تقرير "رايتس ووتش" حول معاناة عائلات المفقودين في سورية

يتابع تيار المستقبل السوري ببالغ القلق والتأثر ما نشرته منظمة "رايتس ووتش" في تقريرها الصادر بتاريخ 7 نيسان/أبريل 2026 تحت عنوان "قانون قديم يفاقم معاناة عائلات 100 ألف مفقود في سورية".
ويشير التقرير إلى أن تطبيق قانون الأحوال الشخصية رقم 59 لعام 1953 (المعدل بموجب المرسوم التشريعي رقم 78 لعام 2019) يتسبب في حرمان آلاف الأسر السورية من حقها في إثبات وفاة أقاربها المفقودين خلال سنوات الحرب والصراع، مما يطيل معاناتهم النفسية والاجتماعية والقانونية لعقود.

يستند تيار المستقبل السوري في تحليله إلى المعطيات الواردة في التقرير المذكور، والذي يؤكد أن عدد المفقودين في سورية جراء النزاع المسلح (منذ آذار/مارس 2011 حتى كانون الأول/ديسمبر 2024) يبلغ نحو 100 ألف شخص على الأقل، وفق تقديرات هيئة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ويعاني هؤلاء المفقودون – ومعظمهم من المدنيين الذين اختطفوا على يد قوات النظام البائد والميليشيات الموالية له – من غياب أي أثر يذكر، بينما تمنع القوانين السورية القديمة عائلاتهم من الحصول على وثائق وفاة رسمية إلا بعد انقضاء 15 عاماً على فقدانهم (في حال عدم وجود أدلة قاطعة على الوفاة)، أو بعد 4 سنوات في حال توفر قرائن قوية.
وهذا يعني أن آلاف الأسر لا تزال حتى اليوم (2026) تنتظر الحكم بوفاة أبنائها المختطفين منذ عام 2011 أو 2012.

يلفت تيار المستقبل السوري الانتباه إلى أن هذا القانون العثماني المتجذر (المستند إلى الفقه الحنفي) لم يُعدل بشكل جوهري خلال عقود، رغم التوصيات المتكررة من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية.
وقد استغله نظام الأسد البائد عمداً لحرمان عائلات المعتقلين والمفقودين من حقوقهم المالية والإرثية، وللتغطية على جرائم الاختطاف والقتل خارج القضاء.
وتشير تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان (تقرير آذار/مارس 2026) إلى أن أكثر من 80% من عائلات المفقودين لم تتمكن من استلام أي تعويضات أو ميراث أو حقوق قانونية بسبب تعقيدات إثبات الوفاة.

يؤكد تيار المستقبل السوري أن هذه القضية كارثة إنسانية واجتماعية متفاقمة.
فالأرامل السوريات – اللواتي يقدر عددهن بنحو 70 ألف امرأة فقدن أزواجهن دون وثيقة وفاة – يعشن في حالة من "الموت المدني"، حيث لا يستطعن الزواج مجدداً (بسبب اعتبارهن متزوجات شرعاً)، ولا يستطعن التصرف بأموال أزواجهن أو ميراث أولادهن، كما يواجهن صعوبات في الحصول على وثائق لأطفالهن.
والأطفال اليتامى (الذين يقدر عددهم بنحو 200 ألف طفل فقدوا أحد الوالدين على الأقل خلال الحرب) يُحرمون من حقوقهم في الميراث والتعويضات والرعاية الاجتماعية بسبب غياب وثائق الوفاة الرسمية.

يرى تيار المستقبل السوري أن المرحلة الانتقالية (بعد تحرير سورية في كانون الأول/ديسمبر 2024) تفرض مسؤولية أخلاقية وقانونية وسياسية على الحكومة الانتقالية ومجلس الشعب لمعالجة هذه المأساة العالقة.
ولا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية أو مصالحة وطنية دون تقديم حل جذري لأزمة المفقودين وعائلاتهم.

لذلك، يطالب تيار المستقبل السوري الحكومة الانتقالية بما يلي:

أولاً: إصدار قانون مؤقت خاص بإثبات وفاة المفقودين خلال فترة الثورة (2011-2024) يُخفض فترة الانتظار إلى سنة واحدة فقط في حال وجود قرائن قوية (مثل الاختفاء على يد جهة معروفة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، أو وجود شهادات لمعتقلين سابقين، أو وجود قبور جماعية قريبة من مكان الاحتجاز)، وإلى 3 سنوات في حال غياب أي قرائن، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر تضرراً (الأرامل والأيتام وكبار السن).


