الرقمنة والأمن السيبراني في سورية الجديدة

المقدمة:

يُشكّل قطاع الاتصالات والبنية التحتية الرقمية في سورية عام 2026 أحد أكثر المجالات حساسية وحيوية في عملية إعادة الإعمار الوطني.

فلم يعد الأمر مقتصرا على إعادة تشغيل الأبراج وتوفير خدمة إنترنت مستقرة، بل أصبح مرتبطا ارتباطا وثيقا بثلاثة أهداف استراتيجية مترابطة:

  • تحقيق شمول مالي واقتصادي حقيقي لشرائح واسعة من السكان، خاصة في المناطق الريفية والنازحة.
  • تمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد السوري.
  • حماية السيادة الوطنية الرقمية والأمن القومي في عصر تتداخل فيه المنافسة الجيوسياسية مع التكنولوجيا.

هذا، وتشير التقديرات المتاحة إلى أن المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة تمثل أكثر من 90% من المنشآت الاقتصادية النشطة، وتساهم بنسبة تتراوح بين 38% و42% من الناتج المحلي الإجمالي (حسب التقديرات المتوفرة خلال 2024–2026)، وتوفر ما بين 65% و72% من فرص العمل الفعلية في البلاد.

وفي الوقت نفسه، يظل معدل الشمول المالي منخفضا بشكل مقلق، حيث تتجاوز نسبة البالغين غير المصرفيين في المنطقة العربية 64%، ويعتمد أكثر من 80% من المعاملات اليومية في السياق السوري على النقد حتى الآن.

الواقع التقني الحالي والمعضلة الجيوسياسية:

منذ عام 2011، أدت العقوبات الغربية المفروضة على سورية – والتي استمرت بدرجات متفاوتة حتى بعد بعض التخفيفات الجزئية في 2025 – إلى اعتماد شبه كامل على المعدات والحلول الصينية في قطاع الاتصالات.
حيث تسيطر شركة هواوي، وإلى حد أقل زي تي إي، على أكثر من 50% من البنية الأساسية لشبكات المشغلين الرئيسيين (سيريتل وMTN).
في المقابل، تواصل الولايات المتحدة – منذ عام 2018–2019 – حملتها العالمية ضد استخدام معدات هواوي وزي تي إي في البنى التحتية الحيوية، مستندة إلى مخاوف تتعلق بقانون المخابرات الوطني الصيني لعام 2017 الذي يلزم الشركات بالتعاون مع أجهزة الدولة، مما يفتح الباب أمام مخاطر الوصول غير المصرح به إلى البيانات أو التجسس.
هذه الحملة ليست جديدة؛ فقد بدأت بإدراج الشركات في قائمة Entity List عام 2019، ثم مبادرة Clean Network عام 2020، واستمرت في التوجيه نحو الدول المنتقلة والنامية.

هذا، والمعضلة السورية الحقيقية هي معضلة عملية ومالية، فهي:

تواجه الحلول الغربية (إريكسون، نوكيا، سيسكو، كوالكوم…) قيود تصدير صارمة (Export Administration Regulations)، حتى بعد التعديلات الجزئية في 2025.

تكلفتها أعلى بكثير من المقابل الصيني.

مدة التوريد والتركيب أطول بكثير.

لا يوجد حتى الآن تمويل دولي كافٍ أو ضمانات مصرفية لتغطية تكاليف الانتقال السريع إلى حلول غربية. استراتيجية مقترحة – تنويع تقني متعدد المراحل والمصادر:

للخروج من هذه الثنائية المحاصرة، يقترح تيار المستقبل السوري اعتماد استراتيجية تنويع تقني متعددة المراحل والمصادر، تتجنب الاعتماد الكلي على أي مورد واحد وتضمن انتقالاً تدريجيا نحو استقلالية نسبية:

أولا،المرحلة القصيرة (2026–2028):
تركيز على إكمال إعادة التأهيل السريع للبنية التحتية مع تعزيز طبقات الأمن السيبراني الوطنية بشكل فوري.
ويستمر الاعتماد على الموردين الصينيين للتوسع السريع في تغطية 4G وبداية محدودة لـ5G، مع دمج حلول أمنية غربية أو مفتوحة المصدر في طبقات الحماية العليا (firewalls، SIEM، EDR، تشفير end-to-end).


ثانيا، المرحلة المتوسطة (2028–2032):
الانتقال التدريجي إلى بنية هجينة تشمل مشاريع تجريبية لتقنية Open RAN وتفعيل 5G-Advanced في المدن الرئيسية.
كما يتم تنويع 40–60% من شبكة الوصول الراديوي (RAN) والشبكة الأساسية (Core)، مع دمج موردين غربيين (إريكسون، نوكيا) في القطاعات الحساسة، وحلول Open RAN من شركات مثل Mavenir أو Parallel Wireless في الطبقات الأقل حساسية، مع الحفاظ على بعض العناصر الصينية في المناطق غير الحرجة.


