الصحة النفسية في سورية ما بعد سقوط الأسد

ملخص:

تتناول هذه المراجعة السردية التطورات النظرية الحديثة في علم النفس، وتقييم إمكانات تطبيقها في السياق السوري بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024.

تستعرض المراجعة خمس نظريات معاصرة: المعالجة التنبؤية، والاستدلال النشط بين الذوات، ونموذج SHARE لعلاج الصدمة الثقافية، والنمو ما بعد الصدمة الجماعية، والعلاج بالمعنى.
كما تُقيّم هذه النظريات نقدياً، وتناقش حدودها المنهجية والتطبيقية.

وتخلص المراجعة إلى أن بناء نظام الصحة النفسية في سورية ما بعد الصراع يتطلب مقاربة متعددة المستويات تجمع بين الدمج في الرعاية الأولية، والعلاج النفسي الجماعي المجتمعي، والعدالة الانتقالية، والبرامج المدرسية، وبناء القدرات المهنية. وتُقدّم في الختام إطاراً مقترحاً لسياسة وطنية للصحة النفسية.

منهجية المراجعة:

نوع المراجعة: مراجعة سردية غير منهجية (Narrative Review) تهدف إلى تقديم تركيب مفاهيمي للنظريات الحديثة في علم النفس وتقييم إمكانات تطبيقها في السياق السوري.

استراتيجية البحث: تم البحث في قواعد البيانات PubMed وGoogle Scholar وScopus باستخدام مصطلحات عربية وإنجليزية شملت: "mental health Syria"، "collective trauma"، "post-conflict recovery"، "predictive processing"، "SHARE model trauma"، "logotherapy"، "community psychology".

كما تم البحث في مصادر عربية وسورية للحصول على بيانات محلية محدّثة.
معايير الاختيار: تم اختيار المصادر بناءً على حداثتها (معظمها من 2020-2026)، وصلتها المباشرة بالموضوع، ومصداقيتها الأكاديمية.

تم تفضيل المصادر المحكّمة في المراجعات النظرية، مع الاستعانة بمصادر إعلامية موثوقة للبيانات الإحصائية المحلية عند غياب المصادر الأكاديمية.

القيود المنهجية: لا تتبع هذه المراجعة بروتوكول PRISMA المعتمد في المراجعات المنهجية، ولا تتضمن تحليلاً كمياً أو تجميعاً للنتائج.

كما أن معظم الدراسات الميدانية المتعلقة بسورية تعتمد على بيانات مقطعية أو نوعية، مما يحد من إمكانية التعميم.
علاوة على ذلك، فإن تقييم فعالية التدخلات العلاجية في سياق سوري لا يزال محدوداً بسبب ندرة الدراسات التجريبية في بيئة ما بعد الصراع.

المقدمة:

يحيي العالم اليوم العالمي للصحة النفسية في العاشر من أكتوبر من كل عام، وفي سورية اليوم، بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 وبدء مرحلة انتقالية معقدة، يصبح هذا التذكير أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فبعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الصراع المسلح والقمع المنهجي والنزوح والاعتقال والتعذيب، يعاني الشعب السوري من جراح نفسية عميقة لا تقل خطراً عن الدمار المادي الذي لحق بالبنية التحتية.
تشير دراسة Kakaje وزملائه (2021) التي شملت 1951 مشاركاً في سورية إلى أن 44% من المشاركين كانوا يعانون على الأرجح من اضطراب نفسي شديد نتيجة الحرب وعوامل أخرى كضعف الدعم الاجتماعي. وتشير بيانات حديثة إلى أن أكثر من 85% من طلاب الجامعات السوريين تعرضوا لحدث صادم واحد على الأقل، وأن 40.62% منهم يستوفون المعايير التشخيصية لاضطراب ما بعد الصدمة المحتمل. كما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن واحداً من كل عشرة سوريين يعاني من حالة نفسية خفيفة إلى متوسطة، وواحداً من كل ثلاثين يعاني من حالة أكثر شدة.
في المقابل، لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في عموم سورية 75 طبيباً، مما يعني وجود طبيب واحد لكل 250 ألف نسمة، أي أقل بكثير من المعدل العالمي الموصى به.
ويُقدّر الخبراء أن سورية تحتاج إلى ما لا يقل عن 10,000 من المهنيين النفسيين لتلبية الاحتياجات الفعلية.
يهدف هذا المقال إلى تقديم مراجعة نقدية لأحدث النظريات في علم النفس الحديث، وعرض أنواعه ومدارسه الرئيسية، ومناقشة إمكانات توظيف هذه المعرفة في خدمة مشروع إعادة بناء الإنسان السوري والمجتمع السوري في مرحلة ما بعد سقوط الأسد.

