ملخص تنفيذي:
تتناول هذه الدراسة التحولات الاستراتيجية في السياسة الخارجية السورية بعد نحو عام من المرحلة الانتقالية (ديسمبر 2024 – أبريل 2026)، من خلال تحليل معمق للملفات الأربعة الرئيسية التي شكلت أجندة سورية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي (17-19 أبريل 2026).
وتعتمد أيضاً على منهجية تحليل السياسة الخارجية متعددة المستويات، وتخلص إلى أن سورية تسعى عبر استراتيجية "الحياد الإيجابي" إلى إعادة تعريف موقعها الجيوسياسي كفاعل إقليمي مؤثر، مع التركيز على أربعة محاور استراتيجية هي: الأمن الغذائي وبناء الشراكات الاقتصادية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وتوطيد العلاقات مع تركيا، ومعالجة الملفات العالقة مع إسرائيل و"قوات سوريا الديمقراطية".
أولاً، مقدمة:
تقف سورية اليوم عند مفترق تاريخي دقيق، حيث اكتمل عامها الأول في ظل النظام السياسي الجديد.
وهذا العام يمكن اعتباره فترة إعادة تعريف جذرية لدور سورية ومكانتها في نظام إقليمي يشهد تحولاته الكبرى.
وبين أروقة منتدى أنطاليا الدبلوماسي في نسخته الخامسة، تجلت ملامح الأجندة السورية الجديدة بكل وضوح، عاكسةً تحولاً استراتيجياً يتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية إلى آليات بناء الدولة وإعادة الإعمار والأمن الإقليمي.
منذ سقوط النظام البائد في ديسمبر 2024، شهدت سورية تحولاً سياسياً غير مسبوق، تمثل في إعلان المرحلة الانتقالية، وبدء مسار العدالة الانتقالية، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة.
غير أن التحديات كانت ولا تزال هائلة، من أزمة اقتصادية خانقة إلى تهديدات أمنية متعددة المصادر.
وفي هذا السياق، تأتي مشاركة سورية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي كاختبار حقيقي لقدرة الدولة الجديدة على صياغة رؤية استراتيجية متماسكة، واستعادة دورها الإقليمي في منطقة تتسم بالتنافس الحاد والتحالفات المتقلبة.
ثانياً، الإطار النظري والمنهجي – تحليل السياسة الخارجية متعددة المستويات:
لفهم التحولات الاستراتيجية في السياسة الخارجية السورية، تعتمد هذه الدراسة على نموذج تحليل السياسة الخارجية متعدد المستويات، الذي طوره علماء مثل غراهام أليسون وروبرت بوتنام.
حيث يسمح هذا النموذج بتحليل السياسة الخارجية كنتاج للتفاعل بين ثلاثة مستويات:
- المستوى النظامي: يتناول تأثير بنية النظام الإقليمي، والتوازنات الجيوسياسية، والتهديدات المشتركة، وتحالفات القوى الكبرى.
- المستوى الوطني: يركز على الخصائص الداخلية للدولة، بما في ذلك مؤسساتها، وعمليات صنع القرار، وأولويات الأمن الوطني، والرأي العام.
- المستوى الفردي: يدرس دور صانعي القرار الرئيسيين، وقناعاتهم، وتصوراتهم، وأساليب قيادتهم.
في ضوء هذا النموذج، تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن السؤال المركزي: كيف تعيد سورية تموضعها في النظام الإقليمي بعد عام من المرحلة الانتقالية، وما الأولويات الاستراتيجية التي تحكم هذه العملية؟
ثالثاً، الملفات الأربعة:
1- ملف الأمن الغذائي وممرات الطاقة وشبكات الاتصالات:
يشكل الأمن الغذائي تحديا وجودياً لسورية، حيث تعاني البلاد من أسوأ موجة جفاف منذ عقود، مما أدى إلى تدمير المحاصيل الزراعية وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.
تشير تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية إلى أن سورية ستضطر إلى استيراد 2.15 مليون طن من القمح في 2025/26، بزيادة 53% عن العام السابق، وهو رقم قياسي يعكس حجم الأزمة.
في الوقت نفسه، توقعت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن يظل ما بين 1.3 و5.4 مليون شخص في حالة انعدام أمن غذائي حاد خلال عام 2025، بسبب النزوح والاضطرابات الاقتصادية.
