حين تضيق دائرة الولاء تتسع دائرة الخطر

ليست التعيينات الأمنية الأخيرة في سورية مجرد تبديلٍ في الأسماء، ولا مجرد إعادة توزيعٍ للمسؤوليات داخل هرم الدولة! إنها لحظة سياسية ومؤسسية ينبغي التوقف أمامها طويلًا، لأنها تمسّ طبيعة النظام الذي يتشكّل، والعلاقة التي يُراد بناؤها بين السلطة والدولة، وبين الثقة والكفاءة، وبين الأمن والسياسة، وبين مركز القرار وسائر أبناء الوطن.

لقد شملت القرارات الأخيرة تكليف وزير الداخلية أنس خطاب بإدارة مكتب الأمن الوطني إلى جانب مهامه، وتعيين قيادات جديدة في جهاز الاستخبارات العامة ووزارة الداخلية ومكتب الأمن الوطني. وبصرف النظر عن التقييم الشخصي لأيٍّ من المكلّفين، فإن جمع مواقع أمنية شديدة الحساسية، أو ربطها بعدد محدود من الشخصيات المنتمية إلى دوائر ثقة ضيقة، يطرح سؤالًا يتجاوز الأشخاص إلى بنية الحكم نفسها! فهل تتجه سورية اليوم إلى بناء منظومة أمن وطني تحتكم إلى المؤسسات والقوانين وتعدد مراكز الخبرة، أم إلى بناء منظومة ولاء مركّزة تحتكم إلى الثقة الشخصية والقرب من مركز السلطة؟

من الطبيعي أن يحتاج أي رئيس، ولا سيما في مرحلة انتقالية مضطربة، إلى أشخاص يثق بهم في المواقع الحساسة.
فالدولة الخارجة من حرب طويلة، والمهددة باختراقات أمنية ومشاريع تفكيك وفوضى مسلحة، لا تستطيع أن تتعامل بسذاجة مع ملف الأمن، وهذا مما نفهمه ونستوعبه.

لكن الفارق عميق بين أن تكون الثقة شرطاً من شروط التعيين، وبين أن تتحول الثقة الشخصية إلى "الشرط الحاكم" لكل تعيين، وإلى المعيار الذي يسبق الكفاءة والخبرة والتمثيل الوطني والمساءلة المؤسسية.

إن الثقة ضرورية، لكن الدولة التي تُبنى على الثقة وحدها لا تكون دولةً مستقرة، بل شبكةً بشريةً مغلقةً تتوقف سلامتها على سلامة العلاقات داخلها.
والدائرة التي تختار أعضاءها على أساس الولاء المطلق قد تبدو للرئيس أكثر تماسكاً وأقل مخاطرة، لكنها تحمل في داخلها أخطاراً لا تظهر في اللحظة الأولى.
وأول هذه الأخطار أن تضييق دائرة الولاء لا يحمي مركز القرار بقدر ما يعزله.
فكلما قلّ عدد الأشخاص الذين يُسمح لهم بالاقتراب من الرئيس، وازدادت شروط الثقة الشخصية، أصبحت المعلومات التي تصل إلى رأس الدولة أكثر خضوعاً للانتقاء والتصفية.
وهنا لا يعود الرئيس يرى الواقع كما هو، بل كما تسمح الدائرة المحيطة به أن يراه. وعندها لا تكون المشكلة في سوء نيات هذه الدائرة بالضرورة، وإنما في الطبيعة البشرية لكل جماعة مغلقة، من ناحية حماية موقعها، وتأكيد صواب خياراتها، وتقليل أهمية الأصوات التي تأتي من خارجها.

ومع مرور الوقت، تتحول دائرة الثقة إلى دائرة إدراك مغلقة، ثم إلى دائرة قرار مغلقة، ثم إلى دائرة مصالح متبادلة.
ويصبح نقد القرار تهديداً للدائرة، والاعتراض على أحد رجالها اعتراضاً على الرئيس، والمطالبة بالتوسّع في المشاركة تشكيكاً في استقرار الدولة.

هنا تبدأ الخطورة الحقيقية! فالحاكم لا يعود محمياً بالمؤسسات بل محاطاً بالأشخاص، وهؤلاء مهما بلغ إخلاصهم، يتغيرون ويخطئون ويتنافسون ويخفون المعلومات ويخشون الاعتراف بالفشل.
أما المؤسسة فتُبنى أصلًا لكي تمنع خطأ الفرد من التحول إلى خطأ دولة.

