تمهيد:
اهتزت محافظة درعا في 26 تموز/يوليو 2026، على وقع جريمة هزّت الضمير الوطني بأكمله. فُقدت الطفلة نور مهند الدوس (12 عاماً)، وعُثر عليها بعد ثلاثة أيام جثة هامدة في أرض زراعية، بعد أن أفضى ضرب مبرح من قبل عمها إلى وفاتها، في مشهد يعكس أقصى درجات الخيانة للأمانة التي يُفترض أن تحيط بالطفل في كنف أسرته.
لم تكن هذه الحادثة معزولة، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من انتهاكات حقوق الطفل في سوريا، جاءت لتذكرنا بأن حماية الأطفال ليست مجرد التزام أخلاقي، بل هي مسؤولية وطنية وقانونية تتطلب تحركاً عاجلاً وشاملاً.
فالطفل السوري، عبر عقود من الصراع والعنف المؤسسي، تعرّض لانتهاكات متتالية: بدأت بالعنف الذي كان يمارس في المدارس والمؤسسات تحت سلطة النظام البائد، وتواصلت مع معاناة التهجير والمخيمات والظروف القاسية، وصولاً إلى ما تشهده بعض المناطق اليوم من جرائم بحق الأطفال كالقتل والخطف والعمالة.
وإذا كانت هذه الجرائم مُدانة في جميع الأحوال، فإنها تصبح أكثر فداحة حين تصدر من نطاق الأسرة ذاتها، التي يجب أن تكون الملاذ الأول والأخير للطفل.
في هذا المقال، نستعرض واقع سوء معاملة الأطفال وإهمالهم في سوريا، مستندين إلى أحدث الإحصاءات والدراسات العلمية، ونقدم رؤية متكاملة لحماية الطفل السوري من سوء المعاملة والإهمال، انطلاقاً من مسؤولية تيار المستقبل السوري في بناء مجتمع يحمي أطفاله ويصون حقوقهم.
أولاً، واقع مقلق.. أرقام تعكس أزمة إنسانية:
تكشف الدراسات العلمية الحديثة عن حجم مأساوي لسوء معاملة الأطفال في سورية.
ففي دراسة أكاديمية منشورة في مجلة Journal of Child Adolescent Trauma نُشرت في آذار/مارس 2025، شملت عينة من 508 شاب وشابة في شمال سورية، تبين أن 93.7% منهم تعرّضوا لشكل من أشكال سوء المعاملة في طفولتهم. والأرقام أكثر إيلاماً عند التفصيل:
- الإهمال الجسدي: 99.4% من المشاركين تعرّضوا له.
- الإهمال العاطفي: 98.8%.
- الإساءة العاطفية: 83.1%.
- الإساءة الجسدية: 34.4%.
- الإساءة الجنسية: 16.1%.
تعكس هذه الأرقام تعكس حقيقة مرّة: الغالبية العظمى من الأطفال السوريين يكبرون في بيئة يشوبها العنف والإهمال بأشكاله المختلفة.
وقد وجدت الدراسة نفسها أن 55% من المشاركين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وأن التعرض للإساءة الجسدية والعاطفية والجنسية في الطفولة يزيد بشكل كبير من احتمالية تطور هذا الاضطراب في مرحلة البلوغ.
وتشير تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن النظام البائد يتحمل المسؤولية عن 76% من انتهاكات حقوق الأطفال، حيث وثقت الشبكة مقتل 30,686 طفلاً منذ آذار/مارس 2011 وحتى تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
كما أن نحو 2.4 مليون طفل خارج المدرسة، و7.5 ملايين طفل بحاجة إلى مساعدات إنسانية.
في النصف الأول من عام 2025، تلقى 2,259 طفلاً خدمات إدارة الحالات لحمايتهم من المخاطر، وكانت المخاطر الرئيسية التي واجهوها هي: عمالة الأطفال، والإهمال، والعنف ضد الأطفال.
ووفقاً لتقارير اليونيسف، لا يزال نحو 6.2 مليون شخص نازحين داخلياً في سوريا مع بداية 2026، بينهم 1.4 مليون في مخيمات، مما يفاقم من هشاشة الأسر ويزيد من مخاطر تعرّض الأطفال للإهمال والعنف.
