يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ وتقدير الإعلان الصادر عن رئاسة الجمهورية، يوم الأربعاء 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، والمتضمن إصدار رئيس المرحلة الانتقالية السيد أحمد الشرع المرسوم رقم 183 لعام 2026، القاضي بإحداث "المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة"، بإشراف وزارتي التربية والتعليم العالي، وبالتنسيق مع الوزارات الأخرى ذات الصلة.
ويرى تيار المستقبل السوري أن هذا المرسوم يُجسّد خطوة استراتيجية نوعية في مسار إصلاح التعليم وبناء اقتصاد المعرفة، من خلال إحداث مسار تعليمي متكامل يبدأ من المرحلة الثانوية ويمتد إلى التعليم الجامعي التطبيقي والبحثي، بهدف إعداد كفاءات وطنية عالية التأهيل في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والابتكار، وربطها بالاحتياجات النوعية لسوق العمل.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن إدخال التخصص المبكر في منظومة التعليم، من خلال إحداث "مدارس التكنولوجيا المتقدمة" و"كليات التكنولوجيا المتقدمة"، يمثل تحولاً جوهرياً في فلسفة التعليم السوري، من التلقين النظري إلى التخصص التطبيقي، ومن تخريج أعداد كبيرة إلى تخريج كفاءات نوعية.
يُذكر تيار المستقبل السوري أن المرسوم يتضمن مكونين رئيسيين:
الأول يتمثل في إحداث مدارس متخصصة ضمن المرحلة الثانوية تُسمى "مدارس التكنولوجيا المتقدمة"، تقبل الطلاب في بداية المرحلة الثانوية وفق اختبار قبول وطني ومعايير علمية عادلة وشفافة، وتتضمن الدراسة اختصاصين هما "التكنولوجيا المتقدمة الرقمية" و"التكنولوجيا المتقدمة الصناعية".
والثاني يتمثل في إحداث مسار جامعي خاص لحاملي هذه الشهادة الثانوية النوعية، ضمن كليات تُسمى "كليات التكنولوجيا المتقدمة" في الجامعات العامة، بقرار من مجلس التعليم العالي، لتشكل مساراً أكاديمياً وبحثياً وتطبيقياً متكاملاً.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن هذا التكامل بين المرحلتين الثانوية والجامعية يُشكل ركيزة أساسية لبناء منظومة تعليمية متخصصة، قادرة على تزويد سوق العمل السوري بكفاءات تقنية متقدمة، وهو ما ينسجم مع رؤية التيار التي أكد عليها في بيانه بعنوان "افتتاح ‘تيك تاون’ في دمشق" (بتاريخ 14 تموز/يوليو 2026)، حيث شدد على أن "بناء اقتصاد معرفي متطور، قادر على استقطاب الكفاءات الشابة وتوفير فرص العمل، أسوةً بتجارب الدول التي جعلت من التكنولوجيا والابتكار محوراً لتنميتها" هو السبيل الوحيد لضمان مستقبل سورية.
غير أن تيار المستقبل السوري يرى أن نجاح هذا المسار الطموح يتوقف على معالجة جملة من التحديات الجوهرية التي لا يمكن تجاهلها:
أولاً: يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن نجاح هذا المسار يتطلب بنية تحتية رقمية متطورة، وهي غير متوفرة حالياً.
فوفقاً لتقرير "Digital 2026″، لا يزال 64.2% من السكان خارج نطاق الإنترنت، بينما لا تتجاوز نسبة انتشار الإنترنت 35.8%، وهي أقل من نصف المعدل العالمي.
ويتساءل تيار المستقبل السوري هنا: كيف يمكن إعداد كفاءات في التكنولوجيا المتقدمة في بلد لا يصل فيه الإنترنت إلى ثلثي سكانه؟
ثانياً: يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن هذا المسار يُطرح في وقت تتجاوز فيه بطالة الشباب 60% وفقاً لتقرير صندوق التنمية السوري للربع الأول من 2026، بينما تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن معدل البطالة بين الشباب (15-24 سنة) بلغ 33.1%.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن نجاح هذا المسار يتطلب ربطاً مباشراً بين مخرجاته وفرص العمل الفعلية، وإلا تحوّل إلى شهادة إضافية في سوق مزدحم بالبطالة.
ثالثاً: يُذكّر تيار المستقبل السوري بأنه سبق أن دعا، في بيانه بعنوان "يوم العمال العالمي" (بتاريخ 1 أيار/مايو 2026)، إلى "إطلاق برامج تأهيل وطنية عاجلة لدمج القوى العاملة"، وإلى "تحديث بيانات سوق العمل وتطوير سياسات شاملة تدعم التعافي الاقتصادي".
