بعد أشهر قليلة من سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وفي لحظة تاريخية فارقة، صدر كتابٌ يحمل عنواناً طموحاً: بدأت في دمشق: كيف أعادت الثورة السورية الطويلة تشكيل عالمنا.
صدر الكتاب عن دار Hurst Publishers في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وهو من تأليف ريم علاف، الكاتبة والمحللة السياسية السورية المولد، والزميلة السابقة في مركز تشاتام هاوس المرموق في لندن.
يقع الكتاب في 352 صفحة، ويأتي في توقيت استثنائي: لحظة تحوّل السوريين من الاحتفال بسقوط الديكتاتورية إلى مواجهة إرث خمسين عاماً من "الأسْدَة".
يطرح الكتاب سؤالاً محورياً: كيف استطاع السوريون، بعد عقود من القمع والتهميش، أن يحققوا ما بدا مستحيلاً، رغم الخيانة والتخلي من كل الجهات؟
والإجابة، كما تقدمها علاف، ليست في التحليل البارد للقوى الكبرى، بل في التجربة المعاشة للشعب السوري، في تفاصيل حياته اليومية تحت وطأة الاستبداد.
معلومات الكتاب الأساسية:
- العنوان: It Started in Damascus: How the Long Syrian Revolution Reshaped Our World
- العنوان العربي الذي نقترحه: بدأت في دمشق: كيف أعادت الثورة السورية الطويلة تشكيل عالمنا
- المؤلفة: ريم علاف (Rime Allaf) – كاتبة ومستشارة في السياسة والدبلوماسية، زميلة سابقة في تشاتام هاوس
- الناشر: Hurst Publishers (لندن)
- تاريخ النشر: 6 نوفمبر 2025
- عدد الصفحات: 352 صفحة
- اللغة: الإنجليزية
- الرقم الدولي الموحد للكتاب (ردمك): 9781805264118
- الرقم الدولي الموحد الإلكتروني (ردمك إلكتروني): 9781805264842
بنية الكتاب ومحتوى الأبواب:
يتألف الكتاب من ثلاثة أجزاء رئيسية، تسبقها ملاحظة المؤلف (Author’s Note) وتليها صفحة شكر (Acknowledgements) وفهرس (Index).
كما يمتد السرد عبر نحو 55 عاماً من الحكم الأسدي (1970–2024)، مقدماً مزيجاً فريداً من التحليل السياسي، والسرد الشخصي، والتوثيق التاريخي.
الجزء الأول، الإرث العائلي (Part One: The Patrimonial Legacy):
يستعرض هذا الجزء تأسيس "الأسدية" كآلة قمع وطبقية، وكيف حوّلت سورية إلى ملكية خاصة لعائلة الأسد.
ويركز على:
- صعود حافظ الأسد (1970): كيف تحول ضابط علوي من الأقلية إلى دكتاتور استبدادي، وأسس نظاماً قام على المحسوبية والولاء المطلق.
- إرث القمع: يوثق الكتاب كيف أخضع النظام السوريين لخمسين عاماً من الأسدية، متتبعاً آليات القمع التي شملت التجسس، والاعتقال التعسفي، وقمع أي صوت معارض.
- المجتمع المخملي: تصف علاف كيف أقام نظام حافظ الأسد "طبقة مخملية" موالية، تميزت فوق كل شيء بـ "التحرر من المساءلة".
هذه الطبقة من رجال الأعمال الموالين والضباط المقرَّبين تمتعت بثروات طائلة، بينما عانى غالبية السوريين من الفقر المدقع. - عزلة سورية: يروي الكتاب كيف قطعت سياسات النظام السوريين عن العالم، ففي عهد حافظ، كانت "الموز والمناديل الورقية سلعاً فاخرة باهظة الثمن" لا تظهر في الأسواق إلا عندما يختار أحد المحسوبين توفيرها.
كما فرض النظام حظر سفر على نحو 5 ملايين سوري (ربع السكان تقريباً) كعقاب على ولائهم المشكوك فيه. - قمع 1982: يتناول الحدث الأكثر دموية في عهد حافظ – مجزرة حماة – كعلامة فارقة في مسار القمع السوري.
والأفكار الرئيسية في هذا الجزء:
- تحويل الدولة إلى "مزرعة" خاصة للعائلة الحاكمة.
- ترسيخ ثقافة الخوف والصمت كآلية للسيطرة.
- "البقاء للأكثر هدوءاً" (survival of the quietest) كقاعدة للحياة اليومية.
الجزء الثاني، عقد مضطرب (Part Two: An Erratic Decade):
يركز هذا الجزء على العقد الأول من حكم بشار الأسد (2000–2011)، ويحلل كيف تحولت آمال الربيع إلى خيبة مريرة:
- وهم دمشق الربيعية: عندما انتهى حكم حافظ الأسد العنيف في عام 2000، اعتقد الكثيرون أن ابنه سيحمل التغيير.
