ملخص الورقة:
تتناول هذه الورقة العلاقة بين مقاصد الشريعة الإسلامية والسنن الكونية، انطلاقاً من الرؤية القرآنية التي تقدم التشريع في سياق كوني متكامل، حيث تُعرض الآيات الشرعية مقرونة بآيات كونية، مما يؤكد أن نظام التشريع منبثق من نظام الخلق، وأن مقاصد الدين ليست دخيلة على الوجود بل هي امتداد لقيم الوجود ونواميسه.
تهدف الورقة إلى تقديم تأصيل نظري يربط بين مستويات ثلاثة: الوجود (السنن الكونية)، والقيم (المبادئ الأخلاقية الكبرى)، والتشريع (مقاصد الشريعة وأحكامها). وتعرض الورقة نماذج تطبيقية في مجالات المعاملات المالية والاجتماعية، وتقترح آليات لتنزيل هذه الرؤية في سياق بناء الدولة السورية الجديدة، في ضوء رؤية تيار المستقبل السوري القائمة على "الشورقراطية".
أولاً، الإشكالية النظرية – هل يمكن بناء جسر بين الكون والتشريع؟:
من المعلوم أن الخطاب القرآني يتميز بظاهرة فريدة، وهي الاقتران المتكرر بين الآيات الكونية والآيات التشريعية. يقول تعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا" (آل عمران: 190-191). فالتفكر في الخلق يقترن بذكر الله، وكأن التأمل في نظام الكون مدخل لفهم مقصد الخالق من التشريع.
لكن هذه المقارنة تطرح إشكالية فلسفية جوهرية، إذ كيف ننتقل من "الكون منظم" إلى "ينبغي أن نكون عادلين"؟ هل النظام الكوني يفرض قيماً أخلاقية بشكل تلقائي؟
إن الإجابة تحتاج إلى تفكيك ثلاثي المستويات:
المستوى الأول: الوجودي – وفيه نقرر أن الكون يسير وفق سنن ثابتة ونواميس محكمة، مما يدل على إرادة خالق حكيم. وهذا المستوى يعبر عنه القرآن بقوله: "فَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا" (فاطر: 43). فالسنة الكونية مطردة لا تتغير، وهي مرآة لعلم الله وقدرته وحكمته.
المستوى الثاني: القيمي – وفيه نستنتج من حكمة الخالق أن له إرادة وقصداً من خلقه، وأن هذا القصد يتجه نحو الخير والكمال. وهذا الانتقال يحتاج إلى مقدمات فلسفية (أو إيمانية) تفيد أن الله خير، وأن خلقه ليس عبثاً، وأن للوجود غاية. يقول تعالى: "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" (المؤمنون: 115). فوجود الغاية هو شرط لوجود القيمة.
المستوى الثالث: التشريعي – وفيه نصل إلى أن الشريعة هي الترجمة العملية للقيم التي يستلزمها نظام الوجود، أي أنها مجموعة من التوجيهات التي تحقق للإنسان التوازن مع نفسه، ومع مجتمعه، ومع الكون. وهنا يتحقق التكامل: فالتشريع لا يأتي بشيء يناقض سنن الكون، بل يأتي بما يحقق للإنسان الانسجام الأعمق معها، مع إضافة بعد أخلاقي اختياري لا توفره السنن الطبيعية وحدها[^1].
وهذا الجسر الثلاثي – الوجودي – القيمي – التشريعي – هو ما يغيب في غالبية الكتابات التي تتعامل مع المقاصد، وهو ما تحاول هذه الورقة أن تساهم في بنائه.
ثانياً، القيم الكونية في مرآة القرآن – تأصيل نظري:
يمكن تمييز قيم ثلاثة كونية كبرى في الخطاب القرآني، وهي قيم ليست مجرد مشاهدات بشرية، بل حقائق كونية ثابتة، أشار إليها القرآن وربطها بمقاصد التشريع:
القيمة النظامية (علمياً):
فالكون يقوم على نظام بالغ الإحكام والتنسيق، بدءاً من تركيب الذرة إلى حركة المجرات. وهذا النظام هو ما يسمح بالتنبؤ والتعامل مع الظواهر الطبيعية واستثمارها. وقد أشار القرآن إلى هذا النظام في سياق دعوة الإنسان إلى التوحيد والتفكر، كما في قوله: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (البقرة: 164). فالنظام هنا ليس مجرد مشهد، بل هو حجة عقلية تدعو إلى الإيمان والقصد.