ثانياً، الأسرة بين الحماية والانتهاك:
في مجتمعنا السوري، تُعد الأسرة الأساس في العرف والتقاليد، وللوالدين الحق الأساسي والأولوي في تربية أبنائهم وفق الطرق التي يرونها مناسبة.
ويفترض المجتمع أن الوالدين يعملان دائماً لتحقيق مصلحة أبنائهم، وأن الأسرة هي الملاذ والمأمن والحاضن الأول للطفل.
غير أن الواقع، كما تؤكده الأرقام والوقائع، يفضح فجوة مأساوية بين الافتراض والحقيقة.
فحين تفشل الأسرة في حماية أطفالها من الأذى، أو في تأمين احتياجاتهم الأساسية، أو حين تتحول إلى مصدر للعنف والإيذاء الجسدي والنفسي، يصبح من الضروري أن يتحمل المجتمع مسؤوليته ويتدخل لحماية صحة الأطفال النفسية والجسدية.
وهذا التدخل يجب أن يكون مقيداً بالقوانين السورية والمعايير السليمة الآمنة، وأن يراعي المصلحة الفضلى للطفل كمرجعية أساسية، كما تنص على ذلك اتفاقية حقوق الطفل التي انضمت إليها سورية.
غير أن التشريعات السورية الحالية، رغم تضمنها عدداً من النصوص التي ترعى حقوق الطفل، تبقى موزعة بين قوانين متعددة، مما يصعب معه تكوين رؤية قانونية متكاملة ويجعل تطبيقها العملي أكثر تعقيداً.
ثالثاً، محاور الحماية.. نحو استراتيجية وطنية شاملة:
انطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية، وباسم تيار المستقبل السوري، نتوجه لضمان سلامة الأطفال من سوء المعاملة والإهمال في هذا الواقع المعقد، من خلال التركيز على محاور أساسية ثلاثة:
المحور الأول، الحماية القانونية:
أولاً: تفعيل آليات الإبلاغ السريع، حيث لا بد من إحداث خطوط سرية وآمنة للإبلاغ عن حالات الاختطاف والتعنيف الأسري، دون تعريض المبلّغ للخطر.
فالكثير من حالات العنف الأسري تبقى في الظل بسبب خوف الضحايا أو الشهود من العواقب. وإنشاء قنوات اتصال آمنة ومضمونة هو الخطوة الأولى لكسر جدار الصمت.
ثانياً: التوعية الأمنية للأسر، عبر تدريب الأطفال على قواعد السلامة الأساسية، وتعليمهم حفظ أرقام الطوارئ، وكيفية التصرف في حالات الخطر، مع إشراك الأهل في هذه العملية التوعوية لضمان استمراريتها.
ثالثاً: تطبيق أشد العقوبات، إذ يجب أن يكون أي اعتداء على الطفل، من أي شخص كان حتى لو كان من داخل نطاق الأسرة، محلاً لأشد العقوبات التي يقرها القانون، دون تهاون أو تساهل، ليكون رادعاً لكل من تسوّل له نفسه المساس بسلامة الأطفال.
المحور الثاني، الدعم النفسي والاجتماعي:
أولاً: تفكيك ثقافة العنف، لا بد من البدء من الأسرة، بالتوجه من التربية بالعنف إلى التربية الإيجابية، ثم التوجه إلى المدارس.
فالنظام البائد كان قد شرّع وعزّز التعنيف الجسدي واللفظي في المدارس، مما يستوجب اليوم إعادة تأهيل الكوادر التعليمية وطرائق التوجيه والتعليم، لتكون قائمة على الاحترام والحوار بدلاً من العنف والقمع.
ثانياً: مراكز الدعم النفسي، وإنشاء مساحات صديقة للأطفال، وأماكن مؤهلة لعلاج الصدمات الناتجة عن محاولات الخطف، أو التعرض لعنف، أو اعتداء جنسي، أو فقدان الأهل. فالأطفال السوريون، كما تؤكد الدراسات، يعانون من صدمات متراكمة نتيجة سنوات النزاع والعنف، ويحتاجون إلى دعم نفسي متخصص يمكنهم من التعافي.