إن أضيق الدوائر ولاءً قد تكون أكثر الدوائر قدرة على طمأنة الرئيس، لكنها ليست بالضرورة أكثرها قدرة على تحذيره.
وفي السياسة والأمن، لا يحتاج صاحب القرار إلى من يطمئنه فقط، بل إلى من يملك الشجاعة ليقول له إن تقديراته قد تكون خاطئة، وإن بعض سياساته تصنع خصوماً من غير ضرورة، وإن الذين يبعدهم اليوم قد يحتاج إليهم غداً (إن وجدهم).

إن الدائرة التي تُبنى على الولاء المطلق تصبح بحكم طبيعتها أقل استعداداً لتقديم الأخبار السيئة.
فكل مسؤول فيها يعرف أن مكانته لا تقوم فقط على نجاحه المهني، بل على صورته أمام من عيّنه، ولذلك يميل إلى إخفاء العجز، وتجميل النتائج، وتحميل الفشل للآخرين، وإقصاء كل من قد يكشف ضعف الأداء.
وبذلك يصبح الولاء الذي أُريد له أن يكون ضمانةً للحكم مصدراً من مصادر تضليله.

أما (الخطر الثاني) فهو أن ميزان الكفاءة والولاء نفسه يصبح محتكراً بيد الدائرة الضيقة.
فمن يحدد مَن هو الوطني؟ ومن يقرر مَن هو المخلص؟ ومن يفرّق بين المعارض الصادق والمنافس الخطير؟ ومن يقرر أن هذا الخبير يستحق الدخول إلى الدولة، وأن ذاك ينبغي أن يبقى خارجها؟
فعندما لا توجد معايير معلنة، ولا لجان مستقلة، ولا رقابة تشريعية، ولا مسارات مؤسسية واضحة للتعيين والترقية، تصبح الإجابة الفعلية ((الدائرة نفسها)).
وهنا لا يعود الولاء قيمة وطنية عامة، بل شهادة تصدرها مجموعة محدودة.
وقد يكون الإنسان مخلصاً لسورية، صاحب تاريخ في الثورة أو العمل العام أو الاختصاص، لكنه يُستبعد لأنه لا يعرف أحداً داخل الدائرة، أو لأنه يحتفظ برأي مستقل، أو لأنه لا يقبل أن يحوّل خبرته إلى أداة تبرير للقرارات.
وهكذا ينقلب مفهوم الولاء من الولاء للدولة إلى الولاء لمن يملك تعريف الدولة.
وهذه من أخطر التحولات التي يمكن أن تقع في المراحل الانتقالية، فالدولة الجديدة يفترض أن توسّع معنى الانتماء، لا أن تعيد تضييقه.
ويفترض أن تمنح السوريين شعوراً أنهم شركاء في تأسيس وطنهم، لا أن تجعلهم ينتظرون اعتراف مجموعة صغيرة بوطنيتهم.

أما (الخطر الثالث) فهو أن دوائر الولاء لا تستبعد خصومها فحسب، بل تستبعد حتى المخلصين الذين لا ينتمون إليها.
ففي سورية اليوم آلاف الضباط والخبراء والأكاديميين والقانونيين والاقتصاديين والإداريين والسياسيين الذين يمتلكون معرفة وتجربة وقدرة على المساهمة في بناء الدولة، لكنهم لا يجدون طريقاً طبيعياً إلى القرار.
بعضهم عاش سنوات الثورة، وبعضهم واجه النظام السابق، وبعضهم بقي داخل البلاد وحافظ على مؤسساتها، وبعضهم عاد من الاغتراب حاملاً خبرة يحتاج إليها الوطن.
لكن عندما تصبح أبواب الدولة محكومة بعلاقات الثقة الشخصية، يفهم هؤلاء أن الخبرة وحدها لا تكفي، وأن الوطنية لا تكفي، وأن المشروع لا يكفي، وأن المطلوب هو الدخول في شبكة الولاء أو البقاء على الهامش.
وهذا لا يؤدي فقط إلى خسارة الكفاءات، بل إلى تحويلها نفسياً وسياسياً من طاقة بناء إلى كتلة إحباط.
فالإنسان الذي يُستبعد بسبب نقص كفاءته قد يقبل أن يطوّر نفسه، أما الذي يشعر بأنه مستبعد مهما بلغت كفاءته، لأنه ليس من أهل الدائرة، فإنه يفقد ثقته بعدالة النظام كله.
ومع تراكم هذا الشعور، لا يعود التوتر بين السلطة وخصومها فقط، بل يمتد إلى المساحة الواسعة التي تضم المخلصين والمستقلين والمترددين وأصحاب المشاريع الوطنية.
وهذه المساحة هي التي تصنع استقرار الدول أو هشاشتها، لأنها ليست في الأصل معادية، لكنها قد تُدفع إلى الاغتراب عن الدولة إذا شعرت أن الدولة لا تراها.