وهذه القيمة النظامية هي التي أقرها الفقهاء في مسائل مثل "التوقيت الشرعي" للعبادات (الفجر، الظهر، العصر، المغرب، العشاء)، فقد ربطوا أوقات الصلاة بمواقع الشمس في السماء، مما يعني استلهاماً دائماً للسنن الكونية في تحديد أشرف العبادات[^2].
القيمة الاجتماعية (التعاونية):
فالكون لا يقوم على عناصر منعزلة، بل على علاقات متبادلة وتفاعلات معقدة بين أجزائه، من الترابط بين العناصر الكيميائية إلى التعاون بين الأنواع البيولوجية. وهذا الترابط هو ما يضمن استمرار النظام كله. وقد عبّر القرآن عن هذه القيمة بوصف السماوات والأرض كوحدة متجانسة: "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا" (الأنبياء: 30). فالكون أمة واحدة في نشأتها، وما التعدد والتفرع إلا لتكامل الوظائف.
وهذه القيمة تلهم مقصد "التعاون" في المعاملات الاجتماعية، وهو ما أكده القرآن صراحة بقوله: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" (المائدة: 2). وهذا التعاون ليس مجرد نداء أخلاقي، بل هو انعكاس لضرورة وجودية: فالإنسان لا يعيش إلا في جماعة، والجماعة لا تزدهر إلا بتعاون أفرادها.
القيمة الجمالية (الإحسانية):
فليس هناك نظام منتظم إلا وهو مصدر بهجة وجمال. وقد أشار القرآن إلى هذه القيمة في آيات عديدة، منها: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ" (فاطر: 27). فاختلاف الألوان في الطبيعة ليس عبثاً، بل هو آية جمالية تدعو إلى التسبيح والتفكر.
وهذه القيمة الجمالية تتجلى تشريعياً في مقصد "الإحسان"، الذي هو أعلى درجات الإيمان، كما في الحديث النبوي الشريف: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"[^3]. فالإحسان التزام بمعيار إلهي في الجودة والنظام، تماماً كما تتجلى الجودة في صنع الله للكون.
وبذلك تتكامل القيم الثلاث: النظام (العلم)، والتعاون (الاجتماع)، والإحسان (الجمال)، لتشكل إطاراً كونياً منسجماً مع مقاصد الشريعة في تحقيق الخير للإنسان.
ثالثاً، المقاصد الخاصة في المعاملات المالية:
إذا انتقلنا من القيم الكونية العامة إلى المقاصد الخاصة في مجال المعاملات المالية، نجد أن الأحكام الشرعية تحمل في طياتها إشارات واضحة إلى استلهام سنن الكون، وإن لم يكن ذلك في صياغة فقهية مباشرة. ويمكن تفصيل ذلك في المقاصد التالية:
مقصد الرواج:
شرع الإسلام الحث على التجارة، وكره الاحتكار، وحرم إيداع المال في أيدي قلة. وهذه الأحكام تستهدف جعل المال دائراً بين أكبر عدد ممكن من الناس، بوجه حق. وقد ورد في القرآن: "كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ" (الحشر: 7). وهذا المبدأ يحاكي دورة الماء والعناصر في الطبيعة، حيث لا تجميد ولا احتكار، بل تدفق مستمر يعطي الحياة لكل شيء.
وينظر الفقهاء إلى قاعدة "الضرر يزال" و"المشقة تجلب التيسير" كأدوات تهدف إلى تحريك الركود الاقتصادي وتحقيق الرواج، مما يُقارب بين التشريع وسنن الحياة في الكون[^4]. ويذكر فقهاء المالكية في "المدونة" أن سد باب الاحتكار من المقاصد التي حافظ عليها مالك رحمه الله، تحقيقاً لهذا المعنى[^5].
مقصد التوثيق:
شرع الإسلام التوثيق في العقود والمعاملات، وفي مقدمتها كتابة الدين، كما في آية الدين (البقرة: 282) التي دعَت إلى الكتابة والإشهاد. وهذا التوثيق يمثل "ضبطاً" للنظام البشري، محاكياً ضبط النظام الكوني، حيث كل حركة وسكنة تخضع لقوانين محكمة، لا اعتباط فيها. وقد قال الشاطبي في "الموافقات" إن مقاصد الشريعة تهدف إلى حفظ النظام في المجتمع، والتوثيق أحد الآليات التي تضمن هذا النظام[^6].