آخر النظريات في علم النفس الحديث (نظرة نقدية):

نظرية المعالجة التنبؤية (Predictive Processing):

تُعد نظرية المعالجة التنبؤية من أكثر النظريات تأثيراً في علم النفس المعاصر حيث تفترض أن الدماغ يولّد باستمرار توقعات حول المدخلات الحسية بناءً على الخبرات السابقة، بهدف الاستباق والاستجابة الفعّالة للبيئة.

وعندما تختلف التجربة الفعلية عن التوقع، تنشأ "أخطاء التنبؤ" التي تدفع الدماغ إلى تحديث نموذجه الداخلي للعالم.
في حالات الاضطراب النفسي، قد تستمر التوقعات السلبية الراسخة على الرغم من كونها ضارة، لأنها تقدّم تخفيفاً مؤقتاً لعدم اليقين.

ويُعدّ هذا الإطار ذا دلالة خاصة في سياق الصدمة الجماعية، حيث يختزن الأفراد نماذج تنبؤية سلبية حول السلامة والثقة والآخرين بعد سنوات من العنف والقمع.
نقد النظرية: تواجه نظرية المعالجة التنبؤية انتقادات جوهرية.

تشير المراجعات النقدية إلى أنها "تفشل في تقديم تفسيرات عامة وبسيطة ومتجانسة ومنهجية"، وأن النماذج القائمة عليها "تظهر تناقضات صريحة مع مبادئها المعلنة".
كما أن تطبيقاتها في الطب النفسي غالباً ما "تفترض افتراضات معيارية ضمنية"، مثل استخدام مفاهيم غربية للذات كمعايير مثالية للوظيفة العصبية الإدراكية.

علاوة على ذلك، يجادل بعض النقاد بأن النظرية تنزلق نحو "المثالية المتعالية الكانطية" عندما تفترض أننا لا نختبر العالم إلا كما يظهر، وليس كما هو، مما يقوّض ادعاءاتها الطبيعية والواقعية.

الاستدلال النشط بين الذوات (Active Intersubjective Inference):

طوّر Harris (2025) إطاراً يدمج النظرية النفسية الديناميكية مع المعالجة التنبؤية لتفسير بناء الهوية الذاتية والاضطرابات النفسية.
يفترض هذا الإطار أن الذات تنشأ من استدلالات متكررة حول كيفية إدراك الآخرين لنا – وهو ما يسمى "الذات من الدرجة الثانية" – وتتفاعل بشكل ثنائي الاتجاه مع العمليات الاستقبالية الداخلية.

وتُعد التشوهات في هذه الاستدلالات من الدرجة الثانية خللاً جوهرياً في حالات الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، مما يفتح الباب أمام تدخلات علاجية تكاملية.
غير أن هذا الإطار لا يزال في مرحلة التطوير النظرين، ولا توجد بعد دراسات تجريبية كافية تثبت فعاليته العلاجية في السياقات السريرية المتنوعة، ناهيك عن سياقات الصدمة الجماعية.

نموذج SHARE لعلاج الصدمة الثقافية:

بما أن سورية مجتمع جماعي يُقدّر الجماعة والأسرة والانتماء، فإن النماذج العلاجية المستوردة من السياقات الغربية الفردية قد لا تكون كافية.
ولهذا يقدّم نموذج SHARE إطاراً نفسياً تحليلياً يستجيب للخصوصية الثقافية للمجتمعات الجماعية.
يتضمن النموذج خمسة أبعاد متشابكة: الصمت (Silence)، والشرف (Honor)، والتعلق (Attachment)، والصدمة العلائقية (Relational Trauma)، والذاكرة الجسدية (Embodied Memory).