ثانياً: تفعيل دور الهيئة الوطنية للمفقودين لتتولى مهام تلقي بلاغات المفقودين، وجمع الأدلة من الشهود والناجين والمقابر الجماعية، والتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية، وإصدار وثائق وفاة إدارية مؤقتة تمنح العائلات الحق في الميراث والتعويضات والزواج فوراً، على أن يتم التحقق النهائي لاحقاً.


ثالثاً: إطلاق حملة وطنية لتوثيق المفقودين بالتعاون مع البلديات والمجالس المحلية والمنظمات الأهلية، على أن يتم رفع حصر شامل بأسماء المفقودين وتواريخ اختفائهم والجهات المتهمة باختطافهم خلال فترة لا تتجاوز 6 أشهر، مع إتاحة هذه البيانات للعائلات وللباحثين مع احترام الخصوصية.


رابعاً: تفعيل دور المحاكم الشرعية والمدنية للنظر في قضايا المفقودين بشكل عاجل، وتعيين قضاة متخصصين في هذا الملف، وتدريبهم على معايير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، وتخصيص مكاتب استقبال في كل محافظة لتقديم الدعم القانوني المجاني لعائلات المفقودين.

يتجاوز تيار المستقبل السوري هذه المطالب العاجلة إلى رؤية مستقبلية متكاملة، تقوم على إنشاء "الذاكرة الوطنية السورية" كمركز دائم لتوثيق جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، على أن يتولى هذا المركز (بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية عند الحاجة) جمع البصمات الجينية من عائلات المفقودين، وفتح المقابر الجماعية (بما لا يقل عن 140 مقبرة جماعية تم اكتشافها حتى الآن وفق تقارير منظمة الصحة العالمية وهيومن رايتس ووتش)، وتحديد هويات الضحايا بواسطة الحمض النووي، وإعادة رفاتهم إلى ذويهم، وإصدار شهادات وفاة رسمية وطنية تعترف بها جميع مؤسسات الدولة.

يرفض تيار المستقبل السوري أي محاولة للتسويف أو التذرع بالتعقيدات القانونية أو الإدارية لتعطيل حل هذه القضية.
فكل يوم يمر دون وثيقة وفاة يعني يوماً إضافياً من العذاب النفسي والحرمان الاقتصادي لآلاف الأسر.
كما يرفض تيار المستقبل السوري أي عفو يشمل الجناة المتهمين باختطاف وإخفاء المفقودين، ويطالب بإنشاء محكمة خاصة لمحاكمة مرتكبي جرائم الاختفاء القسري والقتل خارج القضاء، استناداً إلى مبادئ روما الأساسية والقانون الدولي الإنساني.

يعلن تيار المستقبل السوري استعداده التام للمساهمة في أي جهد وطني أو دولي يهدف إلى إنهاء معاناة عائلات المفقودين، سواء عبر المشاركة في لجان الخبراء لصياغة القانون المؤقت، أو عبر التوعية المجتمعية بحقوق العائلات، أو عبر مراقبة أداء الهيئة الوطنية المستقلة للمفقودين ونشر تقارير دورية عن التقدم المحرز.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن كرامة المفقودين وحق عائلاتهم في الحقيقة والعدالة والتعويض هي خط أحمر لا يمكن المساس به في سورية الجديدة.

يختم تيار المستقبل السوري بيانه بتوجيه تحية إجلال وتقدير لكل أم وأب وزوجة وطفل فقدوا أعزاءهم في جحيم الحرب، ولا يزالون ينتظرون كلمة واحدة تطوي صفحة الألم: "اعتبروه شهيداً" أو "اعتبروه ميتاً"، ليتمكنوا من البكاء بسلام، ومن الميراث، ومن الزواج، ومن الحياة.
ونرى أن هذه الكلمة هي أقل ما تقدمه الدولة الانتقالية لمن ضحوا بأرواحهم من أجل حريتها.

شاركها على:

اقرأ أيضا

قرار وزير الطاقة إيقاف الموظف "طلال الحلاق"

قرار وزير الطاقة إيقاف الموظف طلال الحلاق وأثره على محاسبة الفساد.

8 أبريل 2026

إدارة الموقع

اليوم العالمي للغجر (الدوم)

اليوم العالمي للغجر هو فرصة لتوعية المجتمع بأهمية دعم المكون الدومي ورفض أي تمييز ضده.

8 أبريل 2026

إدارة الموقع