يُتابع تيار المستقبل السوري ببالغ الاهتمام وقفة أهالي محافظة درعا الاحتجاجية، يوم الخميس 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أمام مبنى المحافظة، احتجاجاً على إجراءات تشميع عدد من الآبار المائية وخفض استطاعتها، وعبر المحتجون عن رفضهم لما وصفوه بالفساد والمحسوبيات في إدارة ملف الآبار المائية بالمنطقة.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن هذه الوقفة تعبير مشروع عن قلق حقيقي، وأن معالجة هذا الملف تتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين حماية الموارد المائية من الاستنزاف، وضمان حق المجتمعات المحلية في الحصول على مياه الشرب، وتأمين سبل عيش المزارعين الذين يعتمدون على هذه الآبار في ريّ محاصيلهم.
يُذكّر تيار المستقبل السوري بأنه سبق أن أكد في مقال بعنوان "أزمة المياه في سورية" (بتاريخ 10 فبراير 2024) على أن "ملف المياه في سورية تحول إلى قضية أمن قومي وسيادة وطنية بالغة الخطورة"، وأن معالجة هذا الملف "تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين حماية الموارد المائية، وضمان الحق في المياه، وإشراك المجتمعات المحلية في إدارة الموارد".
يُسجل تيار المستقبل السوري بخطورة بالغة حجم أزمة المياه في درعا، استناداً إلى المعطيات الرسمية:
فقد تراجعت غزارة الينابيع في محافظة درعا من 6,786 متراً مكعباً في الساعة إلى 960 متراً مكعباً في الساعة، وفقاً لبيانات مديرية الموارد المائية.
وتشير تقديرات المديرية إلى وجود ما بين 10 آلاف و15 ألف بئر مخالفة في المحافظة، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد قد يصل إلى 20 ألف بئر مخالف مقابل نحو 4,500 بئر مرخص فقط، مما أدى إلى استنزاف مائي تجاوز 200 مليون متر مكعب سنوياً.
وعلى المستوى الوطني، يُقدّر العجز المائي السنوي في سورية بنحو 2.3 مليار متر مكعب، بينما يحصل نحو 34% من السوريين على مياه غير مأمونة.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن هذه الأرقام أزمة وجودية تهدد حياة ملايين السوريين، وتُشكل ضغطاً هائلاً على الموارد المائية المتناقصة، وتُعمق مخاطر الجفاف وتدهور الأراضي الزراعية.
يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن إشكالية إدارة الموارد المائية المشتركة تُعدّ من أكثر القضايا تعقيداً في مجال السياسات العامة، وقد طوّرت العلوم السياسية والاقتصادية أطراً نظرية لفهمها ومعالجتها.
وتُعتبر نظرية الموارد المشتركة (Common Pool Resources) التي طورتها إلينور أوستروم، الحاصلة على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2009، إحدى أهم الأطر النظرية لتحليل هذه الإشكالية.
ويُذكّر تيار المستقبل السوري بأن أوستروم أثبتت، من خلال دراساتها الميدانية لأحواض المياه الجوفية في جنوب كاليفورنيا وأنظمة الري في نيبال، أن المجتمعات المحلية قادرة على إدارة الموارد المشتركة بشكل مستدام، دون الحاجة إلى الخصخصة أو التأميم، شرط توفر شروط محددة: وضوح الحدود (من يحق له استخدام المورد؟)، ملاءمة القواعد للظروف المحلية، المشاركة الفعلية للمستخدمين في وضع القواعد، الرقابة الذاتية، العقوبات المتدرجة، آليات سريعة لحل النزاعات، الاعتراف بحق التنظيم الذاتي.
ويرى تيار المستقبل السوري أن هذه الشروط غائبة بشكل شبه كامل عن إدارة ملف المياه في درعا، حيث تفتقر السياسات الحالية إلى الوضوح والشفافية، ولا تشارك المجتمعات المحلية في وضع القواعد، ولا توجد آليات فعالة لحل النزاعات، مما أدى إلى تفاقم الأزمة وتصاعد الاحتجاجات.
ويُشير تيار المستقبل السوري إلى أن النتائج التي توصلت إليها أوستروم، والتي تُظهر أن المجتمعات المحلية قادرة على إدارة مواردها بنفسها عندما تتوفر الشروط المناسبة، تقدم إطاراً عملياً يمكن تطبيقه في درعا، بدلاً من فرض السياسات من الأعلى دون مشاركة فعلية.
يُذكّر تيار المستقبل السوري بأن أزمة إدارة المياه الجوفية ليست حكراً على سورية، بل واجهتها دول كثيرة، ونجحت في معالجتها من خلال مقاربات مبتكرة.
ففي ألمانيا، أطلقت وزارة التعليم والبحث الاتحادية برنامج "الإدارة المستدامة للمياه الجوفية" (LURCH)، الذي يمول عشرة مشاريع بحثية مشتركة لتطوير حلول عملية لإدارة المياه الجوفية، وضمان توفيرها للأجيال القادمة.
