مقدمة:
أصبح التقدم العلمي والتكنولوجي أداة استراتيجية أساسية لتعزيز الحضور الدولي والأمن القومي، وليس مجرد محرك للتنمية الاقتصادية، وتشكل الاختراعات ذات الهوية الوطنية – تلك التي تنبع من السياق المحلي وتعالج احتياجاته – رافعة للنفوذ السياسي، حيث تحمل رسائل ثقافية ومعرفية قادرة على تغيير موازين القوى.
وفي سورية بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، برزت إنجازات علمية حديثة تعكس هذا التوجه.
منها فوز الدكتور إبراهيم محمود الغريبي بميدالية فضية في الدورة السادسة عشرة من المعرض الدولي للاختراعات في الشرق الأوسط (فبراير 2026) عن ابتكاره "الضماد النانوي للقدم السكرية وقرحة الاستلقاء"، وتطوير روبوت ذكي في مطار دمشق الدولي لتقديم الضيافة خلال رمضان 1447 هـ.
وتمثل هذه الإنجازات، رغم محدوديتها النسبية بدايات واعدة في سياق انتقالي يسعى إلى إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع عبر الابتكار المحلي.
البعد الاستراتيجي للتنافس العلمي:
يُعد التنافس العلمي أحد أبرز أبعاد المنافسة الاستراتيجية المعاصرة، حيث يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقوة الناعمة والأمن القومي.
حيث يشير تقرير صادر عن RAND Corporation (محدث في سياقات 2025) إلى أن التقدم العلمي يشكل أساساً للرافعة الاستراتيجية، إذ تترجم القيادة في البحث والتطوير إلى نفوذ دولي من خلال تشكيل القواعد العالمية وصياغة التحالفات.
وعلى سبيل المثال، في المنافسة الأمريكية-الصينية، بلغ إنفاق الولايات المتحدة على البحث والتطوير (R&D) 806 مليارات دولار في 2021، مقابل 668 مليار دولار للصين (وفقاً لبيانات OECD وتقارير NSF 2024)، مما يمنح واشنطن ميزة في مجالات حاسمة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية.
ويتجاوز هذا التنافس الجانب الاقتصادي إلى الأمني، كما في سباق الفضاء بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، حيث يُستخدم التقدم التكنولوجي للسيطرة على الموارد الاستراتيجية كالطاقة والمعادن النادرة.
هذا، وتحذر تقارير أوروبية (مثل تلك الصادرة عن DGAP في 2026) من أن تقليص التمويل البحثي يؤدي إلى فقدان النفوذ الدولي وزيادة التبعية في البيانات والخبرات الاستراتيجية.
وفي السياق السوري، يمثل الفوز بالميدالية الفضية في معرض شارك فيه 213 مخترعاً من 30 دولة خطوة نحو تعزيز الحضور الدولي. كما يساهم تطوير تقنيات محلية – مثل الروبوت الذكي في المطار – في تقليل الاعتماد على الخارج، مما يعزز السيادة الوطنية أمام التحديات الإقليمية والأمنية.
الاختراعات ذات الهوية الوطنية كأداة نفوذ سياسي:
تُعد الاختراعات الوطنية أداة فعالة للنفوذ السياسي، إذ تحمل رسائل ثقافية ومعرفية تُغير موازين القوى.
وهنا يؤكد تقرير من Harvard Kennedy School (2024) أن التفوق التكنولوجي يعيد تعريف القوة الكبرى، مشيراً إلى استخدام الصين تقنياتها في مبادرة "حزام واحد طريق واحد" لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي.
وخلال جائحة كوفيد-19، استخدمت الصين لقاحاتها كأداة دبلوماسية، مما عزز حضورها في أكثر من 100 دولة (Brookings Institution، 2024).
أما في الولايات المتحدة، فإن اختراعات ممولة حكومياً مثل أساسيات Google (NSF 1998) وSiri (DARPA 2011) ساهمت في السيطرة على تدفق المعلومات العالمي، بينما أظهرت دراسة في مجلة Business and Politics (2024) ارتباطاً بين الانتماء السياسي والابتكار في الاقتصاد المعرفي.
وبالنسبة لسورية يمثل "الضماد النانوي" ابتكاراً وطنياً يعالج احتياجات صحية محلية، مما يفتح الباب لتعزيز النفوذ في المنطقة العربية عبر الرعاية الصحية.
ومع تطور رفع العقوبات (امتداد تعليق عقوبات Caesar حتى نهاية 2025)، وتوقعات نمو اقتصادي إيجابي (حيث يرى محافظ البنك المركزي السوري نمواً أعلى من تقديرات البنك الدولي)، يمكن تصدير مثل هذه التقنيات كأداة دبلوماسية صحية. كما يعكس مؤتمر AI-SYRIA 2025 (مايو 2025) ومؤتمر SYNC ’25 (فبراير 2025) – الذي يهدف إلى خلق 25,000 وظيفة تقنية – جهوداً لتحويل الابتكار المحلي إلى أداة اندماج إقليمي وعالمي.
التقدم العلمي والتكنولوجي أساس التقدم الاقتصادي والاجتماعي:
يشكل التقدم العلمي أساساً للنمو الاقتصادي والاجتماعي، إذ يرفع الإنتاجية ويحسن جودة الحياة.
حيث يؤكد تقرير IMF (محدث 2025) أن العلم والتكنولوجيا يعززان النمو العالمي، ومع إحصائية تشير إلى أن زيادة 10% في انتشار الإنترنت السريع تضيف 1.3% إلى الناتج المحلي في الدول المتقدمة.
كما وتقدر دراسة NBER (2022) عوائد الاستثمار في R&D بـ5-10 دولارات لكل دولار مستثمر، مما يدعم التنمية الاجتماعية عبر تحسين الصحة والتعليم.
عالمياً، يساهم الابتكار في نحو 85% من نمو الإنتاجية (Royal Society، 2024).
هذا، وقد ساهم في سورية التقدم التكنولوجي في إعادة الإعمار بعد 2024، خصوصاً مع عودة أكثر من مليون لاجئ ونازح داخلي (UNHCR 2025)، وتحسينات في الخدمات الأساسية.
كما توقع البنك الدولي نمواً متواضعاً بنسبة 1% في 2025 (بعد انكماش 1.5% في 2024)، مع تكلفة إعادة إعمار تقدر بـ216 مليار دولار (تقرير أكتوبر 2025)، تركز على البنية التحتية والإسكان.
كما وأن مؤتمرات مثل SYNC ’25 تعزز التنمية الاجتماعية عبر خلق فرص عمل تقنية.
خاتمة:
يمثل التقدم العلمي في سورية فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة الصراع إلى الازدهار، مع تعزيز النفوذ السياسي والحضور العالمي.
ومع ذلك، يتطلب الأمر استثمارات مكثفة في البحث والتطوير، وزيادة التعاون الدولي، والاستفادة الجادة من رفع العقوبات لتحويل الاختراعات الوطنية إلى أدوات تنمية مستدامة.
وفي هذا السياق، نرى في تيار المستقبل السوري أن الإنجازات الحديثة تكتسب أهمية رمزية واستراتيجية، إذ تبشر بإمكانية بناء سورية جديدة قائمة على المعرفة والابتكار.