مقصد العدل في المعاملة:
قال تعالى: "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ" (الرحمن: 7-8). فالكون كله قائم على الميزان، أي العدل والتوازن، وقد جُعل العدل في المعاملات مطلوباً تشريعياً، كما في قوله: "وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ" (الأنعام: 152). ويرى فقهاء المعاصرين – كالدكتور القرضاوي – أن العدل في الاقتصاد هو مرآة العدل في الكون، وأن الخروج عن قوانين العدل الاقتصادي هو خروج عن سنن الله في خلقه[^7].
مقصد حفظ مال الأمة:
ليس المقصود من حفظ المال تثري الفرد على حساب الجماعة، بل التوفيق بين حق الفرد في الملكية وحق الأمة في الاستقرار والنماء. وهذا التوازن هو نفسه الذي نراه في الكون بين عناصره المختلفة: لا طغيان لعنصر على آخر، بل تكامل وتوازن. وقد أشار الشاطبي إلى أن مقصد حفظ المال إنما يتحقق بتداوله بين الناس وعدمه في أيدي قلة، وهو بالضبط ما يحقق التوازن الكوني في توزيع الخيرات[^8].
رابعاً، المقاصد الخاصة في المعاملات الاجتماعية:
في المجال الاجتماعي، تتجلى السنن الكونية في ثلاث مقاصد كبرى:
- مقصد التعاون والتكامل:
الإنسان مدني بطبعه، لا يستطيع العيش بمفرده، وهذا التعاون ليس بدعة، بل هو محاكاة للتعاون والتكامل الذي نراه في الكون: تتعاون العناصر والكائنات لتشكل نظاماً واحداً متماسكاً. وقد أمر القرآن به صراحة: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ". وقد جعل العلماء التعاون أصلاً من أصول السياسة الشرعية، كما ورد في كتب الأحكام السلطانية[^9]، حيث بيّنوا أن تدبير مصالح الأمة يستدعي تكامل الجهود بين الحاكم والمحكوم. - مقصد الرحمة والرفق:
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق في كل شيء، وجعل الرحمة أساساً للتعامل. والرحمة قيمة كونية، قال تعالى: "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ" (الأعراف: 156). فالله وسع رحمته كل شيء، فكيف بالإنسان أن يضيق بها على أخيه الإنسان؟ وهذا المقصد يجد تطبيقه في الأحكام التي تراعي الضعيف في المجتمع، كأحكام الزكاة، والنفقات، والقصاص، والحدود. وقد أشار ابن عاشور في "مقاصد الشريعة" إلى أن الرحمة هي الغاية العظمى من التشريع، وأن جميع الأحكام إنما قصد بها تحقيقها، حتى في العقوبات[^10]. - مقصد إقامة العدل ونبذ الظلم:
وهو أساس النظام الكوني، فالله وضع الميزان في الكون كله، وأمر البشر ألا يطغوا في الميزان. وقد جعل العلماء العدل أصل الأصول في السياسة الشرعية، وذكروا أنه لا يجوز للحاكم أن يظلم، حتى ولو كان لتحقيق مصلحة. وهذا المبدأ يتماشى مع سنن الكون، حيث لا تجاوز لنواميسه ولا خروج عن نظامه.
خامساً، إشكاليات قابلة للنقد:
على الرغم من الطرح المتقدم، لا بد من الاعتراف بأن هناك حدوداً لهذا المنهج، وأن الإشارة إليها تزيد من نضج الورقة العلمية:
الإشكالية الأولى: هل السنن الكونية كلها قيم أخلاقية؟ ففي الكون ظواهر كالزلازل والأعاصير والافتراس، وهي ليست قيماً أخلاقية بذاتها، بل هي جزء من نظام كوني لا يتوقف على الأخلاق. والإجابة: أن السنن الكونية ليست كلاً واحداً، بل هي قوانين فيزيائية، والقيم المستفادة منها هي قيم مستخلصة (كالنظام والعدل)، وليست منقولة حرفياً. فالنظام الكوني يعلّمنا مفهوم "النظام"، لكن ما نطبقه من "عدل" هو مستفاد من الوحي، وليس مستقى من الزلازل.
الإشكالية الثانية: أين حدود القياس على الكون؟ لا يمكن أن نقيس جميع الأحكام على الظواهر الكونية، لأن الشريعة جاءت بتكاليف تعبدية لا تعليل لها، كأعداد الصلوات ومناسك الحج. وهذه لا يمكن استلهامها من الكون، بل هي من وحي الله. ولذلك يجب التفريق بين مجال "المعاملات" (حيث التعليل ممكن) ومجال "العبادات المحضة" (حيث التعليل مقيد أو منعدم).
الإشكالية الثالثة: كيف نوفق بين "الإحسان" الكوني (الذي لا يميز) و"العدل" التشريعي (الذي يميز بين الحق والباطل)؟ الإجابة: أن الإحسان الكوني هو إتقان وإحكام، أما العدل التشريعي فهو إنصاف وتمايز بين المكلفين بحسب أعمالهم، ولا تعارض بين المستويين، بل تكامل.
إن هذا الاعتراف بالنقد الذاتي يجعل الطرح هنا أكثر نضجاً من التصورات المثالية المطلقة، وهو ما لانزعمه.
سادساً:نموذج تطبيقي مقترح:
يمكن الانتقال من التنظير إلى التطبيق المقاصدي المستند إلى السنن الكونية من خلال أربعة محاور، في ضوء رؤية تيار المستقبل السوري (الشورقراطية) والمرحلة الانتقالية في سورية:
المحور الأول، في مجال التشريع المالي:
تُصاغ القوانين المالية بحيث تحقق مقاصد الرواج والتوثيق والعدل وحفظ المال، مع مراعاة دورة المال في المجتمع، وعدم تجميده في أيدي قلة. وهذا يعني:
- وضع قوانين ضريبية تصاعدية تحقق العدالة، مع حوافز للاستثمار والإنتاج (تحقيقاً للرواج).
- إلزام الشركات والمؤسسات بالإفصاح المالي والشفافية (تحقيقاً للتوثيق).
- تشجيع التمويل الإسلامي والأخلاقي الذي يتجنب الاحتكار والمضاربة (تحقيقاً للعدل).
وهذا يتسق مع وثائق تيار المستقبل السوري التي تنص على بناء نظام اقتصادي عادل يضمن حقوق جميع المواطنين[^11].
المحور الثاني، في مجال التشريع الاجتماعي:
تُسن القوانين التي تعزز التعاون والتكامل بين أبناء المجتمع، وتُرسخ قيم الرحمة والرفق في المؤسسات العامة والخاصة:
- تطوير قوانين الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والتعليم، بما يحقق التكافل الاجتماعي.
- تشجيع العمل التطوعي والمؤسسات المجتمعية المدنية، لتكون دعامة للدولة في تقديم الخدمات.
- وهذا يحاكي سنة التعاون الكونية، ويحقق مقصد التكامل الاجتماعي الذي أشار إليه ابن عاشور[^12].
المحور الثالث، في مجال الحكم والسياسة:
يُبنى نظام الحكم على أساس الشورى والعدل، محاكياً نظام الكون القائم على التوازن بين عناصره. وهذا ما يعبر عنه تيار المستقبل السوري بـ "الشورقراطية" التي تدمج بين:
- الشورى كمرجعية قيمية مستمدة من مقاصد الشريعة.
- الديمقراطية كآلية إجرائية لانتخاب المؤسسات.
- التوازن بين السلطات، ومراقبة الحاكم، وحقوق المعارضة، ومشاركة المواطنين في صنع القرار.
- وهذا النموذج يحقق النظام والتوازن في التدبير السياسي، أسوة بالنظام الكوني المتناغم[^13].
المحور الرابع، في مجال القضاء:
يُؤهَّل القضاة لفقه المقاصد وآليات الترجيح، ليتمكنوا من النظر إلى القضية بعين كليتها، حاسبين المآلات والنتائج، مستلهِمين سنن الكون في التوازن والعدل. وهذا يعني:
- العمل بمبدأ "التوازن بين المصالح" (الذي يراعي المآل).
- الأخذ بفقه الأولويات، بحيث تُقدَّم الضروريات على الحاجيات.
- الاستناد إلى الاستقراء والمصلحة في الأحكام غير المنصوصة.
- وهذا ما دعت إليه أبحاث المقاصد المعاصرة، التي تضع القضاء كأحد أهم ركائز تطبيق المقاصد[^14].
