من حرية التعبير إلى العنف الرمزي

في تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلنت وزارة الإعلام السورية عن اعتقال مجموعة في محافظة حمص "متهمة بتلقي أموال من الخارج لتشغيل حسابات طائفية وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي".

وفي الشهر نفسه، أطلقت الأكاديمية السورية للإعلام حملة "الكلمة تبني" لمواجهة خطاب الكراهية.
هذان الحدثان، على تباعدهما، يكشفان عن مفارقة جوهرية بأن الخطاب الذي يقتل ليس مجرد "كلمات" بل هو فعل له آثار مادية على حياة البشر.

فخطاب الكراهية هو ممارسة سلطوية تستخدم اللغة كسلاح لإقصاء الآخر، وتبرير العنف ضده، وتقويض أسس المجتمع المشترك.

هذا المقال لا يهدف إلى تقديم إدانة أخلاقية لخطاب الكراهية، فهذه الإدانة باتت شبه إجماع عالمي.

بل يهدف إلى تفكيك الإشكالية الفلسفية – السياسية التي يطرحها، وكيف يمكن التمييز بين حرية التعبير (التي هي حق أساسي) وخطاب الكراهية (الذي هو انتهاك لهذا الحق)؟ ومن يملك سلطة تحديد هذا التمييز؟ وما هي الآثار السياسية لتنظيم خطاب الكراهية في مجتمع انتقالي مثل سورية؟

أولاً: متى يصبح الكلام فعلاً؟

في عام 1962، نشر الفيلسوف البريطاني جون أوستن كتابه How to Do Things with Words، حيث قدم نظرية "أفعال الكلام" (Speech Acts).

الفكرة المركزية هي أن الكلام هو فعل يغير الواقع وليسست وصفا له، فعندما يقول القاضي "أحكم عليك بالسجن"، فهو لا يصف واقعاً قائماً، بل ينشئ واقعاً جديداً، وعندما يقول شخص "أعلن الحرب"، فهو لا يخبرنا بمعلومة، بل يبدأ حرباً.

هذه النظرية، رغم أنها طُورت في فلسفة اللغة، إلا أنها تحمل دلالات سياسية عميقة عند تطبيقها على خطاب الكراهية.

فخطاب الكراهية ليس مجرد "تعبير عن رأي"، بل هو "فعل إقصاء"، فعندما يصف خطاب ما مجموعة معينة بأنها "خونة" أو "عملاء" أو "نجس"، فإنه لا يصفهم فقط، بل يضعهم خارج المجتمع ويخلق الظروف الموضوعية لاستهدافهم.

كما طورت الفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر نظرية أوستن في كتابها Excitable Speech (1997) حيث أكدت أن خطاب الكراهية "يؤذي" (performs) الهوية التي يهاجمها، بدلاً من أن يعكسها فقط.

فخطاب الكراهية لا يكتفي بوصف الضحية بأنها "أدنى"، بل يخلق هذه الأدنى من خلال التكرار الاجتماعي الذي يمنح الخطاب قوة الإنجاز.

وهذا يعني أن خطاب الكراهية ليس مجرد "كلمات"، بل هو "ممارسة جسدية"، لأنه ينتج آثاراً مادية على جسد الضحية، من الخوف، والقلق، والانسحاب من الفضاء العام، وفي الحالات القصوى، العنف الجسدي.
وقد أشارت بتلر إلى أن "الخطاب يمكن أن يجرح" وأن هذا الجرح ليس مجازياً، بل هو حقيقي بقدر ما هو اجتماعي ونفسي وجسدي.

ثانياً: قراءة في الفضاء العام

قدم الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في كتابه The Structural Transformation of the Public Sphere (1962) مفهوم "الفضاء العام" كمجال للتواصل العقلاني بين المواطنين، حيث تُطرح القضايا العامة وتُناقش بحرية، بعيداً عن سيطرة الدولة أو السوق. وفي هذا الفضاء، لا تُوزن الآراء بسلطة المتحدث بل بقوة الحجة.

لكن هابرماس نفسه، في كتابه اللاحق Between Facts and Norms (1992) اعترف بأن الفضاء العام ليس محايداً بل هو مشروط بمجموعة من الشروط المسبقة (الحرية، والمساواة، والشفافية) التي لا تتحقق تلقائياً.

وخطاب الكراهية، في هذا الإطار، تهديد لشروط الفضاء العام، لأنه يطرد بعض المواطنين منه، ويحول النقاش العقلاني إلى صراع هويات.