يرى هذا النموذج أن الصمت في سياقات القمع والصراع قد يعمل كآلية دفاع ونجاة في آن واحد، بدلاً من أن يكون مجرد عجز عن التعبير.
ويعيد تعريف الصدمة كظاهرة مشفّرة ثقافياً تستمر عبر الأجيال عبر الديناميات الأسرية والصمت المرتبط بالخجل والكبت الجماعي.
قيمة النموذج وحدوده: يتميز نموذج SHARE بحساسيته الثقافية العالية، مما يجعله أكثر ملاءمة للسياق السوري من النماذج الغربية البحتة.
غير أنه لا يزال إطاراً مفاهيمياً نظرياً، ولم يُختبر تجريبياً بشكل واسع في سياقات ما بعد الصراع العربية، مما يستدعي توخي الحذر في افتراض فعاليته قبل إجراء دراسات ميدانية سورية.

النمو ما بعد الصدمة الجماعية (Collective Posttraumatic Growth):

في مقابل النظرة التقليدية التي تركز على الأعراض المرضية فقط، يقدّم مفهوم النمو ما بعد الصدمة الجماعية منظوراً إيجابياً يعترف بقدرة المجتمعات على التطور والنمو بعد التجارب الكارثية.
ويُعرّف هذا المفهوم بأنه "التغيرات الإيجابية المُدركة على المستوى المجتمعي بعد الصدمة الجماعية".
ويقترح "منهج الشفاء عبر العدالة" استراتيجية تحولية تهدف إلى تعزيز النمو ما بعد الصدمة الجماعية عبر تمكين الشباب والعمل والتغيير المنظومي.

نقد المفهوم: يجدر التنبيه إلى أن مفهوم النمو ما بعد الصدمة ليس مقبولاً بالإجماع.
يجادل بعض الباحثين بأن "النمو" المُبلّغ عنه ذاتياً قد لا يعكس تحسناً نفسياً حقيقياً، بل قد يكون آلية تكيف أو حتى "وعياً زائفاً جماعياً".
كما أن قياس النمو الجماعي يطرح تحديات منهجية كبيرة، لا سيما في سياقات ما بعد الصراع حيث لا تزال الجراح مفتوحة.

الأمل الوجودي والعلاج بالمعنى (Logotherapy):

أثبتت دراسات حديثة أن الأمل الوجودي يلعب دوراً محورياً في التعافي الاجتماعي للمجتمعات الخارجة من الأزمات الإنسانية.
يرتبط الأمل الوجودي إيجابياً بالتماسك الاجتماعي واستعادة الثقة والمشاركة الجماعية، ويتنبأ بها بشكل فريد حتى بعد التحكم في المعاناة الجماعية.

يستند العلاج بالمعنى إلى نظرية فيكتور فرانكل، التي تؤكد أن الإنسان يستطيع تحمّل المعاناة إذا وجد لها معنى.
وقد طُبّق هذا النهج بنجاح مع فئات متعددة، بما في ذلك اللاجئون الأوكرانيون والمحاربون القدامى المصابون باضطراب ما بعد الصدمة.

غير أن تطبيقه في السياق السوري يتطلب تكييفاً ثقافياً يراعي الخصوصية الدينية والاجتماعية للمجتمع السوري.

أنواع علم النفس ومدارسه:

يُقسّم علم النفس تقليدياً إلى مدارس متعددة، كل منها يقدّم عدسة مختلفة لفهم السلوك البشري والمعاناة النفسية.
وتشمل هذه المدارس: المدرسة التحليلية النفسية، والمدرسة السلوكية، والمدرسة المعرفية، والمدرسة الإنسانية، وعلم النفس الإيجابي، وعلم النفس المجتمعي.

