بناء الهوية الوطنية على أسس الحق والمواطنة

تأسيساً على المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تقر بأن "الناس جميعاً يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق"، تبرز أمام سورية، في مرحلة انتقالها من لحظة السقوط إلى آفاق البناء، مسألة مصيرية: كيف يمكن لهذا البلد أن يصوغ هوية وطنية جامعة، لا تقوم على شعارات النخبة، بل على ممارسة فعلية وشاملة لحقوق المواطنة المتساوية؟ هذا التساؤل يشكل صميم التحدي الحقوقي الذي تواجهه البلاد في منعطف تاريخي بالغ الحساسية.
فالهوية الوطنية، وفق المنظور الحقوقي المعاصر، لم تعد مجرد انتماء وجداني أو إرث ثقافي جامد، بل هي نتاج حيوي لمبدأ المواطنة الديمقراطية. إنها تعني أن يكون الفرد مواطناً فاعلاً، له حقوق مكفولة وعليه واجبات محددة، ضمن عقد اجتماعي يضمن الكرامة والحرية والمساواة للجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم الفرعية.

إرث التمييز: عقود من تفكيك النسيج المجتمعي

منذ عام 1963 وحتى سقوط النظام البائد، أدارت الدولة السورية شؤونها وفق نموذج سلطوي يقوم على التمييز والإقصاء والقمع. لم يكن الإرث المتراكم لهذه الحقبة مجرد انتهاكات فردية لحقوق الإنسان، بل كان نظاماً متكاملاً من التشريعات الاستثنائية التي شرّعت للقمع، والممارسات الأمنية التي جعلت المواطن تحت طائلة التهديد الدائم، والخطاب الطائفي الذي تعمّد تفكيك النسيج المجتمعي وتعزيز الولاءات الضيقة.
في ضوء ذلك، يصبح من المستحيل بناء أي هوية وطنية حقيقية في ظل استمرار العمل بهذه التشريعات أو بقاياها. فالهوية لا تُبنى في الفراغ، بل تنمو وتترعرع في فضاء قانوني عادل يحمي الكرامة ويحقق المساواة، وفي كنف مؤسسات أمنية وقضائية تخضع جميعها لسيادة القانون وحده.

الفجوة بين النص والواقع: من المواطن الدستوري إلى مواطن الرعية

تكمن المشكلة الجوهرية في التجارب العربية عموماً، كما يشير العديد من الباحثين، في الفجوة الصارخة بين "المواطن الدستوري" المنصوص على حقوقه في الدساتير، و"مواطن الرعية" في الواقع الفعلي. فبينما تزخر نصوص الدساتير بالتأكيد على المساواة، ينتج الواقع مواطنين من درجات متفاوتة، بعضهم مواطنون من الدرجة الأولى وآخرون من درجة ثانية أو ثالثة.
في سورية، تفاقمت هذه الفجوة بشكل كبير بسبب عقود من الاستبداد الذي أسّس لعلاقة تبعية عمودية بين الفرد والنظام، بدلاً من علاقة مواطنة أفقية بين أبناء الشعب الواحد. ومن هنا، فإن بناء الهوية الوطنية الجامعة اليوم يمر حتماً عبر إصلاح جذري للمنظومة القانونية برمتها. إن إلغاء جميع القوانين الاستثنائية والتمييزية، التي شرّعت للانتهاك والإقصاء على مدى العقود الماضية، ليس مجرد إجراء تقني، بل هو في جوهره فعل تأسيسي يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس متين من الحق والكرامة، وليس على أسس الولاء السياسي أو الانتماء الطائفي أو العرقي.

نحو تشريعات عادلة: من التهديد إلى الحماية

غير أن الإصلاح القانوني المنشود لا يمكن أن يقتصر على إلغاء القوانين البائدة. فهو يمتد ليشمل صياغة تشريعات جديدة تتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. فما زالت سورية تحتفظ بالعديد من القوانين المجحفة، وعلى رأسها التحفظات على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو)، والتي تجعل المرأة مواطنة من درجة ثانية في قوانين الأحوال الشخصية والجنسية والعقوبات.
إن إعادة النظر في هذه القوانين، ليس بدافع استيراد مفاهيم غربية، بل بدافع استعادة جوهر العدالة والكرامة التي تنص عليها المواثيق الدولية وتتفق مع المقاصد العليا للشريعة الإسلامية السمحة، هي خطوة ضرورية. فالتشريعات العادلة وحدها هي التي تجعل المواطن يشعر بأن الدولة تحميه، لا أن الدولة تهدده.

