التحول الاستراتيجي في العلاقات السورية الأوروبية

تمهيد تاريخي:

لفهم ثقل اللحظة الراهنة، لا بد من العودة جذرياً إلى الإطار المؤسس للعلاقات الثنائية.
فقد بدأت الشراكة الاقتصادية بين سورية والمجموعة الاقتصادية الأوروبية (سلف الاتحاد الأوروبي) في السبعينيات، عبر توقيع اتفاقية التعاون عام 1977 التي دخلت حيز التنفيذ في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1978.

مثلت تلك الاتفاقية، التي وُقعت في بروكسل بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 1977 حجر الزاوية لأول إطار مؤسسي، حيث ألغت الرسوم الجمركية على معظم الصادرات الصناعية السورية إلى أوروبا، وأرست أسس التعاون الاقتصادي والتقني ونقل الخبرات.
وفي تلك الفترة، تجاوز حجم التبادل التجاري حاجز ثمانية مليارات دولار عام 2010، مما عكس عمق التكامل الاقتصادي الذي كانت سورية جزءاً منه.

ثم تطور الطموح لاحقاً نحو اتفاقية شراكة أوسع تم التفاوض عليها عام 2004، كانت تهدف لإنشاء منطقة تجارة حرة، لكنها توقفت عند حد التصديق بسبب التعقيدات السياسية.

ثم جاءت نقطة التحول الحاسمة مع عام 2011، حيث جمد الاتحاد الأوروبي الاتفاقيات، وشرع في فرض عقوبات اقتصادية قاسية، بدءاً من تجميد الأرصدة، وصولاً إلى حظر النفط والخدمات المالية، وصولاً إلى إغلاق معظم السفارات الأوروبية في دمشق، ليصبح الجمود هو السمة الغالبة لأكثر من عقد.

مرحلة إعادة التموضع (2024–2026):

شكّل سقوط النظام البائد في كانون الأول/ديسمبر 2024 محفلاً تاريخياً أعاد ترتيب أوراق المنطقة، فبعد سنوات من التجميد، بدأت العجلة تتحرك بسرعة متصاعدة:
في 20 أيار/مايو 2025، وافق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على قرار سياسي برفع كامل العقوبات الاقتصادية عن سورية.

في 28 أيار/مايو 2025، توج القرار السياسي بإجراءات قانونية، حيث رفع المجلس 24 كياناً من قائمة تجميد الأموال، ومنها مصرف سورية المركزي وشركات النفط والقطن والاتصالات، ما أزال عقبة رئيسية أمام تدفق الاستثمارات، رغم أن العقوبات ذات "الخلفية الأمنية" ظلت قائمة لفترة مؤقتة.

بلغت هذه الديناميكية ذروتها في 9 كانون الثاني/يناير 2026، حين زارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا دمشق، معلنين عن "فصل جديد" في العلاقات يقوم على ثلاث ركائز: شراكة سياسية تعزز الانتقال السلمي، وتعاون اقتصادي وتجاري، ودعم مالي كبير.

وفي بيان تاريخي، وصفت فون دير لاين المرحلة بقولها:

"قبل أكثر من عام، بدأت عقود من الخوف والصمت وعنف الدولة تفسح المجال أخيراً للأمل والفرص وإمكانية التجديد".
وجاء الإعلان مصحوباً بحزمة دعم مالي بقيمة 620 مليون يورو (نحو 722 مليون دولار) للعامين 2026 و2027، تشمل مساعدات إنسانية ودعماً للتعافي المبكر وتعاوناً ثنائياً.

ولعل الخطوة الأحدث والمفصلية كانت في نيسان/أبريل 2026، عندما اقترحت المفوضية الأوروبية استئنافاً كاملاً لاتفاقية التعاون لعام 1978، عبر إعادة تفعيل العمل بها كما لو كانت سارية المفعول، ولم يقتصر هذا الاقتراح على الواردات والنفط، بل امتد ليشمل رفع الحظر عن واردات النفط الخام والذهب والمعادن النفيسة والماس، ما يمنح سورية القدرة على العودة إلى السوق الأوروبية كفاعل اقتصادي رئيسي.

وعُقد في 11 أيار/مايو 2026 في بروكسل أول حوار سياسي رفيع المستوى بين الطرفين، لتمهيد الطريق لاتفاقية شراكة أوسع وأشمل تطمح لتجاوز إرث الماضي.

تحليل المصالح المتبادلة:

من منظور وطني سوري، تمثل إعادة فتح العلاقات مع الاتحاد الأوروبي دماء اقتصادية حقيقية، تتركز في ثلاثة أبعاد رئيسية:

  • البعد الاقتصادي التنموي: يوفر استئناف الاتفاقية إمكانية إلغاء الرسوم الجمركية على معظم الواردات الصناعية السورية، وهو ما سينعش الصادرات الوطنية تدريجياً.
    بالتزامن، فإن حزمة الـ620 مليون يورو، وإن كانت متواضعة مقارنة بحجم الدمار، تشكل خطوة أولى لدعم التعافي في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية.
    لكن يجب التنبيه هنا إلى أن الاتفاقية القديمة (1978) لم تعد تغطي اقتصاداً معاصراً يعتمد على الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وهو ما يستدعي التفكير في أطر أحدث وأوسع.
  • البعد الجيوسياسي: يكسر التطبيع الأوروبي حالة العزلة السياسية التي طالت دمشق لأكثر من عقد.
    فمشاركة السلطات الانتقالية السورية في مؤتمر بروكسل التاسع في آذار/مارس 2025 لأول مرة شكل اعترافاً سياسياً دولياً مهماً، كما أن الحوار السياسي المقرر في مايو 2026 سيكون منصة لإعادة تعريف العلاقة من موقع الندية، لا من موقع المتلقي فقط.
  • البعد الطاقي والخدماتي: رفع الحظر عن واردات النفط والذهب يفتح الباب أمام سورية للاستفادة من موقعها الجغرافي كممر حيوي للطاقة، خاصة مع الأزمة المستمرة في مضيق هرمز، ما يعيد أهمية ممرات الطاقة عبر الموانئ السورية، كما أن رفع العقوبات عن البنك المركزي والقطاع المالي يسمح بإعادة هيكلة النظام المصرفي وعودة التعامل مع المؤسسات المالية الدولية.

من جهتها، فإن تحرك أوروبا ليس بحكم الإنسانية وحدها، بل بدافع مصالح جيواستراتيجية عميقة، تتركز في ركائز ثلاث:

إدارة أزمة اللاجئين: ملاحظاتنا تشير إلى أن أوروبا تستضيف نحو مليون لاجئ سوري، نصفهم تقريباً في ألمانيا.
وفي آذار/مارس 2026، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن خطة واضحة تهدف إلى إعادة ما يصل إلى 80% من اللاجئين السوريين في ألمانيا إلى بلادهم خلال ثلاث سنوات، يعكس هذا التصريح ضغطاً سياسياً وشعبياً متصاعداً في الداخل الأوروبي، ويدفع بروكسل لخلق بيئة آمنة ومستقرة في سورية كشرط لتلك العودة.

كما تجدر الإشارة هنا إلى أن تيار المستقبل السوري الذي تبنى منذ البداية رؤية واضحة مؤداها أن "قرار الأمم المتحدة عام 2026 يمثل فرصة تاريخية لإنهاء التشرذم الإغاثي"، مع التأكيد على أن الحل يبدأ من الداخل السوري وليس من الخارج.

الأمن القومي الأوروبي: يتمثل التهديد الأمني الأكبر لأوروبا اليوم بعدم الاستقرار في سورية كمنصة حاضنة للتنظيمات المتطرفة، حيث تشير تقديرات استخباراتية إلى أن ما بين 15 ألف و20 ألف شخص، بينهم عناصر مرتبطة بتنظيم داعش أو متأثرون به، لا يزالون ينشطون داخل سورية، والمقلق أن عمليات التنظيم لم تتوقف، إذ نفذ 77 هجوماً في آذار/مارس 2026 فقط، كما أن فرار جماعي لمحتجزين من مخيم الهول في كانون الثاني/يناير 2026 شكل إنذاراً أمنياً خطيراً للعالم بأسره.
ويرى الاتحاد الأوروبي في التعاون مع دمشق ضرورة أمنية ملحة لمنع عودة "داعش" أو غيره من التنظيمات للظهور من جديد.

الاندماج الإقليمي والعبور الطاقي: باتت أوروبا تدرك أن سورية بموقعها الجغرافي كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، هي بوابة حيوية لمشاريع العبور والتجارة والطاقة، خاصة بعد انعكاسات الحرب في أوكرانيا على أمن الطاقة الأوروبي.
فتعزيز التعاون مع دمشق يعني تثبيت استقرار منطقة شرق المتوسط بأكملها، وهو ما يصب مباشرة في الأمن الأوروبي طويل الأمد.

العوائق والتحديات:

رغم زخم التفاؤل، يواجه مسار العلاقات الجديد تحديات ثلاثية الأبعاد يجب على صانع القرار السوري مراعاتها بذكاء:

أولاً: التحدي القانوني والمالي، ويتعلق بطبيعة رفع العقوبات، الذي اتخذ طابع "التعليق" أو "رفع التدابير" بينما تبقى الأنظمة القانونية قائمة في الإطار، هذا الوضع القانوني يخلق حالة من التردد لدى البنوك والمؤسسات المالية الأوروبية التي تخشى من عقوبات أمريكية أو من تجدد التجميد في حال انحرف المسار السياسي، بعبارة أخرى، رفع العقوبات يظل معلّقاً على استيفاء شروط سياسية وليس إلغاء مطلقاً.

ثانياً: التحدي الأمني الداخلي، فرغم التحسن فإن سورية لا تزال تواجه تحديات ميدانية وأمنية تعرقل عودة الاستثمارات الأوروبية.
أقر المفوض الأوروبي للهجرة ماجنوس برونر في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية في 31 كانون الثاني/يناير 2026 بأنه "لم يصل بعد إلى مرحلة يمكن فيها اعتبار سورية مستقرة بما يكفي لتنفيذ عمليات ترحيل واسعة النطاق"، وهو ما ينطبق أيضاً على البيئة الاستثمارية. فغياب الإطار الأمني المستقبلي قد يستغرق سنوات، وقد يتحول إلى حجة أوروبية للمماطلة.

ثالثاً: الصعوبات السياسي وقد أعلن الاتحاد الأوروبي صراحةً أنه سيربط تطبيع العلاقات كاملاً بـ"إحراز تقدم ملموس في الانتقال السياسي الشامل، واحترام حقوق الإنسان والأقليات، وبناء دولة المؤسسات".
هذه الشروط، رغم مشروعيتها جزئياً، قد تستخدم كورقة ضغط لتحقيق أهداف أخرى، مثل تغيير السياسات الاقتصادية بما يتوافق مع النموذج الأوروبي، أو فرض توجهات معينة في ملفات داخلية كاملة السيادة.

مخاطر الإضفاء الشرطي على التعاون:

لا بد من إبداء تحفظات حازمة تجاه النهج الأوروبي الذي يميل إلى "إضفاء الشرطية" على أي مساعدة أو شراكة.
فلقد أثبتت التجارب السابقة أن إعادة الإعمار والانتقال السياسي حصراً بيد السوريين وبقياداتهم الوطنية الصادقة.
و إن استغلال حاجة سورية للمساعدات لتمرير إصلاحات سياسية محددة سلفاً من بروكسل هو ضرب للسيادة الوطنية.

لذلك، فإنه يجب على الدبلوماسية السورية أن تنتهج سياسة "المشاركة الحذرة" مع المؤسسات الأوروبية، حيث يكون التعاون قائماً على الاحترام المتبادل والمصالح المعلنة، دون أن تتحول المساعدات إلى أداة لابتزاز سياسي.

ونرى في تيار المستقبل السوري في هذه المرحلة فرصة تاريخية يجب اغتنامها، شريطة أن تظل القرارات السورية السيادية بعيدة عن الإملاءات الخارجية.

رؤية وطنية مستقبلية:

في الختام، تقف سورية اليوم أمام فرصة استراتيجية نادرة لإعادة بناء علاقة متوازنة مع أكبر كتلة تجارية في العالم. ولا بد من التركيز على ثلاثة محاور:

  1. تحديث الإطار القانوني للعلاقة، فلا يمكن الاكتفاء باتفاقية 1978 التي تعود لعصر مختلف، بل يجب الانطلاق نحو اتفاقية شراكة شاملة تشمل التعاون الرقمي والطاقي والأمني، وتعكس طموحات سورية الجديدة.
  2. ربط فتح الأسواق الأوروبية مع تسهيل وصول المنتجات السورية إليها، وليس العكس.
    ويجب أن تكون الاتفاقية الجديدة منصة لتعزيز الصادرات الوطنية وحماية الصناعة المحلية الناشئة.
  3. استثمار الحوار السياسي المقرر في 11 مايو 2026 لطرح رؤية سورية واضحة ومتكاملة للانتقال السياسي وإعادة الإعمار، تكون بملكية ومشورة سورية كاملة، مع انفتاح أوروبي حقيقي غير مشروط.

ختاماً، لقد آن الأوان لأوروبا أن تنظر إلى سورية كشريك متكافئ يملك إرثاً حضارياً وعمقاً جيوسياسياً، لا كبلد يحتاج إلى وصاية أو إملاءات.


وبالمقابل، يقع على عاتق القيادة السورية الجديدة مسؤولية إقناع المجتمع الدولي بقدرتها على بناء دولة المؤسسات والقانون، دولة تحمي حقوق جميع السوريين وتؤمن المستقبل لأجيالهم.
عندها فقط، ستتحول العلاقة السورية الأوروبية من أداة ضغط وأزمات، إلى نموذج للشراكة المثمرة التي تنعكس خيراً على ضفتي المتوسط.


شاركها على:

اقرأ أيضا

التوغلات الإسرائيلية واختطاف مدني من قرية أم العظام بريف القنيطرة

التوغلات الإسرائيلية واختطاف مدني من قرية أم العظام بريف القنيطرة تكشف عن انتهاكات جسيمة للقوانين.

26 أبريل 2026

إدارة الموقع

نعي وفاة المعارض السوري الأستاذ حسن عبد العظيم

رحيل السياسي والحقوقي حسن عبد العظيم يترك أثرا كبيرا في تاريخ المعارضة السورية ومعركتها من أجل الديمقراطية.

26 أبريل 2026

إدارة الموقع