والسؤال الذي يطرحه هذا الإطار على سورية هو هل الفضاء العام السوري اليوم مهيأ للنقاش العقلاني؟ أم أن خطاب الكراهية، والاستقطاب، والمعلومات المضللة، تجعل هذا الفضاء غير قابل للتحقق؟

في المقابل، يقدم الفيلسوف الألماني كارل شميت في كتابه The Concept of the Political (1932) رؤية معاكسة.
يرى شميت أن "السياسي" لا يُفهم إلا من خلال "التمييز بين الصديق والعدو"، وأن هذا التمييز هو "جوهر السياسة"، وليس مجرد "انحراف" عنها.

وخطاب الكراهية، في هذا الفهم، ليس "خارج السياسة"، بل هو "تعبير عن السياسة" في أنقى صورها، لأنه يحدد من نحن ومن هم "الآخرون".

لكن هذه الرؤية، رغم قوتها التحليلية، تحمل خطراً سياسياً هائلاً، فإذا كانت السياسة هي "تمييز الصديق من العدو"، فإن خطاب الكراهية يصبح "مشروعاً"، لا "انحرافاً"، ويصبح من "المستحيل" تنظيم خطاب الكراهية دون "تدمير السياسة" نفسها.

وهذا هو "المأزق الشميتي" الذي يواجه كل محاولة لتنظيم خطاب الكراهية، إذ كيف يمكن "تقنين" ما يُفترض أنه "جوهر السياسة"؟

ويقدم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في أعماله (خاصة The Archaeology of Knowledge وDiscipline and Punish) فهماً أكثر تعقيداً للعلاقة بين الخطاب والسلطة.

فالخطاب، في فهم فوكو، هو نظام يحدد ما يمكن قوله، ومن يمكنه قوله، وما يُعتبر "حقيقة"، والسلطة لا تقمع الخطاب فقط، بل تنتجه، وتشكل "شروط إمكانه".

وفي هذا الإطار، لا يمكن فهم خطاب الكراهية بمعزل عن "نظام الخطاب" الذي ينتجه.

فخطاب الكراهية في سورية، مثلاً، لا ينبع من "أفراد أشرار"، بل من "بنية خطابية" رسخها النظام السابق لعقود، حيث كان "التقسيم الطائفي" و"التخوين" و"التحريض" جزءاً من "العقل الجمعي" الذي أنتجه النظام. وتفكيك خطاب الكراهية لا يتطلب "معاقبة الأفراد" فقط، بل "تفكيك النظام الخطابي" الذي ينتجه.

ثالثاً: خطاب الكراهية في المجتمعات الانتقالية

في المجتمعات الخارجة من نزاع، يكون خطاب الكراهية أكثر خطورة من أي وقت آخر، لأن "الهوية" تكون "مسلحة" بالفعل.
فخلال النزاع، يتم "تعبئة" الانتماءات الأولية (الطائفية، والعرقية، والمناطقية) لخدمة "الاستقطاب"، وتتحول هذه الانتماءات من "هويات اجتماعية" إلى "هويات سياسية" تقوم على "العداء"، وبعد النزاع، لا تختفي هذه الهويات المسلحة تلقائياً، بل "تعيد إنتاج نفسها" عبر خطاب الكراهية، الذي يذكر الضحايا، ويطالب بالثأر، ويحرض على "الآخر".

وفي المجتمعات الانتقالية، يكون الفضاء العام هشاً، لأن الثقة بين المواطنين قد انهارت، والمؤسسات التي تحمي هذا الفضاء (القضاء، والإعلام، والمجتمع المدني) تكون ضعيفة، وفي هذا السياق، يتحول خطاب الكراهية من هامش إلى مركز، لأنه يملأ الفراغ الذي تتركه المؤسسات الغائبة. ويصبح "الخطاب الطائفي" هو اللغة السائدة في الفضاء العام، لا الاستثناء.

لا يمكن إعادة بناء الثقة في مجتمع ممزق دون معالجة خطاب الكراهية، لأن الثقة تقوم على "الاعتراف المتبادل"، وخطاب الكراهية ينفي هذا الاعتراف.

ولكن، في المقابل، لا يمكن قمع خطاب الكراهية دون توفير بدائل، لأن القمع وحده يخفي الخطاب ولا يلغيه، بل قد يؤججه والحل ليس اختياراً بين الحرية والقمع، بل هو بناء فضاء عام جديد، يقوم على الاعتراف والمساءلة والكرامة.