إن من أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة جديدة هو أن تحوّل الحياد الوطني إلى خصومة، والاستقلال إلى شبهة، والنقد إلى خطر أمني، والتنظيم السياسي إلى تهديد للدولة.
وهنا يلتقي الخطر الأمني بالخطر السياسي.

ففي الوقت الذي تضيق فيه دائرة القرار والتعيين، تتزايد الدعوات إلى تأجيل الأحزاب، أو تحجيم التيارات السياسية، أو اعتبار العمل الحزبي أمراً سابقاً لأوانه.
ويقال للسوريين إن الأولوية الآن لبناء الدولة، وإن السياسة يمكن أن تأتي لاحقاً.

لكن هذا الفصل بين بناء الدولة وبناء الحياة السياسية فصلٌ مضلل!! فالدولة لا تُبنى في الفراغ، ولا يمكن أن تبقى المرحلة الانتقالية بلا قنوات منظمة للمشاركة والتعبير والتداول والمساءلة.
وعندما تُغلق أبواب التعيين أمام غير المنتمين إلى دوائر الثقة، ثم تُغلق أبواب العمل الحزبي بحجة التوقيت، فأين يذهب أصحاب الرؤى والمشروعات والكفاءات؟ كيف يشاركون؟ ومن خلال أي مؤسسة يعبرون عن أفكارهم؟ وكيف تنتقل مطالب المجتمع إلى مركز القرار؟

إن منع السياسة لا يلغيها، بل يدفعها إلى الظل.
وتأجيل الأحزاب لا يؤجل الخلافات، بل يمنع تنظيمها بصورة سلمية.
وإضعاف التيارات الوطنية لا يقوّي الدولة، بل يترك المجتمع بلا أطر قادرة على امتصاص التوتر وتمثيل المصالح وإنتاج النخب.

فالبلاد التي لا تسمح بقيام معارضة سياسية منظمة ستنتج اعتراضاً غير منظم.
والبلاد التي لا تفتح مسارات سلمية للمشاركة ستفتح، من حيث لا تدري، مسارات الغضب الصامت، والانكفاء، والهجرة، والتكتلات المناطقية والطائفية، وربما التمرّد في مراحل لاحقة.

ليست الأحزاب ترفاً مؤجلًا إلى ما بعد الدولة! إنها إحدى الوسائل التي تمنع الدولة من التحول إلى سلطة بلا مجتمع.
وليست التعددية خطراً على المرحلة الانتقالية في ذاتها، لكن الخطر هو تعددية بلا قانون، أو سلاح خارج الدولة، أو تمويل خارجي، أو مشاريع تقسيم.
أما الأحزاب الوطنية التي تعمل تحت سقف القانون والسيادة ووحدة البلاد، فإن وجودها يوسّع قاعدة الدولة ويمنحها شركاء بدل أن يتركها محاطة بالمتفرجين والناقمين.

إن اجتماع الاحتكار الأمني مع التضييق السياسي يصنع بيئة شديدة الخطورة، لأن الأمن يصبح بلا توازن سياسي، والسياسة تصبح بلا حماية مؤسسية، والمجتمع يصبح بلا قنوات تعبير حقيقية.
وعندما يجمع مسؤول واحد وزارة الداخلية وإدارة مكتب الأمن الوطني، فإن الأمر يحتاج إلى ضمانات مؤسسية ورقابية أشد، لا لأن الشخص موضع اتهام، وإنما لأن تركيز الصلاحيات في ذاته يرفع مستوى المخاطر.

فوزير الداخلية مسؤول عن جهاز تنفيذي واسع، بينما يُفترض في مكتب الأمن الوطني أن يؤدي دوراً تنسيقياً واستراتيجياً بين الأجهزة.
وجمع الوظيفتين قد يرفع الكفاءة وسرعة التنسيق في بعض الظروف، لكنه قد يؤدي أيضا إلى اختزال التوازنات الأمنية داخل مركز واحد ما لم تكن حدود الاختصاص والمساءلة واضحة ومعلنة.

وفي الدولة الحديثة، لا يُبنى الأمان على افتراض استقامة المسؤول فقط، بل على تصميم المؤسسة بحيث لا يؤدي خطؤه أو انحرافه أو سوء تقديره إلى السيطرة على المنظومة كلها.