ويرى تيار المستقبل السوري أن نجاح مسار التكنولوجيا المتقدمة يتطلب تشريعات مرنة، وحوافز للشركات التي توظف الخريجين، وشراكات حقيقية مع القطاع الخاص، وليس فقط إنشاء مدارس وكليات.
رابعاً: يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن بناء كفاءات وطنية عالية التأهيل دون توفير بيئة عمل محفزة قد يؤدي إلى تسريع هجرة العقول، وهو ما حذّر منه التيار في بيانه بعنوان "اليوم العالمي لمهارات الشباب" (بتاريخ 15 تموز/يوليو 2026)، حيث أكد على "ضرورة مكافحة الهجرة القسرية للعقول والكفاءات السورية"، وعلى "توفير بدائل محلية وبيئة مهنية آمنة ومحفزة تعطي الشباب سبباً حقيقياً للبقاء والاستثمار في وطنهم".
يُذكّر تيار المستقبل السوري بأن التجارب الدولية في مجال التعليم التقني المتقدم تقدم دروساً قيمة يمكن الاستفادة منها.
ففي ألمانيا، يعتمد نظام التعليم التقني على الشراكة المباشرة بين المدارس والشركات، حيث يقضي الطالب جزءاً من وقته في التدريب العملي داخل المصانع، مما يضمن جاهزيته لسوق العمل فور تخرجه.
وفي سنغافورة، يوجد مسار تعليمي متكامل يبدأ من الثانوية ويمتد إلى الجامعة التطبيقية، مع تركيز على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وقد نجح في تحويل سنغافورة إلى واحدة من أكثر الاقتصادات تقدماً في العالم.
أما كندا، فتعتمد على نموذج "الكليات المجتمعية" التي تقدم برامج تقنية متقدمة قصيرة الأمد، ومرتبطة مباشرة باحتياجات الصناعة المحلية.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن سورية يمكنها الاستفادة من هذه النماذج، بشرط تكييفها مع ظروفها المحلية، وضمان الشراكة الفعلية مع القطاع الخاص، وربط المناهج بالتطبيق العملي، وليس فقط إنشاء هياكل تعليمية جديدة.
انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
أولاً: أن يرافق إطلاق هذا المسار برنامج وطني متكامل لسد الفجوة الرقمية، يشمل توسيع شبكات الإنترنت عالية السرعة لتغطي كافة المحافظات، وتوفير أجهزة حاسوب بأسعار مدعومة للطلاب، وتخفيض أسعار الاشتراكات، أسوة بالتجارب الدولية التي ربطت نجاح التعليم التقني بتوافر البنية التحتية.
ثانياً: إصدار تشريع يُلزم الشركات الكبرى والمنظمات العاملة في سورية بتوظيف نسبة لا تقل عن 10% من خريجي المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة، مع تقديم حوافز ضريبية للشركات الملتزمة، لضمان الربط الفعلي بين التعليم والوظيفة.
ثالثاً: إطلاق برنامج وطني لتأهيل المعلمين في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بالتعاون مع جامعات دولية ومؤسسات تقنية عالمية، لضمان جودة التدريس ومواكبة التطورات التقنية المتسارعة.
رابعاً: إنشاء صندوق وطني لدعم المشاريع التقنية الناشئة التي يؤسسها خريجو المسار، وتوفير مساحات عمل مشتركة وحاضنات أعمال في المحافظات كافة، وليس فقط في دمشق، أسوة بما دعا إليه في بيانه حول "تيك تاون".
خامساً: ضمان شفافية اختبار القبول الوطني في مدارس التكنولوجيا المتقدمة، وإتاحة المجال أمام جميع الطلاب من كافة المحافظات والمناطق، وعدم تحويل المسار إلى امتياز لفئات محدودة، بما يعزز العدالة التعليمية ويُرسخ مبدأ تكافؤ الفرص.
سادساً: إجراء تقييم دوري مستقل لأداء المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة، بعد ثلاث سنوات من إطلاقه، بمشاركة خبراء دوليين، لقياس مدى تحقيق الأهداف، وتطوير المناهج والبرامج بناءً على النتائج الفعلية.
يُثمن تيار المستقبل السوري هذه الخطوة الاستراتيجية التي تُجسّد التزام الدولة الجديدة ببناء اقتصاد المعرفة وربط التعليم بسوق العمل.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن نجاح هذا المسار لن يُقاس بعدد المدارس والكليات التي ستُفتتح، بل بقدرته على إنتاج كفاءات حقيقية تجد مكانها في سوق العمل، وتسهم في نهضة سورية، وتبقى في وطنها لتشارك في بنائه.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأضمن في مستقبل سورية، وأن هذا المسار، إن أحسن تصميمه وتنفيذه، يمكن أن يكون بوابة عبور نحو اقتصاد المعرفة الذي تستحقه سورية وشعبها.