يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ الشكوى التي تقدّم بها الأستاذ نبيل الملاح، وزير الدولة لشؤون مجلس الشعب الأسبق، والتي أورد فيها تفاصيل معاناته مع وقف معاشه التقاعدي رغم تقاعده منذ 13 آذار/مارس 2000، وانقطاعه عن حزب البعث منذ عام 2002، ومواقفه العلنية المناهضة للنظام المخلوع، والتي وثّقتها مقالاته المنشورة في الصحف.
يُثمن تيار المستقبل السوري شجاعة الأستاذ الملاح في التعبير عن معاناته، ويُؤكّد أن قضيته ليست قضية فرد، بل تعكس إشكالية أوسع تتعلق بوقف معاشات شريحة من المتقاعدين المدنيين والعسكريين، وحرمانهم من حقٍّ مكتسبٍ كفله الدستور والقانون، في ظل غياب آليات واضحة وعادلة لإعادة النظر في هذه الملفات.
يُسجل تيار المستقبل السوري أن ما يعانيه الأستاذ الملاح وغيره من المتقاعدين، ممن أوقفت معاشاتهم لأسباب أمنية في عهد النظام المخلوع، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو انتهاك للحقوق المكتسبة، التي تُعدّ من المبادئ القانونية الراسخة في النظم القانونية المقارنة.
فوفقاً لمبدأ الحقوق المكتسبة (Acquired Rights)، يُعتبر الحق في المعاش التقاعدي حقاً مكتسباً في اللحظة التي يصبح فيها المعاش مستحقاً، أي عند تحقق سبب الاستحقاق، ولا يجوز المساس به بأثر رجعي عبر تشريعات لاحقة، بل يظل محمياً بموجب مبدأ اليقين القانوني (Legal Certainty).
يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن هذه القضية ليست استثناء، بل تمسّ شريحة واسعة من المتقاعدين السوريين، وتتجلّى أهميتها في الأرقام التالية:
- يبلغ عدد المعاشات التقاعدية في سورية نحو 541,679 معاشاً، بكُتلة مالية تقدر بـ 487 مليار ليرة سورية شهرياً.
- استفاد نحو 475,994 متقاعداً من زيادة المعاشات التي أقرّها المرسوم رقم 135 لعام 2026.
- صرفت المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات أكثر من 124 مليار ليرة سورية كمعاشات تقاعدية لشهر أيار 2025، استفاد منها 274,104 مدنيين و192,546 عسكريين.
- يصل إجمالي عدد المتقاعدين المستفيدين من مظلة التأمينات الاجتماعية إلى نحو 700 ألف متقاعد.
يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن الحكومة الانتقالية، انطلاقاً من التزامها بالعدالة الانتقالية، كانت قد أعلنت في 12 آذار/مارس 2026 عن استئناف صرف المعاشات التقاعدية للمتقاعدين العسكريين والمدنيين الذين أوقفت معاشاتهم لأسباب أمنية، بدءاً من نيسان/أبريل 2026، وفتحت باب التسجيل الإلكتروني لإعادة صرف المعاشات المتوقفة.
غير أن تجارب المتقاعدين، كحالة الأستاذ الملاح، تُظهر وجود فجوة بين القرارات الرسمية والتنفيذ الفعلي على الأرض.
يُذكّر تيار المستقبل السوري في هذا السياق بمواقفه الثابتة المنشورة على موقعه الرسمي، والتي تؤكد على أولوية تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية حقوق الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها المتقاعدون، ومنها: بيان "إعادة 6520 موظفاً مفصولاً بسبب الثورة" (بتاريخ 6 آب/أغسطس 2026)، الذي شدد على أن "إنصاف ضحايا النظام البائد واستعادة حقوقهم هو شرط لا غنى عنه لبناء سورية جديدة".
وانطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- تشكيل لجنة وطنية مستقلة تضم ممثلين عن وزارة المالية، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وهيئة الرقابة والتفتيش، وممثلين عن المتقاعدين، لتتولى مراجعة ملفات المتقاعدين الموقوفة، والبتّ فيها وفق معايير واضحة وعادلة، ووضع جدول زمني ملزم لإنهاء هذه الملفات.
- اعتماد مبدأ "البراءة حتى تثبت الإدانة" في ملفات المتقاعدين الموقوفة، بحيث يُعاد صرف المعاش فوراً لكل من لم تثبت إدانته بارتكاب جرائم بحق السوريين، عملاً بما أعلنته الحكومة سابقاً من أن الرواتب ستُصرف "لمن لم تثبت تورطهم بدماء السوريين".
- إنشاء آلية تظلم إلكترونية تتيح للمتقاعدين الذين أوقفت معاشاتهم تقديم طلباتهم ومستنداتهم إلكترونياً، ومتابعة أوضاعهم دون الحاجة إلى مراجعات شخصية، أسوة بالآلية التي أطلقتها وزارة المالية سابقاً.
- الإسراع في إقرار تشريع ينظم أوضاع المتقاعدين ممن أوقفت معاشاتهم، ويضمن عدم تكرار هذه الممارسات في المستقبل، ويُرسي مبدأ أن المعاش التقاعدي هو حق مكتسب لا يجوز المساس به إلا بحكم قضائي بات.
- إطلاق حملة توعية للمتقاعدين حول حقوقهم القانونية وآليات المطالبة بها، وقنوات التظلم المتاحة، بما يُعزز ثقافة الحقوق والمواطنة، ويُسهم في بناء علاقة جديدة بين الدولة والمواطن قائمة على الثقة والاحترام.
يُثمن تيار المستقبل السوري شجاعة الأستاذ نبيل الملاح في التعبير عن قضيته، ويُؤكّد تضامنه معه ومع جميع المتقاعدين الذين يعانون من وقف معاشاتهم.
ويُذكّر بأن العدالة الحقيقية لا تتحقق بإصدار القوانين والمراسيم وحدها، بل بتطبيقها على أرض الواقع، وضمان وصول الحقوق إلى مستحقيها دون تمييز أو إبطاء.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن معالجة ملفات المتقاعدين الموقوفة هي اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة الجديدة بمبادئ العدالة والإنصاف، وقدرتها على طيّ صفحة الماضي وبناء مستقبل تقوم فيه علاقة الدولة بالمواطن على الثقة والاحترام المتبادلين.
وبدوره، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً لكل ما يُعزز العدالة الاجتماعية وحماية الحقوق، ناقداً لكل ما يعيق تحقيقها، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية الجديدة التي تسود فيها العدالة والكرامة لجميع أبنائها.