إن النظم الرشيدة لا تقول نحن نثق بهذا الشخص، ولذلك نعطيه صلاحيات واسعة. بل تقول نحن قد نثق به، لكننا نبني مؤسساتنا على احتمال الخطأ، ونضع الفصل بين الصلاحيات والرقابة والمحاسبة وتعدد مصادر المعلومة، لأن أمن الدولة أكبر من أن يُربط بشخص مهما بلغ إخلاصه.

وأما (الخطر الرابع) فهو أن دائرة الولاء نفسها لا تبقى موحدة إلى الأبد.
فكل دائرة ضيقة تحمل داخلها صراعاً مكتوماً على القرب والنفوذ وتفسير إرادة الرئيس.
وحين تكون المناصب والسلطات قائمة على العلاقة الشخصية أكثر من القاعدة المؤسسية، يصبح كل فرد داخل الدائرة حريصًا على حماية موقعه من بقية أفرادها.

هنا تنشأ ولاءات فرعية داخل الولاء الأكبر، ومجموعات داخل المجموعة، ومراكز معلومات متنافسة، ومحاولات لإبعاد المنافسين، وتسابق على الوصول إلى الرئيس، وقد يتحول الأمن الوطني تدريجيًا إلى أمن مواقع داخل السلطة.

وفي المراحل الأولى قد يختفي هذا الصراع خلف صورة الانسجام، لكنه يظهر عند أول أزمة كبرى، أو فشل أمني، أو خلاف حول الخلافة، أو تراجع في شعبية الحكم، أو ضغط خارجي.

وعندهاااا تكتشف السلطة أن الدائرة التي ظنتها جداراً متماسكاً كانت في الحقيقة مجموعة علاقات تتماسك بقوة المركز، لا بقوة المؤسسات.
فإذا اهتز المركز، اهتزت معها.
وهذا ما يجعل تضييق الولاء خطراً على الدائرة نفسها قبل أن يكون خطراً على الآخرين.

فكلما احتكرت مجموعة صغيرة المسؤولية، احتكرت معها تبعات الفشل.
وكلما استبعدت الشركاء، خسرت من يمكن أن يدافع عن التجربة عند تعرضها للخطر.
وكلما همّشت القوى الوطنية، قلّ عدد الذين يرون نجاح العهد الجديد نجاحًا شخصيًا لهم.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى! فالسلطة التي تضيق دائرة المشاركة اعتقاداً منها أن ذلك يحميها، قد تجد نفسها عند أول أزمة وحيدة، لأن معظم المجتمع لم يكن شريكاً في القرار، ولا في المسؤولية، ولا في الثمار.

نعم، فالدولة الواسعة تحمي الحاكم، أما الدائرة الضيقة فتجعله مسؤولاً عن كل شيء.

وفي سورية، حيث المجتمع منهك ومجزأ ومحمّل بذاكرة ثقيلة من الاستبداد والأجهزة الأمنية، فإن إعادة بناء المنظومة الأمنية تحتاج إلى حساسية مضاعفة.
فالسوريون لا ينظرون إلى الأجهزة الأمنية بوصفها مؤسسات إدارية عادية، بل يحملون تجاهها خوفاً تاريخياً متراكماً.
ولذلك فإن أي غموض في بنيتها، أو تركيز لصلاحياتها، أو غياب للرقابة عليها، أو انغلاق في تشكيلها، سيُقرأ من خلال ذاكرة الماضي، حتى لو كانت النيات مختلفة.

ولا يكفي هنا القول إن رجال اليوم ليسوا رجال الأمس.
فالمطلوب أن تكون مؤسسات اليوم مختلفة في بنيتها وقوانينها وعقيدتها وآليات محاسبتها، لا في أسماء قادتها فقط.

إن الثورة السورية لم تكن ثورة على أسماء محددة فحسب، بل على فلسفة كاملة في الحكم، كان فيها الولاء للشخص أسبق من الولاء للدستور، وكانت الأجهزة تحمي السلطة أكثر مما تحمي الدولة، وكانت الكفاءة تظل خاضعة لامتحان الثقة السياسية والأمنية.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتغير الرجال، وتبقى الفلسفة! وأن تتبدل الشعارات وتستمر بنية الدائرة المغلقة! وأن يقال إن المرحلة الجديدة تختلف عن السابقة بينما تبقى أبواب القرار محكومة بالقرب والولاء أكثر من القانون والكفاءة!.

لا أقول إن سورية دخلت هذا المسار بصورة نهائية، ولا إن كل تعيين جديد دليل قاطع على قيام منظومة مغلقة.
لكن المؤشرات تستوجب التحذير المبكر، لأن وظيفة السياسة الوطنية ليست أن تنتظر اكتمال الخطر ثم تصفه، بل أن تستشعره وهو يتشكل.