ويجدر التنبيه إلى أن هذه المدارس ليست متعارضة بالضرورة، بل يمكن أن تتكامل في مقاربات علاجية شاملة.
ففي سياق الصدمة الجماعية السورية، قد يكون الدمج بين العلاج المعرفي السلوكي (للأعراض الحادة) والعلاج المجتمعي (للتماسك الاجتماعي) والعلاج بالمعنى (للاستعادة الوجودية) أكثر فعالية من الاعتماد على مدرسة واحدة.

خصوصية الصدمة الجماعية في السياق السوري:

قبل الانتقال إلى التطبيقات العملية، لا بد من فهم الخصوصية الاستثنائية للحالة السورية.
تشير الدراسات إلى أن الصدمة الجماعية في سورية تختلف عن غيرها من حالات الصدمة الناجمة عن الحروب الخارجية، لأنها نشأت عن "طغيان المستبد الداخلي وتغوله المفرط"، حيث انقلبت المؤسسات من حامية إلى معتدية، واستشرى الفساد والوشاية والخيانة المؤسساتية.
وتتبدى الصدمة الجماعية في ثلاث طبقات: الطبقة النفسية الفردية (القلق المزمن والرهاب وتضعضع الثقة)، والطبقة الاجتماعية (انهيار المؤسسات وتمزق الروابط)، والطبقة الثقافية والهوياتية (تشوه الذاكرة الجماعية وتنافر السرديات). ولهذا، فإن أي مقاربة علاجية للصدمة في سورية يجب أن تكون متعددة المستويات.

تطبيقات عملية:

الدمج في الرعاية الصحية الأولية:
من أهم الدروس المستفادة من تجارب الدول الخارجة من الصراعات، أن خدمات الصحة النفسية يجب أن تُدمج في الرعاية الصحية الأولية بدلاً من أن تبقى معزولة في المستشفيات المتخصصة.
وقد اقترحت دراسة نُشرت في The Lancet (2025) أن إعادة بناء المرونة النفسية في سورية ما بعد الصراع تتطلب استخدام الرعاية الأولية كمنصة لتقديم خدمات الصحة النفسية، مع توسيع الخدمات لتشمل المناطق الريفية عبر وحدات متنقلة.


العلاج النفسي الجماعي المجتمعي:
قدّمت تجربة رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994 نموذجاً قابلاً للتكيف مع السياق السوري.
يعتمد "العلاج الاجتماعي المجتمعي" (Community Sociotherapy) على مبدأ "Mvura Nkuvure" (اشفني، أشفيك)، ويستخدم ست مراحل تشمل الأمان والثقة والرعاية والاحترام وإعادة التوجيه نحو الحياة الجديدة والذكريات، بهدف خلق مساحات جماعية آمنة يمكن للمشاركين فيها مشاركة تجاربهم وإعادة بناء الكرامة واستعادة الإحساس بالانتماء.
وقد أظهرت النتائج الكمية في رواندا زيادة بنسبة 17.2% في الثقة بين المجموعات، و12.5% في الانسجام الاجتماعي، و9.5% في الاستعداد للمسامحة، مما أدى إلى زيادة بنسبة 34.5% في الاستعداد للتعاون.
كما ارتفع الرفاه النفسي للمشاركين من 74.4% قبل التدخلات إلى 80.4% بعدها.
غير أن تجربة رواندا تواجه أيضاً تحديات مهمة، تشمل التغطية الجغرافية المحدودة، وقيود الموارد، وعدم القدرة على الوصول إلى جميع الأفراد والمجتمعات المحتاجة.
كما أن الناجين غالباً ما يستمرون في التعامل مع صدمة غير محلولة، بينما يواجه الجناة المفرج عنهم وصمة العار وصعوبات إعادة الاندماج.
وهذا يعني أن نقل التجربة إلى سورية يجب أن يكون مصحوباً بتخطيط دقيق يراعي الفروقات السياقية.