إصلاح المؤسسات الأمنية: شرط الثقة والهوية

بالتوازي مع الإصلاح القانوني، يبرز إصلاح القطاع الأمني والعسكري كشرط أساسي لا غنى عنه لبناء الهوية الوطنية. فقد خلصت تقارير دولية، مثل تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سورية، إلى أن إنهاء الإفلات من العقاب واستعادة الثقة بين جميع المجتمعات وقوات الأمن هما أمران أساسيان لكسر حلقة العنف.
تشكل تجاوزات آذار 2023 في الساحل السوري، والتي راح ضحيتها أكثر من 1400 مدني غالبيتهم من العلويين، مؤشراً خطيراً على أن ثقافة الإفلات من العقاب وإعادة إنتاج العنف الطائفي ما زالت قائمة، وهو ما اعترفت به القيادة السورية الجديدة جزئياً. هنا تبرز ضرورة تطهير المؤسسات الأمنية من العناصر المتورطة في جرائم، وتدريب الكوادر الجديدة على احترام حقوق الإنسان، وضمان تمثيل جميع المكونات في هذه المؤسسات بشكل عادل. فجيش وأمن وطني لا يعكسان تنوع المجتمع، ولا يحميان جميع المواطنين بالتساوي، لا يمكن أن يكونا ركيزة لهوية وطنية جامعة.

المفقودون: جرح وطني غائر وشرط للمصالحة

وفي قلب هذه العملية المعقدة، تأتي قضية المفقودين والمغيبين قسراً كجرح وطني غائر، وكمحك حقيقي لجدية أي مشروع وطني. لقد أنشأت الأمم المتحدة "المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سورية" لتحديد مصير ومكان وجود جميع الأشخاص المفقودين.
إن تفعيل التعاون مع هذه المؤسسة، وإنشاء آلية وطنية مستقلة ومكملة لها، ليسا بادرة حسن نية فحسب، بل شرط أساسي للمصالحة الوطنية. فالهوية الوطنية لا يمكن أن تبنى على أنقاض آلاف العائلات التي تبحث عن أحبائها. ولذا، فإن الاعتراف بالمعاناة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، هي دعائم لا غنى عنها في أي بناء وطني حقيقي.

العدالة الانتقالية: إعادة صياغة العقد الاجتماعي

من هنا تكتسب أهمية مشروع قانون العدالة الانتقالية أهميته القصوى باعتباره "إطاراً تأسيسياً لإعادة صياغة العقد الاجتماعي". فالقانون، في هذا السياق، يؤدي دوراً مزدوجاً: ضبط السلوك وتأديب الجناة من جهة، والمساهمة في إعادة بناء نظام قيمي وأخلاقي تضرر بفعل عقود من العنف من جهة أخرى.
إن إدراج تعريفات دقيقة للجرائم الدولية كالإخفاء القسري والتعذيب والتهجير القسري في هذا القانون، وتوسيع صلاحيات الادعاء العام للتحقيق فيها تلقائياً، وإدماج الأدلة الرقمية الهائلة التي وثقها السوريون طوال سنوات الثورة، كلها آليات ضرورية لتحويل الذاكرة الشعبية المبعثرة إلى ذاكرة وطنية موثقة، قابلة للمساءلة والمحاكمة.
المصالحة المجتمعية المنشودة ليست مجلس صلح تقليدياً ينتهي بوليمة عشاء ونسيان. المصالحة، في سياق العدالة الانتقالية، هي عملية مجتمعية وقانونية طويلة الأمد، تهدف إلى إعادة الثقة بين الأفراد والدولة عبر أربعة أركان: الاعتراف بالحقيقة، وجبر الضرر، والمساءلة، وضمان عدم التكرار. وهذا يتطلب تمييزاً صارماً بين المصالحة المجتمعية في النزاعات الأهلية، وبين الجرائم الجسيمة. فجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز شمولها بأي عفو أو تسوية. المصالحة الحقيقية هي التي تبني مستقبلاً على أسس الحق، لا على أنقاضه.

دروس من التجارب الدولية: رواندا نموذجاً

من الضروري هنا استلهام التجارب الدولية الملهمة، مع مراعاة خصوصية الحالة السورية. فتجربة رواندا بعد إبادة عام 1994 تقدم درساً قيماً في كيفية إعادة بناء دولة مزقتها أبشع أنواع العنف الطائفي.
اعتمدت رواندا على استراتيجية متكاملة جمعت بين العدالة (عبر محاكم تقليدية شعبية ومحاكم دولية)، والمصالحة (عبر سياسات رسمية لنبذ الخطاب العرقي وإلغاء الهويات الطائفية من البطاقة الشخصية)، والتنمية (عبر بناء اقتصاد حديث وتعليم شامل موحد). ما حققته رواندا من نمو اقتصادي وتطور اجتماعي، وتحولها إلى "سنغافورة أفريقيا"، يثبت أن إعادة بناء الهوية الوطنية بعد المحرقة ممكنة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، ورؤية استراتيجية طويلة المدى، والأهم من ذلك، التصالح مع الماضي عبر آليات العدالة، لا عبر النسيان والتكتم.