والمطلوب ليس إضعاف الرئيس، ولا تفكيك السلطة في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى الاستقرار، بل العكس تماماً، فالمطلوب حماية الرئيس والعهد الجديد من أخطار الانغلاق، ومن المعلومات المصفاة، ومن تضخم نفوذ المحيطين، ومن تحوّل الثقة إلى بديل عن المؤسسة.

إن حماية القيادة لا تكون بتقليل عدد الشركاء، بل بتوسيع قاعدة الدولة.
وحماية الأمن لا تكون بتجميعه داخل دائرة مغلقة، بل بإخضاعه للقانون والرقابة وتعدد مراكز التقدير.
وحماية المرحلة الانتقالية لا تكون بتأجيل السياسة، بل بتنظيمها ومنعها من التحول إلى عنف أو انقسام.

إن سورية تحتاج اليوم إلى مجلس أمن وطني مؤسسي لا إلى شبكة ولاءات، وإلى أجهزة ذات عقيدة وطنية واضحة لا عقيدة تقوم على حماية الأشخاص، وإلى معايير معلنة للتعيين والترقية، وإلى رقابة تشريعية وقضائية وإلى فصل واضح بين الأمن السياسي والعمل الحزبي، وإلى فتح المجال أمام الكفاءات السورية من مختلف الخلفيات ما دامت ملتزمة بوحدة البلاد وسيادتها وقانونها.

كما أنها تحتاج إلى قانون أحزاب يفتح المجال للعمل السياسي الوطني المنظم، ويمنع في الوقت نفسه السلاح والتمويل المشبوه والارتباط الخارجي والخطاب الطائفي.
فالمعادلة ليست بين الأمن والأحزاب، ولا بين الدولة والتعددية، وإنما بين دولة قوية تستوعب السياسة، وسلطة قلقة تخشى منها.

إن الانتماء إلى سورية يجب ألا يحتاج إلى شهادة من دائرة ضيقة.
والكفاءة الوطنية يجب ألا تنتظر باباً شخصياً للوصول إلى الدولة.
والنقد المسؤول يجب ألا يُقرأ بوصفه نقصاً في الولاء، بل بوصفه إحدى وسائل حماية الحكم من أخطائه.

أما الولاء الحقيقي، فليس أن يوافق الإنسان على كل قرار، بل أن يحرص على ألا تتحول أخطاء القرار إلى أخطار على الوطن.

إن سورية الجديدة لا تحتاج إلى تبديل دائرة بدائرة، ولا إلى نقل مركز الولاء من شخص سابق إلى شخص جديد.
إنها تحتاج إلى الخروج أصلاً من دولة الولاء إلى دولة القانون (وكل تأخر في هذا الانتقال يرفع الكلفة).
لأن الكفاءات التي تُستبعد اليوم قد تهاجر غداً، والنخب التي تُهمّش اليوم قد تنكفئ عن الشأن العام، والمجتمع الذي يُمنع من التنظيم قد يبحث عن تنظيماته البديلة، والأجهزة التي لا تُضبط بالمؤسسات قد تتحول مع الزمن إلى مراكز قوى، والدائرة التي تبدو اليوم شديدة الولاء قد تصبح غداً مصدر تنافس أو تضليل أو صراع داخل النظام نفسه.

إن الخطر لا يبدأ عندما تنقلب الدائرة على رئيسها، ولا عندما يخرج الناس إلى الشوارع، ولا عندما تعجز الدولة عن استعادة الكفاءات التي فقدتها.
لكن الخطر يبدأ قبل ذلك بكثير، يبدأ عندما يقتنع مركز الحكم بأن ضيق الدائرة هو مصدر الأمان، وحين يقتنع أصحاب الكفاءات بأن لا مكان لهم في وطنهم إلا بشرط الولاء الشخصي، وحين تُختزل السياسة في الطاعة، والأمن في الثقة، والدولة في المحيطين بالرئيس.

عندها لا يعود السؤال: هل هؤلاء المعيّنون أوفياء؟
بل يصبح السؤال الأخطر هو هل تُبنى سورية بحيث تبقى آمنة وقوية حتى عندما يخطئ الأوفياء؟

شاركها على:

اقرأ أيضا

مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية السورية اللبنانية

مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية السورية اللبنانية تمهد لفرص جديدة في التعاون والشراكة الاقتصادية بين البلدين.

20 يوليو 2026

إدارة الموقع

حملة "دفعة بلاء" الطبية بدعم قطري

تساهم حملة 'دفعة بلاء' بتخفيف معاناة المرضى من خلال 830 عملية جراحية متخصصة في خمس محافظات سورية.

20 يوليو 2026

إدارة الموقع