ثالثاً: التثقيف الوالدي، عبر تقديم دورات توعية للأهالي حول مخاطر الإهمال العاطفي والجسدي، وتدريبهم على وسائل التربية الإيجابية، وتوعيتهم بمخاطر تعنيف الأبناء كوسيلة لتفريغ الضغوط المعيشية والاقتصادية.
فالأسرة التي تتعلم كيفية التعامل مع ضغوطها بطرق صحية هي أسرة أقل عرضة لتحويل أبنائها إلى ضحايا لتلك الضغوط.
المحور الثالث، الإطار المؤسسي والتشريعي:
أولاً: توحيد التشريعات، و العمل على إصدار قانون متكامل لحماية الطفل، يجمع النصوص الموزعة في قوانين متعددة في إطار تشريعي واحد، ويحدد آليات التنفيذ والرقابة والمتابعة، ويكفل تنسيق الجهود بين جميع الجهات المعنية.
ثانياً: تعزيز قدرات المؤسسات، من خلال تدريب الكوادر العاملة في قطاع حماية الطفل (القضاة، الشرطة، الأخصائيون الاجتماعيون، المعلمون) على التعامل مع حالات العنف والإهمال، وفق أحدث المعايير الدولية.
ثالثاً: إنشاء مجلس وطني للطفولة، أو هيئة وطنية عليا تضم جميع الجهات المعنية بحماية الطفل، تتولى رسم السياسات، ومتابعة التنفيذ، وتقييم الأداء، وضمان استدامة الجهود.
رابعاً، نحو مستقبل آمن للأطفال السوريين:
إن استمرار تعرّض الأطفال السوريين لأشكال العنف والإهمال بهذه النسب المقلقة ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة تراكمية لعقود من السياسات القمعية، والحرب، والانهيار الاقتصادي، وضعف المؤسسات.
والتغيير ممكن، شريطة توفر الإرادة السياسية، والموارد اللازمة، والشراكة المجتمعية.
فإذا صلحت الأسرة، صلح المجتمع بأكمله، وأنتج أفراداً أسوياء نفسياً، ومنتجين فكرياً وعلمياً وثقافياً. إن الاستثمار في حماية الطفل السوري اليوم هو استثمار في مستقبل سورية الغد.
فكل طفل يُنقذ من دائرة العنف والإهمال هو إنسان قادر على البناء والعطاء، وكل طفل يُترك فريسة لها هو خسارة للوطن وللإنسانية.
وتذكرنا منظمة الصحة العالمية بأن نحو 6 من كل 10 أطفال دون سن الخامسة حول العالم – أي 400 مليون طفل – يتعرضون للعقوبة البدنية و/أو العنف النفسي بانتظام من الوالدين ومقدمي الرعاية.
وسورية، التي عانت من ويلات الحرب لعقد ونيف، ليست استثناءً، بل هي في مقدمة الدول التي تحتاج إلى تدخلات عاجلة وجذرية في هذا الملف.
خاتمة:
جريمة الطفلة نور في درعا إنذار خطير لأمة بأكملها.
إنها تذكير مؤلم بأن حماية الأطفال ليست مسؤولية الأسر وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع بكل مؤسساته، ودولة بكل أجهزتها، وقوانين بكل نصوصها.
في تيار المستقبل السوري، نؤمن بأن الطفل السوري يستحق أكثر من مجرد البقاء على قيد الحياة؛ إنه يستحق النمو في بيئة آمنة، خالية من العنف، ومليئة بالحب والرعاية.
وهذا يستوجب منا جميعاً – حكومة ومؤسسات وأسراً وأفراداً – العمل معاً لتفكيك ثقافة العنف، وبناء ثقافة الحماية، وتكريس مبدأ المصلحة الفضلى للطفل في جميع القرارات والسياسات.
فلتكن جريمة نور دافعاً للتغيير، وصدمةً توقظ الضمير، ونقطة انطلاق نحو سوريا تحمي أطفالها، وتصون طفولتهم، وتبني مستقبلهم. فسلامة الطفل ليست رفاهية، بل هي حق أساسي، وواجب وطني، ومسؤولية إنسانية لا تقبل التأجيل.