ثالثا، المرحلة الطويلة (2032 فصاعدا):
بناء قدرات محلية وتطوير صناعة تقنية جزئية داخلية، بحيث يتم إنتاج 20–30% من الحلول محليا (برمجيات، أنظمة إدارة، تطبيقات مخصصة).
حيث يعتمد ذلك على شراكات مع الكفاءات السورية المغتربة في وادي السيليكون وأوروبا وكندا، إلى جانب الجامعات والمراكز البحثية الوطنية.

وانطلاقاً مما سبق فإننا في المكتب الاقتصادي لـِ تيار المستقبل السوري نوصي بما يأتي:

  1. إطار تنظيمي وطني متقدم:
    إصدار قانون شامل للأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي خلال 12–18 شهرا، يشمل اعتماد معايير ISO 27001:2022 وIEC 62443 للبنى الحيوية، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة للأمن السيبراني (National Cybersecurity Authority)، وإلزامية تقييم مخاطر سلسلة التوريد لكل مشروع يتجاوز 5 ملايين دولار.
  2. برامج شمول رقمي ومالي:
    الوصول إلى 55–65% من السكان البالغين بحساب مصرفي أو محفظة رقمية بحلول عام 2030، من خلال دعم الدفع عبر QR codes، وإصدار بطاقات مدعومة في المناطق الريفية والنازحة، وحوافز ضريبية وتمويلية للتجار الذين يقبلون الدفع الرقمي.
  3. بنية تحتية هجينة ومفتوحة:
    إطلاق 3–5 مشاريع تجريبية لتقنية Open RAN و5G-Advanced في دمشق وحلب وحمص بحلول عام 2029، مع اعتماد نموذج disaggregated RAN وفق مواصفات تحالف O-RAN، وتقليل الاعتماد على مورد واحد في الشبكة الأساسية إلى أقل من 60% بحلول عام 2030.
  4. بناء القدرات الوطنية:
    إنشاء 3–4 مراكز تميز وطنية في دمشق وحلب وحمص واللاذقية، تهدف إلى تدريب 12,000–18,000 متخصص سنويا بحلول عام 2030، مع إطلاق برنامج عودة الكفاءات يقدم منحا وإعانات للمهندسين والمبرمجين السوريين المغتربين.
  5. شراكات دولية متوازنة:
    عقد اتفاقيات ثنائية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتسهيل تصدير التقنيات غير العسكرية، مع الاستمرار في التعاون الاقتصادي مع الصين في المجالات غير الحساسة، والانضمام إلى مبادرات دولية مثل Global Partnership on Artificial Intelligence وهيئات معايير الاتحاد الدولي للاتصالات.

الخاتمة:

تظهر أن الرقمنة في سورية تتجاوز المسألة الفنية البحتة، وهي ليست أيضا اختيارا جيوسياسيا أحادي الجانب.
إنها مسألة سيادة تقنية واقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد.
وهي في العمق استراتيجية التنويع المتعدد المصادر والمراحل، المبنية على تعزيز القدرات الوطنية، الشفافية، والشراكات المتوازنة، وأيضا، هي السبيل الوحيد القابل للتنفيذ لتحقيق استقلالية نسبية دون تعريض الأمن الوطني أو مسار التنمية المستدامة لمخاطر غير محسوبة.

المراجع الرئيسية:

  1. Reuters, “Exclusive: Washington presses Syria to shift from Chinese telecom systems”, 26 February 2026.
  2. UNDP Syria, “Economic Monitor – Post-Conflict Recovery and MSMEs”, 2025.
  3. World Bank, “Syria Economic Update – Recovery Pathways”, 2024–2026 editions.
  4. United Nations, “Financial Inclusion in the Arab States – 2025 Report”.
  5. U.S. Bureau of Industry and Security (BIS), “Export Controls on Syria – 2025 Updates”.
  6. O-RAN Alliance, “O-RAN Specifications Release v2.0 and beyond”, 2024–2025.
  7. International Telecommunication Union (ITU), “Digital Development Dashboard – Syria Indicators”, 2025.
  8. ISO/IEC 27001:2022 – Information security management systems.
  9. IEC 62443 series – Industrial communication networks – IT security for networks and systems.

شاركها على:

اقرأ أيضا

توقيع اتفاق التعاون الاستراتيجي مع شركة Visa العالمية

توقيع اتفاق التعاون الاستراتيجي مع شركة Visa يعزز الاقتصاد الرقمي في سورية ويوفر الشمول المالي المستدام.

28 فبراير 2026

إدارة الموقع

اليوم العالمي للأمراض النادرة

أهمية اليوم العالمي للأمراض النادرة في تحسين الوصول للتشخيص والعلاج للمرضى والعائلات.

28 فبراير 2026

إدارة الموقع