يجعل هذا الواقع ملف الأمن الغذائي أولوية استراتيجية قصوى ترتبط ارتباطًا وثيقا بالاستقرار السياسي والأمن الوطني.
في موازاة ذلك، تعمل سورية على استغلال موقعها الجغرافي الفريد لتحويل نفسها إلى مركز إقليمي حيوي لممرات الطاقة.
كما يجري العمل على إحياء خط أنابيب كركوك–بانياس، وهو خط استراتيجي بطول 1,000 كيلومتر، تم إنشاؤه عام 1952 وظل معطلاً منذ 2003.
هذا المشروع، الذي يهدف إلى نقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط، يمكن أن يحقق فوائد متعددة: توفير إيرادات كبيرة لسورية، إعادة تأهيل بنيتها التحتية النفطية، تعزيز التعاون الإقليمي في مجال الطاقة.
كما تم في أبريل 2026 البدء بعبور 500 ألف طن من الوقود العراقي شهرياً عبر الأراضي السورية إلى ميناء بانياس، مما يضع سورية كلاعب رئيسي في إمدادات الطاقة الإقليمية.
أما في قطاع الاتصالات، فقد أبرمت سورية في فبراير 2026 اتفاقيات ضخمة مع المملكة العربية السعودية بقيمة 5.3 مليار دولار، شملت مشروع "سيلك لينك" (SilkLink) لتطوير البنية التحتية للاتصالات، باستثمارات تقدر بنحو مليار دولار.
ويهدف المشروع إلى بناء شبكة ألياف بصرية بطول 4,500 كيلومتر، وإنشاء مراكز بيانات حديثة، مما سيمكن سورية من أن تصبح مركزا إقليمياً لنقل البيانات والاتصالات الدولية.
ليكون هذا التطور جزء من استراتيجية أوسع لإعادة دمج سورية في الاقتصاد الرقمي الإقليمي والعالمي.
كما وتشير هذه التطورات إلى تحول في الاستراتيجية الاقتصادية السورية من التركيز على المساعدات الإنسانية إلى إقامة شراكات اقتصادية استراتيجية طويلة الأجل، تستند إلى مبدأ "التكامل الإقليمي" بدلاً من "التبعية".
2- إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية وترتيبات "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد):
يمثل ملف إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية أحد التحديات الأكثر تعقيدا وحساسية في المرحلة الانتقالية.
حيث تواجه القيادة السورية مهمة شاقة تتمثل في بناء جيش جديد من أنقاض جيش كان يعاني من الفساد والتفكك والتجزئة.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 50 دبابة ومركبة عسكرية كانت مبعثرة ومهملة في قاعدة عسكرية واحدة في حلب بعد سقوط النظام البائد، مما يعكس حجم الدمار الذي لحق بالجيش السوري.
وعملية "إعادة التسمية" التي تقوم بها وزارة الدفاع، والتي تهدف إلى دمج الميليشيات المختلفة في هيكل عسكري موحد، تواجه انتقادات واسعة لكونها مجرد تغيير شكلي يحافظ على الهياكل القديمة.
كما يرى محللون أن إعادة الهيكلة العسكرية يجب أن ترتبط ارتباطًا وثيقاً بالعملية السياسية، حيث لا يمكن تشكيل جيش جديد بالكامل دون وجود دستور يحدد دور القوات المسلحة وإطار قانوني ينظم عملها.
في سياق متصل، تشكل ترتيبات "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) أحد أكثر الملفات تعقيدا على أجندة سورية.
حيث تسيطر قسد على مناطق واسعة في شمال وشرق سورية، بما في ذلك حقول النفط والغاز الرئيسية.
وفي 10 مارس 2025، تم التوقيع على اتفاقية "تفاهم مشترك" بين الحكومة السورية وقيادة قسد برعاية أممية.
تتضمن الاتفاقية 14 بندا، تشمل وقفا شاملاً لإطلاق النار، وانسحاب القوات من نقاط التماس، وانتشار قوات الأمن الداخلي التابعة للدولة في مدن رئيسية مثل الحسكة والقامشلي، ودمج الوحدات الأمنية الكردية في هيكل وزارة الداخلية. كما تنص الاتفاقية على أن تتولى الحكومة السورية السيطرة على جميع المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، مع مراعاة الظروف الخاصة للمناطق الكردية.