- لكن بشار سرعان ما خانه غروره، "فأمضى عقدَه الأول في السلطة متدخلاً إقليمياً وناقضاً وعوده بالإصلاح الداخلي".
- شخصية بشار: تصف علاف بشار بأنه "متكبر ومع ذلك متردد، سياسي أخرق وحاكم ضيق الأفق وغير مؤهل".
- هذا المزيج من الغرور والتردد كان كارثياً على البلاد.
- المحسوبية والفساد: في عهد بشار، "تفاخر النخبة المحسوبية وحاشيتهم بثروات باهظة، على النقيض من إفقار غالبية السوريين".
- مملكة الصمت: يوضح الكتاب كيف أن "معظم الناس اتبعوا قاعدة ‘البقاء للأكثر هدوءاً'" في ما عُرف بـ"مملكة الصمت".
- لقد كانت "النخبة المخملية هي من يصدر كل الضجيج".
- الانتفاضة والرد الوحشي: عندما نهض السوريون أخيراً في ثورة 2011، "سُحقوا بوحشية من قبل النظام – بدعم إيراني وروسي واسع – وتخلت عنهم القوى الغربية التي كانت تدّعي دعمهم".
الأفكار الرئيسية في هذا الجزء:
- تبديد آمال الإصلاح وتحول الحلم إلى كابوس.
- انكشاف الطبيعة الحقيقية للنظام عندما واجه تحدياً شعبياً.
- الفجوة الصارخة بين ثراء النخبة وفقر الشعب.
الجزء الثالث، ثورة الكرامة (Part Three: The Revolution For Dignity):
يتناول هذا الجزء الثورة السورية (2011–2024) وسقوط النظام، مسلطاً الضوء على:
- صمود الشعب: يروي كيف صمد السوريون رغم القمع الوحشي، والتدخلات الدولية، والتخلي الغربي، وكيف، رغم الخيانة والتخلي على عدة جبهات، نجحت الثورة السورية الطويلة أخيراً في الاختراق".
- التضليل الغربي: يخصص الكتاب مساحة للكشف عن كيف "تجاهل العلماء والصحافيون والسياسيون والدبلوماسيون الغربيون، وحتى الناشطون ‘المناهضون للإمبريالية’، باستمرار ظروف ورغبات السوريين العاديين". تتهم علاف هؤلاء المعلقين "بعدم رؤية المجتمع السوري خلف الافتراضات الاستشراقية والعناوين الجيوسياسية التي غالباً ما تبين أنها خاطئة". وكانت تقاريرهم "سطحية … محملة بالكليشيهات".
- الأثر العالمي: يناقش الكتاب كيف أن عواقب الثورة السورية لا تزال "تتردد دولياً، في أكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية وفي نظام عالمي جديد أضعف الديمقراطية وفضَّل الأنظمة الاستبدادية".
- ما بعد السقوط: مع سقوط النظام في ديسمبر 2024، يواجه السوريون تحدياً جديداً: "مع وجود سلطة جديدة في دمشق، هل يستطيع الشعب تشكيل سوريا التي حلم بها طوال ربع قرن؟". يطرح الكتاب سؤالاً مفتوحاً حول العدالة الانتقالية وإرث نضال بدأ قبل سنوات طويلة.
الأفكار الرئيسية في هذا الجزء:
- الثورة السورية كانت نضالا ممتداً لعقود.
- التضليل الغربي كجزء من معاناة السوريين.
- التحديات الهائلة التي تواجه سوريا ما بعد الأسد.
أبرز المعلومات والاستنتاجات:
- "الأسدية" كتجربة معاشة: يلتقط الكتاب الطبيعة الساخرة والعبثية والوحشية لعصر الأسد أفضل مما قرأه أي مراجع آخر"
. إنه يتتبع كيف تسللت الأسدية إلى اللغة والذاكرة والضمير، متجذرة في عادات اجتماعية شكلها الخوف والندرة. - حكاية المصرف المركزي والتبولة: أقوى حكاية في الكتاب هي زيارتها لأحد أقاربها في المصرف المركزي، هناك، وجدت موظفين يتحدثون عن أحوال عائلاتهم، ثم يخرجون ألواح تقطيع ويبدأون بتحضير التبولة في منتصف الدوام الرسمي، وعندما دخل المدير، انضم إليهم في المرح. تعكس علاف على هذه "الآلة القطاعية الوحشية التي كانت موجودة لأجل نفسها، والتي جرت الإنتاجية والكفاءة إلى الأرض، وأحبطت واستنزفت المواطنين الذين كان عليهم التعامل مع جحيم البيروقراطية البعثية".
- التضليل الغربي كجزء من المأساة: يتهم الكتاب المعلقين الغربيين "بعدم رؤية المجتمع السوري خلف الافتراضات الاستشراقية والعناوين الجيوسياسية". هذا البعد النقدي للغرب هو ما يجعل الكتاب مميزاً.
- الثورة الطويلة: يرى الكتاب في الثورة السورية نضالاً امتد لعقود، وليس مجرد انتفاضة 2011.
- تحذير للعالم: لا يقتصر الكتاب على سورية، بل يرى فيها مرآة للشرق الأوسط والعالم.
وكما كتبت جانين دي جيوفاني: "لفهم مستقبل الشرق الأوسط – بكل مخاطره وإمكانياته – يجب أولاً أن تفهم سورية".
قراءة نقدية
أ. نقاط القوة:
- الصوت الإنساني فوق الضجيج الأيديولوجي: كما لاحظت ديما ونوس، فإن صوت الكتاب الإنساني "يرتفع فوق ضجيج التحليلات العسكرية، والقضايا السياسية الكبرى، والأيديولوجيا والقولبة، واضعاً الشعب السوري في قلب القصة: أحلامهم وخيباتهم، صمودهم المذهل، وتصميمهم على العيش، رغم كل الموت الذي أحاط بهم لعقود".
- المزج بين الداخلي والخارجي: موقع علاف الفريد – سورية من الداخل (بوصفها دمشقية الأصل)، ومحللة من التكوين الغربي (الإنجليزية لغتها الأولى) – يمنحها قدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، وترجمته للجمهور الغربي بلغة يفهمها.
- التفاصيل المعاشة: الحكايات الصغيرة – كحكاية التبولة في المصرف المركزي – تنقل جوهر الاستبداد بشكل لا تفعله الإحصاءات والتقارير. هذا ما يجعل الكتاب "مزعجاً، قهرياً، وأحياناً يخطف الأنفاس".
- نقد التضليل الغربي: يقدم الكتاب نقداً لاذعاً للموقف الغربي من سورية، وهو ما يمنحه بعداً تحليلياً نادراً في الأدبيات الغربية عن سورية.
- التوقيت: صدر الكتاب في لحظة تحول تاريخي، مما يجعله وثيقة حية لفهم ما جرى وما سيأتي.
ب. نقاط النقد والتساؤلات:
- الحساسيات الغربية: أشار أحد النقاد إلى أن "على الرغم من كونها سورية وملمة بالبلاد من الداخل، إلا أن مشاعر المؤلفة هي مشاعر غربية ليبرالية (الإنجليزية هي لغتها الأولى)".
وهذا قد يجعل بعض السوريين يشعرون أن الكتاب يُقرأ من الخارج أكثر مما يُكتب من الداخل. - العنوان المبالغ فيه: اعتبر البعض أن العنوان الفرعي (كيف أعادت الثورة السورية الطويلة تشكيل عالمنا) مبالغ فيه، وأن قوة الكتاب الحقيقية ليست في الادعاءات الكبرى، بل في تصويره للحياة تحت حكم الأسد.
- الافتقار إلى التحليل الاقتصادي العميق: يركز الكتاب بقوة على البعد السياسي والاجتماعي والنفسي، لكنه قد يهمل التحليل الاقتصادي الكلي لديناميات النظام، أو دور رأس المال والفساد كآلية حكم.
- غياب الإجابة عن سؤال المستقبل: العنوان الفرعي يعد بـ"كيف أعادت الثورة تشكيل عالمنا"، لكن الكتاب – بحكم توقيته – لا يستطيع تقديم إجابة نهائية عن مستقبل سورية، تاركاً القارئ مع سؤال مفتوح.
الخاتمة:
بدأت في دمشق هو أكثر من مجرد كتاب عن سورية؛ إنه شهادة حية على ما فعله الاستبداد بالبشر، ورواية مقاومة شعب رفض الانكسار رغم كل شيء.
إنه، كما وصفته ليز دو سيت: "تاريخ ينبض بالحياة"، وكما وصفته ديما ونوس: "أحد أهم الكتب عن سورية وثورتها".
لكن يبقى عائق أساسي أمام الاستفادة الجماهيرية من هذا الجهد القيم: اللغة.
فورود الكتاب بالإنجليزية فقط يحرم الغالبية العظمى من السوريين – ومنهم الناشطون والكتّاب والمؤرخون والباحثون المحليون – من الوصول المباشر إلى سرديته العميقة.
لذلك، نخلص إلى التوصية بضرورة ترجمة هذا الكتاب إلى العربية في أقرب وقت، سواء من قبل الناشر نفسه، أو بمبادرة من مراكز دراسات أو جهات مانحة.
فهذا الكتاب يضع الشعب السوري في قلب القصة.. أحلامهم وخيباتهم، وصمودهم المذهل، وتصميمهم على العيش، رغم كل الموت الذي أحاط بهم لعقود.
وهذا الصوت بحاجة إلى أن يسمعه السوريون بلغتهم.