سابعاً، خلاصة وتوصيات:
خلصت هذه الورقة إلى أن هناك علاقة تأصيلية وثيقة بين مقاصد الشريعة والسنن الكونية، تقوم على أن الخالق واحد، وأن نظامه في الكون ونظامه في التشريع ينبعان من حكمة واحدة. وقد بينت الورقة كيف يمكن استلهام القيم الكونية (النظام، التعاون، الإحسان) في استنباط مقاصد المعاملات المالية (الرواج، التوثيق، العدل، حفظ المال) والاجتماعية (التعاون، الرحمة، العدل)، مع الإشارة إلى الحدود والإشكاليات التي ينبغي التنبه لها.
بناءً على ذلك، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
أولاً: اعتماد الرؤية المقاصدية الكونية كمنهجية استرشادية في صياغة القوانين والسياسات، بحيث يتم اختبار أي قانون بمدى محاكاته لسنن الكون في النظام والعدل والإحسان، ومدى تحقيقه للرواج الاجتماعي والاقتصادي، مع ضبط هذا الاستلهام بضوابط الشرع وأصول الفقه.
ثانياً: تكوين فريق عمل متخصص من فقهاء ومفكرين وخبراء في العلوم الكونية والاجتماعية، لوضع دليل إرشادي يحدد كيفية استلهام السنن الكونية في المجالات المختلفة، ويحوي أمثلة تطبيقية من الفقه التراثي والواقع المعاصر.
ثالثاً: تضمين مناهج التدريب والتأهيل في التيار مقررات في "فقه السنن الكونية ومقاصد الشريعة" لرفع وعي الكوادر بأهمية هذا المدخل، وتدريبهم على كيفية تطبيقه في الحوار الوطني والبناء المؤسسي.
رابعاً: الدعوة إلى إدراج هذه الرؤية في مشروع الدستور السوري المقبل، كمبدأ توجيهي لنظام الحكم الاقتصادي والاجتماعي، بحيث تصاغ القوانين في ضوء تحقيق التوازن الطبيعي والتكامل الاجتماعي، بما يحقق كرامة الإنسان ويحفظ حقه في العيش الكريم.
ختاماً، إن الرؤية المقاصدية التي تستلهم سنن الله في خلقه، كما تستلهم أحكامه في شرعه، هي أفق واسع لتجديد الفكر الإسلامي السياسي، وتقديم نموذج حضاري يجمع بين ثبات المبادئ ومرونة التطبيق، وبين الأصالة والمعاصرة. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
قائمة المراجع:
- القرآن الكريم.
- الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى. الموافقات. تحقيق: عبد الله دراز. دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ/1991م.
- ابن عاشور، محمد الطاهر. مقاصد الشريعة الإسلامية. تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة. دار السلام، القاهرة، ط2، 2011.
- الريسوني، أحمد. نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي. المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن – فرجينيا، ط2، 1995.
- القرضاوي، يوسف. الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1417هـ/1996م.
- العلواني، طه جابر. في فقه الأولويات: دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة. المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، ط1، 1415هـ/1995م.
- ابن القيم، محمد بن أبي بكر. إعلام الموقعين عن رب العالمين. تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم. دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ/1991م.
- الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد. الأحكام السلطانية. تحقيق: أحمد مبارك البغدادي. دار ابن حزم، بيروت، ط1، 1423هـ/2002م.
- سحنون بن سعيد التنوخي. المدونة الكبرى. دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1414هـ/1994م.
الهوامش:
[^1]: ينظر: الشاطبي، الموافقات، ج2، ص 5-7، حيث يبين أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدارين، وهذه المصالح منسجمة مع نظام الخلق.
[^2]: ينظر: الموافقات، ج1، ص 55-57، في فصل "الأحكام الشرعية منوطة بالعلل".
[^3]: حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
[^4]: ينظر: القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، ص 155-160.
[^5]: ينظر: المدونة الكبرى، كتاب البيوع، باب "الاحتكار".
[^6]: ينظر: الموافقات، ج4، ص 189-191، في بيان مقصد حفظ النظام.
[^7]: ينظر: القرضاوي، الاجتهاد، ص 170-175.
[^8]: ينظر: الموافقات، ج2، ص 23-25.
[^9]: ينظر: الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 65-67.
[^10]: ينظر: ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص 85-87.
[^11]: ينظر: الموقع الرسمي تيار المستقبل السوري.
[^12]: ينظر: ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص 110-112.
[^13]: ينظر: تيار المستقبل السوري، "الشورقراطية".
[^14]: ينظر: العلواني، في فقه الأولويات، ص 90-95.