رابعاً: الحالة السورية

لم يكن خطاب الكراهية في سورية "ظاهرة اجتماعية" وفقط، بل كان أداة حكم استخدمها النظام السابق لعقود.
فالنظام لم يكتف بقمع المعارضة، بل أنتج خطاباً يقسم المجتمع إلى "موالين" و"خونة"، ويصور أي معارضة على أنها تآمر خارجي.

وقد تسرب هذا الخطاب إلى المجتمع، حيث أصبح التخوين والتحريض جزءاً من الثقافة السياسية السائدة.
وبعد سقوط النظام، لم يختفِ هذا الخطاب، بل تحول وتكيف، فقد استمر عبر حسابات طائفية وهمية (كما أعلنت وزارة الإعلام في أيلول/سبتمبر 2026)، وخطابات تحريضية تستهدف "المكونات" المختلفة، وحملات تضليل تهدف إلى تقويض الثقة في الحكومة الانتقالية.

على أن خطاب الكراهية في سورية اليوم ليس أحادي البعد، بل يتخذ أشكالاً متعددة:

  • الخطاب الطائفي: الذي يستهدف المكونات الدينية (العلويين، والدروز، والمسيحيين، والسنة)، ويصور كل مكون "كخطر" على الآخر.
  • الخطاب المناطقي: الذي يستهدف المناطق (الساحل، والجنوب، والشرق)، ويصور سكانها كعملاء أو خونة.
  • الخطاب السياسي: الذي يستهدف الحكومة أو المعارضة، ويصور كل طرف كعدو لا خصم


وهذا التعدد يجعل مواجهة خطاب الكراهية أكثر تعقيداً، لأنها لا تتطلب "قانوناً واحداً"، بل استراتيجية متعددة الأبعاد.
تجد الحكومة الانتقالية نفسها أمام معضلة، من جهة، مسؤولة عن حماية "الفضاء العام" من خطاب الكراهية، ومنع التحريض الذي قد يؤدي إلى عنف،.

ومن جهة أخرى، مُطالبة باحترام حرية التعبير، وعدم تكرار ممارسات النظام السابق في قمع الآراء.
وهذه المعضلة "ليست سورية فقط"، بل هي معضلة عالمية تواجهها كل "الديمقراطيات".

ففي الولايات المتحدة، مثلاً، يحمي التعديل الأول خطاب الكراهية بشكل شبه مطلق، بينما في ألمانيا، يُمنع "خطاب الكراهية" بصرامة بموجب الدستور، والفرق بين النموذجين ليس قانونياً فقط، بل فلسفي، حيث هل نرى تلمواطن كـ"كائن عقلاني" قادر على تمييز الصواب من الخطأ (النموذج الأميركي)، أم نراه كائناً هشاً يحتاج إلى حماية من الخطاب الضار(النموذج الألماني)

خامساً: بين التنظيم والقمع

لا يمكن "تنظيم" خطاب الكراهية دون "إطار قانوني" واضح.
وهذا يتطلب:

  • تعريفاً دقيقاً لخطاب الكراهية، يميزه عن النقد المشروع
  • معايير موضوعية للتمييز بين التحريض (الذي يجب تجريمه) والتعبير عن رأي (الذي يجب حمايته).
  • "ضمانات إجرائية" تحمي المتهم من التجريم التعسفي.


لكن التجريم وحده "لا يكفي"، لأنه يعالج الأعراض لا الأسباب، فخطاب الكراهية ينتج عن بيئة من الاستقطاب والظلم والخوف، وإذا لم تُعالج هذه البيئة، فإن التجريم يخفي الخطاب ولا يلغيه.

هذا، والخطاب المضاد هو الرد على خطاب الكراهية بخطاب آخر، يقدم "حججاً" و"بدائل" و"قصصاً" تناقض "خطاب الكراهية".
وقد أشارت الدراسات إلى أن "الخطاب المضاد" يمكن أن يكون "أكثر فعالية" من "التجريم" في "تقليل" تأثير خطاب الكراهية، لأنه يعالج الأفكار بالأفكار، لا بالقانون.

لكن الخطاب المضاد لا يكفي إذا كان الفضاء العام غير متاح للجميع، أو إذا كان خطاب الكراهية مدعوماً من جهات خارجية (كما في الحالة السورية، حيث تشير تقارير إلى "حسابات خارجية" تغذي "الخطاب الطائفي".