ويُذكر أن مشروع "WaterFarmers" في منطقة Uelzen يعتمد على التعاون بين المزارعين والجهات الرسمية لتطوير إدارة تعاونية للمياه الجوفية، وقد أظهرت النتائج الأولية أن نحو 140 من أصل 1,370 بئر ريّ في المنطقة قد تحتاج إلى تقليل السحب أو نقله.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن هذا النموذج التعاوني، القائم على الشراكة بين المزارعين والجهات الرسمية، يمكن أن يُلهم مقاربة مماثلة في درعا.
ويُشير تيار المستقبل السوري إلى أن الأردن واجهت تحديات مماثلة في إدارة حوض الديسي الجوفي المشترك مع السعودية، وقد توصّلت الدولتان إلى اتفاقية تُعدّ الأولى من نوعها بين دولتين ذات سيادة، وتهدف إلى حل النزاعات حول المياه الجوفية المشتركة.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن هذا النموذج يُظهر أن الحلول التعاونية ممكنة حتى في أكثر السياقات تعقيداً، وأن إدارة الموارد المشتركة تتطلب إرادة سياسية وأطراً قانونية واضحة.
كما ويُشير تيار المستقبل السوري إلى أن كاليفورنيا واجهت في تسعينيات القرن الماضي أزمة مماثلة في إدارة حوض المياه الجوفية في منطقة رايموند، وتمكنت من تجاوزها من خلال نموذج إدارة تشاركية ضمّت المستخدمين والجهات الرسمية، مما ساهم في استعادة التوازن المائي في المنطقة.
انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، واستناداً إلى الأطر النظرية والتجارب الدولية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
أولاً: اعتماد مقاربة تشاركية في إدارة الموارد المائية عبر تشكيل لجان محلية لإدارة المياه الجوفية في كل منطقة، تضم ممثلين عن المزارعين والمجتمعات المحلية ومؤسسة المياه والجهات الرسمية، تكون مسؤولة عن وضع قواعد استخدام المياه، والرقابة على الآبار، وحل النزاعات، أسوةً بنموذج "WaterFarmers" الألماني، وبما يتوافق مع مبادئ أوستروم في إدارة الموارد المشتركة.
ويُشدد تيار المستقبل السوري على أن إشراك المجتمعات المحلية في صنع القرار هو شرط أساسي لنجاح أي سياسة مائية، وليس ترفاً أو خياراً ثانوياً.
ثانياً: وضع إطار قانوني واضح وشامل لإدارة المياه الجوفية، وهنا يطالب تيار المستقبل السوري بإعادة صياغة قانون التشريع المائي رقم (31) لعام 2005، الذي يعود إلى عهد النظام المخلوع، وتحديثه ليتوافق مع التحديات الراهنة، بحيث يتضمن: تعريفاً واضحاً لحقوق المياه، وآليات لترخيص الآبار، وعقوبات متدرجة للمخالفين، وآليات سريعة لحل النزاعات، وحق المجتمعات المحلية في المشاركة في وضع القواعد، أسوةً بالتجارب الدولية الناجحة.
ثالثاً: إطلاق برنامج وطني للتحول إلى الري الحديث (بالرذاذ والتنقيط)، يستهدف المزارعين الذين يعتمدون على الآبار في الري، وتوفير حوافز مالية وتقنية لهم، أسوةً بما دعا إليه التيار في بيانه حول "فعاليات الأسبوع العالمي للمياه" (24 آب/أغسطس 2026)، حيث أكد على أن "التحول نحو طرق الري الحديثة (بالتنقيط والرذاذ) في القطاع الزراعي" هو السبيل الوحيد لوقف الهدر الكبير للمياه الجوفية.
رابعاً: تقديم تعويضات عادلة لأصحاب الآبار التي تُشمّع أو تُغلق، وتوفير بدائل سكنية وزراعية للعائلات التي تعتمد على هذه الآبار كمصدر رئيسي للرزق، أسوةً بما دعا إليه التيار في بيانه حول "قرار إغلاق مخيم الهول" (24 شباط/فبراير 2026)، حيث أكد على أن "معالجة الملف يجب أن تكون جذرية، بعيداً عن التوظيف الأمني أو السياسي، وبما يضمن كرامة الإنسان السوري".
خامساً: تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد في إدارة ملف المياه عبر فنح تحقيقات شفافة في كل حالات المحسوبية والفساد في إدارة ملف الآبار في درعا، ومحاسبة المسؤولين عنها، وإعلان النتائج للرأي العام، أسوةً بما دعا إليه التيار في بيانه حول "أزمة البنزين الرديء" (7 تشرين الأول/أكتوبر 2026).
يُثمن تيار المستقبل السوري حق أهالي درعا في التعبير عن مطالبهم المشروعة، ويدعو الحكومة الانتقالية إلى التعامل مع هذه الاحتجاجات بجدية ومسؤولية، وإلى اعتماد مقاربة تشاركية في إدارة الموارد المائية تُشرك المجتمعات المحلية في صنع القرار، وتضمن حماية الموارد للأجيال القادمة.
ويُذكّر تيار المستقبل السوري بأن أزمة المياه قضية وجودية ترتبط بحياة المواطنين وكرامتهم، وتتطلب حلولاً جذرية ومبتكرة، مستندة إلى العلم والمعرفة والتجارب الدولية الناجحة.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن حماية الموارد المائية مسؤولية وطنية وأخلاقية، وأن أي تقصير في هذا الملف هو تقصير في حق الشعب السوري بأكمله.