توصيات عملية لبناء سورية الجديدة

بناءً على التحليل السابق، وفي ضوء المعايير الحقوقية الدولية وتجارب الدول في المراحل الانتقالية، يمكن تقديم التوصيات التالية، مراعية لظروف سورية الراهنة:

أولاً: الإسراع في إصدار قانون عدالة انتقالية متكامل، يتضمن تعريفاً دقيقاً للجرائم الدولية، وينص على إنشاء هيئة وطنية مستقلة للحقيقة والإنصاف تتولى توثيق الانتهاكات والكشف عن مصير المفقودين. كما يجب أن يضمن هذا القانون فصل المصالحة المجتمعية عن العفو العام، والنص صراحة على أن الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم ولا تشملها أي مصالحة.


ثانياً: إطلاق عملية إصلاح أمني وقضائي شاملة، تشمل مراجعة شاملة لهيكلية المؤسستين الأمنية والعسكرية، ووضع آليات تدقيق صارمة لحقوق الإنسان لجميع العناصر، وإخضاع القادة الجدد لتدريب مكثف على المعايير الدولية. ويجب أن يترافق ذلك مع تشكيل هيئة رقابية مستقلة لمتابعة أداء هذه المؤسسات وضمان عدم عودتها إلى ممارسات القمع السابقة.


ثالثاً: إلغاء جميع القوانين والمراسيم الاستثنائية والتمييزية التي أصدرها النظام البائد، ومراجعة شاملة للتشريعات السورية النافذة لتعديل أو إلغاء كل ما يتعارض منها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، والعمل على الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية دون تحفظات تخل بمبدأ المساواة.


رابعاً: إنشاء آلية وطنية مستقلة للمفقودين والمغيبين قسراً، تتولى التنسيق مع المؤسسة الأممية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني لأسر الضحايا، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة ومفتوحة للمفقودين، مع إشراك منظمات المجتمع المدني وأهالي الضحايا في عملها.


خامساً: إطلاق برنامج وطني جامع لإعادة بناء الثقة والمصالحة المجتمعية، لا يقتصر على مجالس الصلح التقليدية، بل يشمل حملات توعية مجتمعية واسعة حول مخاطر الخطاب الطائفي، وتطوير مناهج تربوية تعزز قيم المواطنة والتعددية، وإطلاق مبادرات شبابية وثقافية مشتركة بين مختلف المكونات، مع ترجمتها إلى مشاريع تنموية ملموسة تخدم جميع المناطق بالتساوي.

خاتمة: الهوية كتجربة معاشة

ختاماً، إن بناء الهوية الوطنية في سورية ما بعد النظام البائد ليس مشروعاً ثانوياً يمكن تأجيله لحين استقرار الأوضاع، بل هو أولوية وجودية وهي شرط الاستقرار نفسه. إنه مشروع طموح يتطلب توافقاً وتكاملاً بين ثلاث دوائر كبرى: دائرة الإصلاح القانوني لتأطير العلاقة بين الدولة والمواطن بالعدل، ودائرة الإصلاح المؤسسي لضمان الأمن والكرامة للجميع، ودائرة العدالة الانتقالية لكشف الحقيقة وتحقيق المصالحة وضمان عدم التكرار.
في النهاية، الناس لا تحكم على الهوية الوطنية مما يُكتب في الدساتير أو يُلقى في الخطب، بل مما تراه وتعيشه في حياتها اليومية. هل القانون يحميني؟ هل صوتي مسموع؟ هل كرامتي مصونة؟ هل دم ابني لا يذهب هدراً؟ متى كانت الإجابة بنعم، عندها فقط يمكن القول إن سورية الجديدة قد وُلدت بالفعل.

المحامي الأستاذ علي البردقاني

شاركها على:

اقرأ أيضا

تأخر صرف مستحقات "وكلاء وزارة التربية" في المديريات

تأخر مستحقات وكلاء وزارة التربية لأكثر من سبعة أشهر يؤثر سلباً على استقرار المعلمين المالي والمجتمعي.

19 مارس 2026

إدارة الموقع

مشاركة وفد سورية في القمة العالمية الثانية لمكافحة الاحتيال المالي

مشاركة وفد سورية في القمة العالمية الثانية لمكافحة الاحتيال المالي تعزز موقع سورية كشريك دولي في مكافحة الجرائم المالية.

19 مارس 2026

إدارة الموقع