العدالة الانتقالية كشرط للشفاء النفسي:
لا يمكن لأي علاج نفسي أن ينجح في بيئة تفتقر إلى الاعتراف بالجراح والعدالة للضحايا.
تشير منظمة العفو الدولية (2025) إلى أن الناجين من نظام الاعتقال السوري، بمن فيهم نزلاء سجن صيدنايا، "يعانون من عواقب صحية ونفسية مدمرة وسط نقص حاد في الدعم"، وأنهم "بحاجة إلى دعم طبي ونفسي اجتماعي وقانوني فوري".
وقد خطت سورية خطوات مؤسساتية في هذا الاتجاه، حيث أُصدر المرسوم رقم (20) في 17 أيار 2025 القاضي بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.
كما وقّعت الهيئة مذكرة تفاهم مع مركز ضحايا التعذيب (CVT) لتعزيز التعاون في مجالات الدعم النفسي والاجتماعي وبناء القدرات.
غير أن هذه الخطوات لا تزال في بدايتها، وتتطلب دعماً نفسياً متخصصاً ومنهجياً لضمان أن تكون العدالة الانتقالية مصحوبة بالشفاء النفسي وليس مجرد إجراء قانوني.


البرامج المدرسية للصحة النفسية:
يُعد الأطفال والشباب من أكثر الفئات تأثراً بالصدمة الجماعية.
وتشير دراسة The Lancet إلى أن حماية الأجيال القادمة تتطلب "معالجة الصدمة العابرة للأجيال عبر التثقيف النفسي للوالدين ومقدمي الرعاية والمدارس، وضمان التدخلات المبكرة للأطفال المعرضين".
ويجب أن تشمل استراتيجية الصحة النفسية الوطنية برامج مدرسية تركز على الصحة النفسية الإيجابية ومهارات الحياة وآليات التكيف والكشف المبكر عن المشكلات النفسية، مع توفير مساحات صديقة للأطفال والنساء.


تمكين الشباب والمشاركة المجتمعية:
يُظهر نموذج "الشفاء عبر العدالة" أن تمكين الشباب والعمل الجماعي والتغيير المنظومي هي مداخل أساسية لتعزيز النمو ما بعد الصدمة الجماعية.
ويمكن ترجمة ذلك إلى برامج عملية تشمل دعم المبادرات الشبابية في مجال الصحة النفسية، وتدريب الشباب كوسطاء نفسيين اجتماعيين، وإشراكهم في تصميم وتنفيذ برامج التعافي المجتمعي.
وتُعد هذه المقاربة متوافقة مع الأدبيات الحديثة في علم النفس المجتمعي التي تؤكد على أهمية المشاركة المجتمعية في تصميم التدخلات وليس فقط في تنفيذها.


بناء القدرات المهنية والبحث العلمي:
لا يمكن تنفيذ أي استراتيجية للصحة النفسية بدون بنية تحتية بشرية ومهنية.
تشير The Lancet إلى أن "عدد المهنيين النفسيين المدربين يجب أن يزداد"، وأن هناك "عوائق عديدة قد تعرقل إعادة تأهيل نظام الصحة النفسية في سورية"، بما في ذلك انخفاض عدد المهنيين المحليين.
ويتطلب الأمر تدريب أطباء نفسيين وأخصائيين نفسيين ومرشدين اجتماعيين بأعداد كافية، وإنشاء وحدات متخصصة في الصدمة والعلاج الجماعي في الجامعات السورية، وإجراء أبحاث ميدانية لتقدير العبء الحالي للأمراض النفسية في سورية.

نحو سياسة وطنية للصحة النفسية:

بناءً على ما سبق، يقترح المكتب الطبي في تيار المستقبل السوري الإطار التالي لسياسة وطنية للصحة النفسية:

إعلان الصحة النفسية أولوية وطنية، وربما إدراجها في وثيقة الإصلاح الدستوري والسياسات التنموية.

إنشاء هيئة وطنية للصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، تضم ممثلين عن وزارة الصحة والتربية والشؤون الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني والخبراء السوريين في المهجر.

تطوير برنامج وطني للعلاج النفسي الجماعي المجتمعي مستند إلى تجربة رواندا ومكيّف مع الخصوصية الثقافية السورية.

دمج الصحة النفسية في الرعاية الأولية والمدرسية، عبر تدريب أطباء الرعاية الأولية والمعلمين والمرشدين على الكشف المبكر والتدخل الأولي.

إطلاق برامج تثقيف نفسي جماهيري، لنزع وصمة العار المرتبطة بالمرض النفسي.