غير أن تنفيذ هذه الاتفاقية يواجه تحديات جمة، تتراوح بين العقبات اللوجستية والسياسية، بما في ذلك التوترات مع تركيا التي تعتبر قسد امتداداً لحزب العمال الكردستاني، والمخاوف من ردود فعل الفصائل المسلحة الأخرى.
يمثل نجاح أو فشل هذه الترتيبات اختباراً حاسماً لقدرة الدولة السورية على فرض سيادتها على كامل أراضيها، وتحقيق المصالحة الوطنية، وإعادة توزيع عائدات النفط والغاز بشكل عادل.
3- العلاقات مع تركيا:
شكلت العلاقة مع تركيا محورا رئيسياً في مشاركة سورية بمنتدى أنطاليا، حيث تم بحث التعاون في مجالات الدفاع والأمن والتجارة والطاقة، مع دعم تركي واضح لإعادة إعمار سورية.
وكان أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع عن تعزيز العلاقات الثنائية مع تركيا، وأعرب وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن نية الرئيس أردوغان لزيارة سورية قريباً.
تعكس هذه الديناميكية تحولاً جذريا في العلاقات الثنائية، بعد سنوات من القطيعة والتوتر إبان الحرب السورية.
كما يمكن النظر إلى العلاقة السورية-التركية كحالة دراسية لنموذج جديد من التعاون الإقليمي، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية.
فبالنسبة لتركيا، يمثل الاستقرار في سورية مصلحة أمنية عليا، تتعلق بمنع عودة الإرهاب، وضمان أمن حدودها الجنوبية، وتسهيل عودة ملايين اللاجئين السوريين على أراضيها.
وبالنسبة لسورية، تقدم تركيا دعما حيوياً في مجالات إعادة الإعمار، والمساعدات الإنسانية، والاعتراف الدبلوماسي، والدعم في المحافل الدولية.
ويشير هذا التعاون إلى إمكانية تجاوز الخلافات الماضية لصالح بناء شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والجوار الجغرافي.
4- الاعتداءات الإسرائيلية وملف المفاوضات:
حضر ملف الاعتداءات الإسرائيلية والمفاوضات بقوة في النقاشات السورية في منتدى أنطاليا. فمنذ سقوط النظام البائد تصاعدت وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية على الأراضي السورية، حيث تم إطلاق عمليات توغل ومداهمة في منطقة القنيطرة، ونصب حواجز عسكرية، وتدمير أسلحة وبنى تحتية عسكرية سورية في المنطقة منزوعة السلاح.
وفي يونيو 2025، تم إطلاق صاروخين من درعا باتجاه الجولان المحتل، في أول هجوم من نوعه منذ سقوط النظام البائد، مما يشير إلى احتمالية تجدد التصعيد على الجبهة الجنوبية.
تدفع هذه التطورات سورية إلى إعادة تقييم استراتيجيتها تجاه إسرائيل. فبينما تستمر الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية، فإن الانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل يشكل خيارا صعبا على المستويين الشعبي والوطني.
كما تعكس المباحثات الإسرائيلية–السورية التي أشارت إليها تقارير الأمم المتحدة محاولات للتوصل إلى ترتيبات أمنية مقبولة للطرفين، ربما تكون مقدمة لعملية تفاوضية أوسع.
يتطلب هذا الملف توازنا دقيقاً بين الحفاظ على السيادة الوطنية، ومواجهة التهديدات الأمنية، واستكشاف فرص التفاوض التي قد تؤدي إلى استعادة الأراضي المحتلة.
رابعاً، الرؤية الاستراتيجية "الحياد الإيجابي" كخيار وطني:
ترتكز الرؤية الاستراتيجية للسياسة الخارجية السورية على مبدأ "الحياد الإيجابي" تجاه الحرب (بالإشارة إلى الحرب الروسية الأوكرانية وما يرتبط بها من توترات جيوسياسية عالمية).
ويعني هذا المفهوم عدم الانحياز إلى أي من الكتل المتصارعة، مع الاستفادة من الفرص الاقتصادية والسياسية التي تتيحها هذه الحيادية. كما تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية:
- جذب الاستثمارات والمساعدات من جميع الأطراف دون الدخول في التزامات سياسية ملزمة.
- تجنب الدخول في صراعات بالوكالة مع القوى الكبرى، والحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف الفاعلة.
- تعزيز المناورة الدبلوماسية لخدمة المصالح الوطنية في المحافل الدولية.
- توجيه الموارد نحو التنمية وإعادة الإعمار بدلاً من استنزافها في صراعات جيوسياسية.
تعكس الأجندة السورية في منتدى أنطاليا هذا المبدأ بوضوح، حيث تم التركيز على الملفات الاقتصادية والأمنية دون الخوض في تحالفات أو محاور إقليمية.
وهذا النهج، إذا تم تنفيذه بحكمة، يمكن أن يمنح سورية هامشا كبيرا من المناورة الدبلوماسية ويعزز قدرتها على جذب الموارد اللازمة لإعادة الإعمار.
خامساً، الخلاصة والتوصيات:
بعد عام من المرحلة الانتقالية، تقف سورية على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخها، مرحلة تتطلب رؤية استراتيجية واضحة وإدارة حكيمة للتحديات الداخلية والخارجية.
كما وتشير الأجندة السورية في منتدى أنطاليا إلى تحول نحو استراتيجية تركز على المصالح الوطنية الملموسة وتتجنب الصراعات الأيديولوجية.
ولتعزيز فرص نجاح هذه الاستراتيجية، نوصي في تيار المستقبل السوري بما يلي:
- بناء منظومة صنع قرار استراتيجي متكاملة، تتضمن آلية ربط الأولويات الاقتصادية بالأمنية والدبلوماسية، وتفعيل دور مراكز الدراسات والأبحاث في دعم صانع القرار، وإنشاء وحدات لتحليل السياسات في الوزارات المعنية.
- تطوير أدوات الدبلوماسية الاقتصادية، عبر تدريب الكوادر الدبلوماسية على مهارات التفاوض الاقتصادي، وإنشاء شبكة من المكاتب التجارية في الأسواق الواعدة، والترويج لفرص الاستثمار في سورية من خلال منصات رقمية متخصصة.
- توسيع قاعدة الشراكات الدولية، وعدم الاقتصار على الحلفاء التقليديين، بل الانفتاح على شراكات جديدة مع القوى الصاعدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، مع التركيز على مجالات التعاون التقني والتنموي.
- ربط الأمن الوطني بالتنمية المستدامة، و الاستثمار في برامج التنمية الريفية لمعالجة جذور انعدام الأمن الغذائي، وتطوير مشاريع الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الواردات، وإنشاء مناطق صناعية حرة لجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل.
قائمة المصادر والمراجع:
- وكالة الأناضول (AA). (2026، أبريل 4). Syrian Petroleum says 500,000 tons of Iraqi fuel to transit monthly to Baniyas.
- وزارة الزراعة الأمريكية (USDA). (2025). بيانات تقديرات إنتاج القمح واستيراده لسورية.
- منظمة الأغذية والزراعة (FAO). (2025). GIEWS Country Brief on Syrian Arab Republic.
- World Pipelines. (2025، ديسمبر 19). Syria, Iraq planning to revive Kirkuk–Baniyas oil pipeline.
- وكالة الأناضول (AA). (2026، فبراير 7). Saudi Arabia, Syria sign $5.3 billion in agreements across key sectors.
- Developing Telecoms. (2026، فبراير 9). Stc wins bid for Syria’s US$800m Silklink fibre project.
- The Institute for the Study of War (ISW). (2025، ديسمبر 5). Damascus aims to rebuild and modernize the Syrian Army.
- Syria Direct. (2026، فبراير 10). Caught between Damascus and Qandil, SDF integration hangs in the balance.
- Al Jazeera. (2025، ديسمبر 20). Israel launches new raids in Syria’s Quneitra, establishes checkpoints.
- وكالة الأناضول (AA). (2025، سبتمبر 1). Israel claims destroying Syrian army weapons in Golan Heights demilitarized zone.
- Kurdistan24. (2025، يونيو 3). Rockets Fired From Southern Syria Hit Israeli Golan in First Attack Since Assad’s Collapse.
- TRT Global. (2025، أبريل 11). Hope amid hardship: Can Syria’s fragile transition bring lasting peace?