وأيضاء التربية الإعلامية هي استراتيجية تهدف إلى تمكين المواطن من تحليل المحتوى الإعلامي، والتمييز بين الصحيح والمضلل، ومقاومة خطاب الكراهية.

وقد أشارت اليونسكو إلى أن التربية الإعلامية "حق أساسي" في "عصر المعلومات"، وأنها "أداة" أساسية لـ "بناء السلام.
وفي سورية، يمكن أن تلعب "التربية الإعلامية" دوراً محورياً، لأنها "لا تعتمد على القانون" فقط، بل على "بناء الوعي"، وهو "أكثر استدامة" من "القمع".

خاتمة:

انطلاقاً من هذا التحليل، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

أولاً: إقرار قانون لمكافحة خطاب الكراهية، يستند إلى "تعريف دقيق" و"معايير موضوعية"، ويضمن "حرية التعبير" و"المساءلة" في آن واحد، على غرار النموذج الألماني في "تجريم التحريض" دون "تجريم الرأي".

ثانياً: إنشاء هيئة وطنية مستقلة لرصد خطاب الكراهية، تضم ممثلين عن الحكومة، والمجتمع المدني، والخبراء، والإعلام، وتتولى "الرصد" و"التحليل" و"التوصية"، دون أن تكون "أداة قمع" بيد السلطة التنفيذية.

ثالثاً: إطلاق استراتيجية وطنية للتربية الإعلامية، تُدمج في "المناهج الدراسية" و"برامج الإعلام" و"منصات التواصل الاجتماعي"، وتهدف إلى "تمكين" المواطن من "مقاومة" خطاب الكراهية.

رابعاً: دعم "الخطاب المضاد" عبر "تمويل" مبادرات المجتمع المدني التي تنتج "محتوى" بديلاً، و"تدريب" الإعلاميين على "تغطية" قضايا "التنوع" و"التعايش" دون "استقطاب".

خامساً: معالجة "الأسباب الجذرية" لخطاب الكراهية، عبر "العدالة الانتقالية"، و"التنمية الاقتصادية"، و"التمثيل السياسي",لأن خطاب الكراهية "ينتج" عن "الظلم" و"الفقر" و"التهميش"، ولا يمكن "قهره" دون "معالجة" هذه الأسباب.

سادساً: بناء "تحالف إقليمي ودولي" لمكافحة خطاب الكراهية، عبر "تبادل الخبرات" مع الدول التي "نجحت" في هذا المجال (مثل ألمانيا، وكندا، وجنوب أفريقيا)، و"التعاون" مع المنظمات الدولية (اليونسكو، ومجلس أوروبا) في "تطوير" الأدوات "التشريعية" و"التعليمية"。

إن خطاب الكراهية ليس مجرد كلمات، بل هو سلاح يستخدم "اللغة" لـ إقصاء الآخر، وتبرير العنف ضده، وتقويض أسس المجتمع المشترك.

وفي سورية، حيث الفضاء العام هش، والثقة منهارة، والانتماءات مسلحة، فإن خطاب الكراهية "أكثر خطورة" من أي وقت آخر.
ولكن، في المقابل، فإن مواجهته ليست مستحيلة، إذا ما تم الانتقال من "منطق القمع" إلى "منطق البناء".
بناء قانونزعادل، وفضاء عام مفتوح، ومواطنوواعٍ، ومؤسسات قادرة على حماية التنوع والاعتراف بالاختلاف.

إن "المواطنة"، في جوهرها، ليست ذوباناً في هوية واحدة، بل هي اعتراف متبادل بين مواطنين مختلفين، يجمعهم "عقد" مشترك، ويحميهم "قانون" واحد، ويكفل لهم حق التعبير عن اختلافهم دون خوف من الإقصاء أو العنف، وخطاب الكراهية هو نقيض هذا الاعتراف، لأنه ينفي حق الآخر في الوجود، ويبرر استبعاده من الفضاء العام.

ولذلك، فإن مواجهته شرط لبناء "دولة المواطنة" التي ننشدها.

شاركها على:

اقرأ أيضا

الأحداث الأمنية في بلدة رنكوس بريف دمشق

تقرير شامل عن الأحداث الأمنية في بلدة رنكوس بريف دمشق وتأثيراتها على الأهالي والأمن الداخلي.

24 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع

جمعة القنيطرة ليست وحدها

جمعة القنيطرة ليست وحدها، تعكس وقفات احتجاجية عارمة في مختلف المحافظات السورية لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

24 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع