الملخص التنفيذي:
كشف التقرير الفصلي الرابع والأربعون لكبير المفتشين الخاصين بعملية "العزم الصلب" الصادر في 27 أيار 2026، عن تطور أمني بالغ الخطورة تمثل في فرار أو اختفاء ما بين خمسة عشر ألفاً وعشرين ألف شخص من المشتبه بارتباطهم بتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) من مراكز الاحتجاز في شمال شرقي سورية مطلع العام 2026.
ويأتي هذا الانهيار نتيجة مباشرة لانسحاب "قوات سوريا الديمقراطية – قسد" من مخيم الهول ومراكز احتجاز أخرى.
و رغم نقل القيادة المركزية الأميركية أكثر من خمسة آلاف وسبعمئة معتقل إلى العراق، فإن حجم الفارين يظل غير مسبوق، ويمثل تهديداً استراتيجياً لا يقتصر على عودة مقاتلين متمرسين، بل يمتد إلى خطر "جيل داعش الجديد" المتمثل بالأطفال والنساء الذين تلقوا تلقيناً أيديولوجياً متطرفاً داخل المخيمات.
يحلل هذا المقال أبعاد الأزمة، ويقدم توصيات عملية للحكومة السورية والتحالف الدولي والمكتب السياسي لتيار المستقبل السوري.
أولاً، خلفية الحدث:
يُعدّ الفارّون أو المختفون من مراكز الاحتجاز التي تديرها "قسد" أكبر عملية انهيار لمنظومة احتجاز عناصر التنظيم منذ هزيمته العسكرية، فقد كان عدد المحتجزين سابقاً يقدر بنحو ثلاثة وعشرين ألف شخص، بينهم مقاتلون وعائلاتهم، موزعين على سجون ومخيمات أبرزها مخيم الهول.
و في كانون الثاني 2026، أعلنت "قسد" انسحابها من المخيم، تاركة الآلاف دون حراسة، مما أثار مخاوف عالمية.
وقد أفاد تقرير المفتش العام بأن استغلال التنظيم للفراغ الأمني، خاصة مع تراجع عمليات "قسد" لمكافحة داعش بنسبة خمسة وسبعين بالمئة، أدى إلى تعزيز قدرة خلايا داعش على إعادة التنظيم والتوسع.
وفي محاولة لاحتواء الكارثة، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عن نجاحها في نقل خمسة آلاف وسبعمئة وأربعة معتقلين من عناصر داعش من المنشآت السورية إلى سجون تديرها الحكومة العراقية، وأكدت بغداد استلام حوالي أربعة آلاف معتقل ضمن هذه العملية.
لكن هذه الخطوة، رغم ضرورتها، لا تعوض عن حجم الهائل للمفقودين والهاربين.
ثانياً، "جيل داعش الجديد":
لا يقتصر خطر الانهيار على هروب مقاتلين ذوي خبرة قتالية، بل يمتد ليشمل خطراً أكثر فتكاً على المدى المتوسط والطويل، وهو ظهور جيل جديد من عناصر التنظيم.
وقد أشارت بعض التحليلات الاستخباراتية إلى أن هروب عائلات داعش من مخيم الهول تحديداً، والذي يضم أعداداً كبيرة من الأطفال والنساء، ينذر بظهور جيل جديد من مناصري التنظيم في خضم عدم الاستقرار السوري وضعف الرقابة الأمنية.
كما لفتت مصادر بحثية وإعلامية إلى خطورة واقع أطفال مقاتلي داعش داخل المخيمات، مؤكدة أن هؤلاء الأطفال تشبعوا بأيديولوجية متطرفة عنيفة، وحرموا من عيش طفولة طبيعية، مما جعلهم بيئة خصبة لتجنيدهم لاحقاً.
وكشفت عدة وثائق عن وجود مئات السيدات والأطفال المصريين تحديداً داخل مخيمَي الهول وروج في شمال سورية.
هؤلاء الأطفال، الذين كانوا في بيئة مغلقة تخضع لسيطرة أيديولوجية متطرفة، هم الآن موزعون في مناطق متفرقة، مما يجعل عملية تتبعهم وإعادة تأهيلهم تحدياً بالغ الصعوبة.
وقد أظهرت الأرقام أن عدد الفارين أو المختفين يتراوح بين خمسة عشر ألفاً وعشرين ألف شخص، في حين بلغ عدد المعتقلين المنقولين إلى العراق خمسة آلاف وسبعمئة وأربعة عناصر، وكان العدد التقريبي للمحتجزين سابقاً نحو ثلاثة وعشرين ألف شخص.
ثالثاً، التهديدات الأمنية المترتبة:
لا يقتصر الخطر على الفارين أنفسهم، بل يمتد ليشمل تحفيز الخلايا النائمة للتنظيم التي لم تغادر سورية.
تزامن هذا التطور مع تصعيد ملحوظ في خطاب التنظيم خلال الأسابيع الماضية، بعد أن أصدر رسالة دعائية جديدة حث فيها عناصره والمقاتلين الأجانب داخل سورية على مواصلة القتال ضد الدولة السورية ورفض الاستسلام.
كما استغل التنظيم قلّة القوات الأجنبية في بعض المناطق، بعد سحب جزء من الوجود العسكري الأميركي، مما أتاح له بيئة مناسبة لإعادة تنظيم صفوفه.
وقد أشار مسؤولون في الإدارة الذاتية الكردية إلى أن خلايا داعش النائمة تعيد تفعيل نفسها عبر الأراضي السورية وسط مخاوف أمنية متصاعدة.
وأيضا، يشكل تدفق عناصر داعش وعائلاتهم المهرَّبين خطراً مباشراً على الأمن العراقي، فقد حذّر مسؤولون عراقيون من أن عمليات التهريب هذه قد تكون جزءاً من استراتيجية أوسع لزعزعة استقرار العراق من خلال هجمات داعش.
رابعاً، التداعيات الاستراتيجية:
ما جرى في شمال شرقي سورية يمكن وصفه بانهيار كامل لمنظومة احتجاز كانت تعتبر خط الدفاع الأخير لمنع عودة تنظيم داعش رغم ماحفه من سلبيات وضخامة بالعدد والاعتقال بالشبهة واحتجاز الأبرياء وجعل الاحتجاز بؤرة تؤسس لحالة انتقامية وليس احتجازا اصلاحياً، وذلك لمدة سبع سنوات، تولت "قسد" إدارة شبكة من السجون ومراكز الاحتجاز التي كانت تحتوي على أخطر الإرهابيين في العالم.
وقد حذّر مراقبون طويلاً من أن هذه المواقع تمثل في الوقت نفسه آلية احتواء وخزاناً استراتيجياً كامناً يمكن تفجيره في أي لحظة، ومع انسحاب "قسد" وتوجهها للدفاع عن مناطقها، انهارت هذه المنظومة فجأة وبشكل فوضوي.
يظهر هذا التطور أن الحكومة السورية، رغم سعيها لترسيخ سلطتها، لا تمتلك بعدُ القدرات الأمنية والاستخبارية واللوجستية اللازمة لملء الفراغ الذي خلّفته "قسد" بطريقتها التي تركت فيها المعتقلين، وقد حذّر محللون من أن هروب عائلات داعش يُظهر قدرة الجيش السوري المحدودة على الأرض، لا سيما في المناطق الشرقية.
خامساً، سيناريوهات المستقبل:
في حال عدم التعامل مع الملف بجدية، يمكن أن نشهد خلال الأشهر المقبلة السيناريو الأسوأ المتمثل بعودة منظمة لداعش، عبر إعادة تنظيم صفوفه في مناطق البادية السورية والمناطق الحدودية مع العراق، وتشكيل "جيل داعش الجديد" من الأطفال الفارين الذين تلقوا تلقيناً فكرياً متطرفاً ليكونوا نواة لقيادات جديدة أكثر تطرفاً، وتحول سورية مرة أخرى إلى بيئة حاضنة للجماعات المتطرفة، مما يعيد عقارب الساعة إلى ما قبل 2014.
أما سيناريو الاحتواء المشروط فيتطلب تعاوناً أمنياً إقليمياً غير مسبوق بين الحكومة السورية والعراق والأردن وتركيا، بدعم استخباري أميركي وغربي، إلى جانب برامج إعادة تأهيل جادة وطويلة الأمد للأطفال والنساء الفارين من المخيمات بالتعاون مع منظمات دولية متخصصة، وتعزيز وجود القوات الدولية لمكافحة الإرهاب في شرق سورية لمنع تحول المنطقة إلى منطقة انطلاق جديدة للعمليات.
الخاتمة:
يمثل التقرير الصادر عن المفتش العام إنذاراً مبكراً لا يمكن تجاهله، فـ أعداد الفارين والمختفين (بين خمسة عشر وعشرين ألفاً) هي قنابل موقوتة تنتظر الظروف المناسبة للانفجار.
و بناءً على ذلك، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
أولاً: توصيات للحكومة السورية – إعلان حالة الاستنفار الأمني في المناطق الشرقية، وتشكيل خلية أزمة مشتركة مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وتخصيص ميزانية طارئة لبرامج إعادة التأهيل للأطفال المتأثرين.
ثانياً: توصيات للتحالف الدولي – إعادة تقييم استراتيجية الانسحاب، ودعم قدرات الحكومة السورية أمنياً واستخبارياً، وتمويل برامج متخصصة لرعاية الأطفال المتأثرين فكرياً.
ثالثاً: توصيات للجهات الإنسانية – البدء الفوري ببرامج حماية نفسية واجتماعية للأطفال، لتجنيبهم التحول إلى عناصر في "جيل داعش الجديد".
رابعاً: توصيات للمكتب السياسي لتيار المستقبل السوري – إدراج ملف "الأطفال المتأثرين إيديولوجياً" ضمن أولويات العمل الإنساني والسياسي، والعمل على توحيد الجهود الوطنية لمواجهة هذا التحدي، وتشكيل لجنة حزبية لمتابعة ملف الأطفال السوريين في المخيمات والتنسيق مع منظمات المجتمع المدني.
ويبقى أن نقول أن هذا التحدي ليس تحدياً أمنياً فحسب، بل هو تحدٍ وجودي لمستقبل سورية والمنطقة، ويتطلب استجابة سريعة وشاملة قبل فوات الأوان.
المصادر المعتمدة:
- تقرير المفتش العام الأميركي لعملية "العزم الصلب" (SIGAR)، القسم الرابع والأربعون، 27 أيار 2026.
- بيانات القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) بشأن نقل المعتقلين إلى العراق، أيار 2026.
- تصريحات مسؤولين عراقيين لوكالات الأنباء (رويترز، الأناضول) خلال شهر أيار 2026.
- تقارير إعلامية متداولة حول انسحاب "قسد" من مخيم الهول في كانون الثاني 2026.