريكي تدريجي، تنقل عبء تأمين المعتقلين والمخيمات (مثل مخيم الهول) إلى الحكومة السورية.
وأي فشل في تأمين هذه المناطق قد يحول شرق الفرات إلى بؤرة جديدة لانبعاث التنظيم.
سادساً، سيناريوهات مستقبلية للمشهد السوري (2026-2030):
استناداً إلى التحليل أعلاه، يمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية للمستقبل السوري:
المسار الأول، المسار المتفائل:
في هذا السيناريو، تتمكن سورية من تحويل مكاسبها الجيوسياسية – انهيار النفوذ الإيراني، الانسحاب الأمريكي التدريجي، دمج قسد، الانفتاح الخليجي – إلى استقرار داخلي حقيقي.
ويتحقق ذلك عبر نجاح المصالحة الوطنية، وإعادة هيكلة الجيش بمعايير مهنية، وجذب استثمارات كافية لتحقيق نمو اقتصادي يتراوح بين 5-8% سنوياً. وهنا تتحول سورية عندها إلى "جسر استقرار" بين المحور التركي-الخليجي والغرب، مع الحفاظ على سيادتها وإدارة توتراتها مع إسرائيل عبر تفاهمات مباشرة.
ولكن يبقى هذا المسار رهن إرادة سياسية حقيقية ودعم إقليمي مستدام.
المسار الثاني، المسار المتشائم:
في هذا السيناريو، تؤدي التدخلات الإقليمية المستمرة – خاصة الإسرائيلية في الجنوب – وعدم الاستقرار في الجوار إلى عودة العنف، واستغلال التنظيمات الإرهابية للفراغ الأمني.
والفشل في تحقيق اندماج حقيقي للفاعلين المحليين، واستمرار الاحتقان الطائفي والاقتصادي، مما قد يقوض التجربة الانتقالية برمتها ويعيد سورية إلى مربع الفوضى.
المسار الثالث، المسار الواقعي (الأرجح):
في هذا السيناريو، تواصل سورية سياسة التوازن البراغماتي، بالاعتماد على الدعم التركي-الخليجي كراعٍ رئيسي، مع تفادي الصدام المباشر مع إسرائيل في الجنوب عبر تفاهمات حدودية هشة. وتظل تواجه الحكومة تحديات داخلية في تنفيذ الاتفاقيات مع قسد وبناء مؤسسات الدولة بوتيرة بطيئة، مما يؤدي إلى استقرار هش ونمو اقتصادي متعثر، مع بقاء التحديات الأمنية والاقتصادية قائمة ولكن ضمن حدود يمكن السيطرة عليها نسبياً.
أخيرا:
لكل ماسبق، فإننا في تيار المستقبل السوري نوصي بالآتي:
أولاً، للحكومة السورية الانتقالية:
- استثمار اللحظة الجيوسياسية: العمل على تعزيز السيادة الوطنية عبر ملء الفراغ الذي خلفه انهيار النفوذ الإيراني والانسحاب الأمريكي التدريجي، مع التركيز على بسط الأمن في المناطق الشرقية والجنوبية.
- إدارة التوازنات الخارجية بحكمة: الحفاظ على علاقات متوازنة مع المحور التركي-الخليجي من جهة، ومع القوى الغربية من جهة أخرى، مع تجنب الانجرار إلى صراع مفتوح مع إسرائيل عبر تفاهمات غير مباشرة قد تنتقل لتصبح مباسرة، تمنع التصعيد في الجولان والجنوب.
- الإسراع في بناء مؤسسات أمنية موحدة: تنفيذ اتفاق دمج قسد بشكل كامل، مع بناء جيش وطني مهني قادر على تأمين الحدود والمناطق المحررة من الإرهاب، ومواجهة خلايا داعش النائمة.
- التركيز على الاقتصاد والمعيشة: إعطاء الأولوية القصوى لتحسين الظروف المعيشية للمواطنين عبر جذب الاستثمارات، وإعادة بناء البنية التحتية، وتوفير فرص عمل للشباب، مع متابعة ملف رفع العقوبات بالكامل.
- الحوار الوطني الشامل: فتح قنوات حوار جادة مع جميع المكونات السورية، خاصة في السويداء والمناطق الشرقية، لمعالجة المظالم المشروعة وتفادي أي استغلال خارجي للاحتقانات الداخلية.
ثانياً، للقوى السياسية والاجتماعية السورية:
- تغليب المصلحة الوطنية العليا: العمل على لم الشمل وتوحيد الكلمة، ونبذ الخلافات الضيقة التي قد يستغلها أعداء سورية لضرب الاستقرار الناشئ.
- المشاركة البناءة في الحوار الوطني: الانخراط بجدية في أي عملية حوارية تهدف إلى بناء دولة المواطنة والحقوق المتساوية، وتقديم رؤى واقعية لحل القضايا العالقة.
- دعم مؤسسات الدولة في معركة البناء: الوقوف إلى جانب الحكومة الانتقالية في جهودها لفرض الأمن ومكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار، مع ممارسة النقد البناء والرقابة الشعبية.
- ضبط الخطاب الإعلامي والسياسي: تجنب التحريض الطائفي أو المناطقي، والعمل على نشر ثقافة التسامح والتعايش المشترك، ومواجهة خطابات الكراهية التي تخدم الأجندات الخارجية.
ثالثاً، للشعب السوري:
- الوعي بالمخاطر المحيطة: إدراك أن سورية تمر بلحظة تاريخية فاصلة، وأن الأخطار الخارجية – من تدخلات إسرائيلية إلى تهديدات إرهابية – لا تزال قائمة، وأن الوحدة الوطنية هي خط الدفاع الأول.
- الصبر والتحمل: إعادة الإعمار والاستقرار يحتاجان إلى وقت، والتحديات الاقتصادية لن تحل بين ليلة وضحاها. فالصبر والمشاركة في جهود البناء هما السبيل الوحيد لتجاوز الأزمة.
- المشاركة الإيجابية في الحياة العامة: الانخراط في مؤسسات المجتمع المدني، ودعم جهود المصالحة المحلية، والمساهمة في خلق مناخ إيجابي يعزز الاستقرار.
- التصدي للشائعات وحملات التضليل: توخي الدقة في تلقي المعلومات، وعدم الانجرار وراء الدعاية المغرضة التي تهدف إلى بث الفرقة واليأس.
ومجمل القول أن سورية ليست ضحية هذه العاصفة الإقليمية؛ لأنها مستفيدة جيوسياسياً بشرط أن تحول الفراغ الناجم عن انهيار النفوذ الإيراني إلى بناء دولة حديثة قادرة على احتواء تنوعها.
فالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وتباشير الحرب الباكستانية-الأفغانية إن توسعت، وبروز تحالفات إقليمية جديدة، كلها عوامل تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية السورية بشكل جذري.
إن الحكومة الانتقالية في دمشق، والقوى السياسية، والشعب السوري، أمام اختبار تاريخي، فإما النجاح في استثمار هذه التحولات لبناء سورية جديدة، أو البقاء رهينة الصراعات المحيطة.
ستكون الشهور القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كان عام 2026 بداية عصر جديد لسورية، أم فصل آخر من فصول الصراع والانهيار.
وعليه، فإننا نشدد في تيار المستقبل السوري الدعوة للجميع إلى تحمل المسؤولية التاريخية، والعمل يداً واحدة لتحقيق حلم السوريين في وطن حر، موحد، مزدهر، يسوده العدل والمواطنة المتساوية.