ربط العدالة الانتقالية بالشفاء النفسي، ضمان أن تكون آليات العدالة الانتقالية مصحوبة بدعم نفسي متخصص للناجين.

تطوير الكوادر البشرية والبحث العلمي عبر إنشاء برامج تخصصية في الجامعات، وإجراء مسوحات وطنية دورية للصحة النفسية.

الخاتمة:

في خضمّ الحديث عن إعادة إعمار الحجر، لا يجوز أن ننسى إعادة إعمار الإنسان.
تقدّم النظريات الحديثة في علم النفس – من المعالجة التنبؤية إلى نموذج SHARE إلى النمو ما بعد الصدمة الجماعية – أدوات علمية دقيقة لفهم الجراح السورية وعلاجها.
لكن الفهم وحده لا يكفي، والمطلوب هو إرادة سياسية، واستثمار في الكوادر البشرية، وتكامل بين القطاع العام والمجتمع المدني والمؤسسات الدولية.
إن الشعب السوري الذي صمد في وجه أعتى أشكال القمع والصدمة، قادر – إذا أُتيح له الدعم اللازم – على تجاوز جراحه وبناء مجتمع متعافٍ ومتماسك.

المراجع:

  1. Kakaje, A., Al Zohbi, R., Hosam Aldeen, O., Makki, L., Alyousbashi, A., & Alhaffar, M. B. A. (2021). Mental disorder and PTSD in Syria during wartime: a nationwide crisis. BMC Psychiatry, 21(1), 262. doi.org
  2. Ahmed, D. R., Kar, S. K., Heun, R., Hraib, M., & Deeb, C. A. (2025). Rebuilding Syria’s mental health system after decades of war. The Lancet, 405(10478), 589-591. doi.org
  3. Li, E., et al. (2025). Predict to Control, Test to Master: Integrating Predictive Processing and Control-Mastery Theory. Journal of Psychotherapy Integration. Advance online publication. doi.org
  4. Harris, H. W. (2025). Active inference and psychodynamics. Frontiers in Psychiatry, 16, 1630858. doi.org
  5. Malik, A. N., & Hassan, S. (2025). Reframing Cultural Trauma: The SHARE Model as a Psychoanalytic Framework for Silence, Honor, and Embodied Memory in Collectivist Societies. International Journal of Applied Psychoanalytic Studies, 22(4), e70019. doi.org
  6. Crippen, M. (2026). Errors or Adaptations? A Critical Review of Predictive Processing in Psychiatry. Behavioral Sciences, 16(7), 1116. doi.org
  7. Schlicht, T. (2025). Predictive processing’s flirt with transcendental idealism. Noûs. Advance online publication. doi.org
  8. Interpeace. (2025). From Fear to Forgiveness: How Sociotherapy Is Healing Wounds in Ngoma. Interpeace International Reports.
  9. Amnesty International. (2025, June 26). Syria: Torture survivors of Saydnaya and other detention centres grappling with devastating needs and minimal support. Amnesty International Statement.
  10. الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا). (2026، 10 سبتمبر). لتعزيز التعاون.. العدالة الانتقالية توقع مذكرة تفاهم مع مركز ضحايا التعذيب. سانا.
  11. عنب بلدي. (2026، 12 يناير). دمشق.. ما الذي يعنيه افتتاح ماجستير "علم النفس السريري". جريدة عنب بلدي.
  12. El País. (2025, April 11). Un puñado de psiquiatras para una Siria traumatizada tras 14 años de guerra civil. El País International.
  13. قامشلو نيوز. (2025، 5 نوفمبر). الرفاه النفسي.. بين تهمة الخجل والسعي للعلاج. منصة درج/قامشلي.

شاركها على:

اقرأ أيضا

مجلس الأمن يجدد التأكيد على سيادة سورية

مجلس الأمن يجدد التأكيد على سيادة سورية ويطالب بتنفيذ اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

11 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع

اليوم العالمي للفتاة

اليوم العالمي للفتاة يسلط الضوء على حقوق الفتيات وتحدياتهن حول العالم.

11 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع