تمهيد:
عندما نتحدث اليوم عن المصالحة الوطنية في سورية، لا يمكننا تجاهل الملف الأكثر حساسية وألماً في تاريخ الصراع: ما جرى بين فصائل المعارضة السورية بمختلف تشكيلاتها وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وما سبقه من اشتباكات بينها وبين وحدات حماية الشعب الكردية.
إن استعراض هذا الملف الموجع يُظهر حجم الفاتورة البشرية الكارثية التي دُفعت قبل الوصول إلى خيار السلام والعقلانية.
فقد سقط آلاف الضحايا من المدنيين والمقاتلين من الطرفين، ووقعت انتهاكات ومجازر متبادلة وثقتها منظمات حقوقية دولية ومحلية، مثل منظمة العفو الدولية، وهيو مان رايتس ووتش، والشبكة السورية لحقوق الإنسان.
هذه المأساة جرح نازف في جسد الوطن بأكمله.
في هذا المقال، نستعرض أبرز المحطات والانتهاكات التي خلّفت ضحايا ومجازر بين الطرفين، ليس بهدف نكء الجراح أو التباكي على الماضي، بل لتقديم حجة أخلاقية وواقعية دامغة على أن طريق الحرب كان طريقاً إلى الهاوية، وأن خيار السلام هو المخرج الوحيد لتجاوز هذه الحقبة المظلمة وبناء سوريا الغد.
انتهاكات وفظائع فصائل المعارضة ضد الكرد ومناطق قسد:
تركزت الانتهاكات التي ارتكبتها فصائل المعارضة بشكل كبير خلال العمليات العسكرية المدعومة تركياً، أو عبر القصف العشوائي للأحياء المدنية، حيث تحولت المدن والقرى إلى ساحات قتال دفع ثمنها المدنيون العزل:
قصف حي الشيخ مقصود في حلب (2016):
شكّل حي الشيخ مقصود، الذي تقطنه أغلبية كردية ويقطنه نحو 30 ألف مدني، مسرحاً لفظائع مروّعة.
فقد شنت الجماعات الثورية والاسلامية في المناطق المحيطة بالحي، والتي كانت تنضوي تحت راية ائتلاف "فتح حلب"، هجمات عشوائية متكررة بقذائف المدفعية والصواريخ وقذائف الهاون، مستهدفة منازل المدنيين والشوارع والأسواق والمساجد.
وقد وثقت منظمة العفو الدولية أسماء ما لا يقل عن 83 مدنياً، بينهم 30 طفلاً، قتلوا بسبب هذه الهجمات بين فبراير/شباط وأبريل/نيسان 2016، فيما أصيب أكثر من 700 مدني بجروح، وفقاً للمستشفى الميداني المحلي.
ووصفت المنظمة هذه الهجمات بأنها تعكس "استهتاراً معيباً بحياة البشر"، ورأت أنها "ربما ترقى إلى مرتبة جرائم حرب".
عملية "غصن الزيتون" في عفرين (2018):
شهدت معركة عفرين في عام 2018 سقوط مئات الضحايا المدنيين جراء القصف العنيف.
ورافق دخول الفصائل انتهاكات واسعة النطاق، شملت عمليات سلب ونهب واسعة للممتلكات، عُرفت محلياً بـ"التعفيش"، واختطاف مدنيين لطلب فدية، وتعذيب، وإعدامات ميدانية. وقد اتهمت الإدارة الذاتية الكردية تركيا والفصائل المدعومة منها بارتكاب "إبادة وتطهير عرقي واضح المعالم" في المنطقة.
كما وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش قيام فصيل "أحرار الشرقية" بنهب أكثر من 50 منزلاً في حي المحمودية بمدينة عفرين في آذار/مارس 2018. وأشارت تقارير إلى تهجير الآلاف من السكان الأصليين واستهداف الهوية الثقافية للمنطقة.
إعدامات ميدانية في عملية "نبع السلام" (2019):
من أبرز الحوادث التي أثارت الرأي العام الدولي حادثة إعدام السياسية الكردية هفرين خلف، الأمينة العامة لحزب "سوريا المستقبل"، ومرافقيها ميدانياً على الطريق الدولي M4 على يد فصيل "أحرار الشرقية" التابع للجيش الوطني السوري.
وقد وثق تحقيق لبي بي سي عربي هذه الجريمة، وأدانتها الأمم المتحدة كجريمة حرب واضحة، كما فرضت واشنطن عقوبات على الجماعة المتورطة.
انتهاكات وضحايا على يد قسد ضد المكون العربي:
في المقابل، ارتكبت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ووحدات حماية الشعب انتهاكات أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين في مناطق سيطرة المعارضة، أو في المناطق التي انتزعتها منها، مما عمّق الشرخ بين المكونين العربي والكردي:
تهجير وقصف ريف حلب الشمالي وتل رفعت (2016):
عند سيطرة قسد على مدينة تل رفعت والقرى المحيطة بها، قُتل عشرات المدنيين جراء الاشتباكات، وتسبب ذلك في تهجير قسري لنحو 150 ألف مدني عربي باتجاه مدينة إعزاز الحدودية. وتتهم المعارضة قسد بارتكاب انتهاكات بحق من تبقى، ومنع السكان الأصليين من العودة إلى بيوتهم حتى اليوم.
استهداف مدينة إعزاز ومحيطها بالمدفعية والمفخخات:
على مدار سنوات، تسبب القصف المدفعي والصاروخي المتكرر من قِبل قسد، انطلاقاً من مناطق الشهباء وتل رفعت، على الأحياء السكنية والأسواق والمستشفيات في مدينة إعزاز وعفرين والباب، في مقتل وإصابة مئات المدنيين والأطفال.
ومن أبرز هذه الفظائع مجزرة مستشفى الشفاء في عفرين عام 2021، التي راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى.
تقارير عن هدم منازل وتهجير قسري:
في تقرير صادر عام 2015، اتهمت منظمة العفو الدولية الإدارة الذاتية بقيادة "حزب الاتحاد الديمقراطي" (الكردي) بشن حملات تهجير قسري وهدم للمنازل في قرى ريف الحسكة والرقة، بعد طرد تنظيم "داعش" أو فصائل المعارضة منها.
وكشف التقرير عن عمليات تهجير متعمدة لآلاف المدنيين، وتدمير قرى بأكملها، نُفذت في كثير من الأحيان على سبيل الانتقام اعتقاداً بأن سكانها يربطهم صلات بتنظيم "الدولة الإسلامية" أو يتعاطفون معه.
واعتبرت المنظمة أن هذه الأفعال، التي شملت تدمير وإحراق قرى بأكملها وتشريد سكانها دون أسباب عسكرية يمكن تبريرها، "تعد بمثابة جرائم حرب"، ووصفتها بأنها "حملة متعمدة ومنسَّقة لتوقيع عقاب جماعي".
كيف يمكن توظيف هذا الملف الدامي لخدمة فكرة "إنجاح اتفاق السلام"؟:
طرح ملف الضحايا والمجازر في أي نقاش وطني لا ينبغي أن يكون بغرض نكء الجراح أو تصفية الحسابات، بل لتقديم حجة أخلاقية وواقعية دامغة على أن طريق الحرب كان انتحاراً جماعياً، وأن العقلانية التي تجسدت في التفاهمات الأخيرة هي السبيل الوحيد لبناء مستقبل مشترك.
وفي هذا السياق، يمكن استثمار هذا الملف لخدمة السلام من خلال:
الاعتراف المتبادل بالخسارة:
أظهرت سنوات الصراع الطويلة أنه لا توجد "ضحية واحدة" في هذا النزاع، بل النسيج السوري بأكمله تمزق، فآلاف القتلى والجرحى من المدنيين والمقاتلين من جميع المكونات، والدمار الذي طال المدن والقرى، كلها شواهد على أن السلاح لم يجلب لأي طرف نصراً كاملاً، بل جلب مآسي إنسانية تعمقت معها الأحقاد.
وهذا الاعتراف المتبادل بالخسارة هو الأساس الأولي لأي مصالحة حقيقية.
الاتفاق كضرورة لوقف نزيف الدم:
يمثل اتفاقا آذار/مارس 2025 وكانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية المخرج الوحيد الذي يضمن وقف نزيف الدم.
فقد نص الاتفاق الأول على دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سورية ضمن إدارة الدولة السورية، وضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية.
وهذا المسار هو الذي يضمن، عبر لجان قانونية وطنية، محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والتأسيس لعدالة انتقالية تعوض المتضررين وتكشف مصير المفقودين.
قطع الطريق على الفتنة العرقية:
كان الصراع المسلح بين المعارضة و"قسد" كاد أن يحول الخلاف السياسي إلى حرب عرقية (عربية – كردية) تحرق الجزيرة والشمال.
غير أن العقلانية التي تجسدت في التفاهمات الأخيرة تمثل الحصن الذي يمنع العودة إلى مربع المجازر والثأر.
فإن تحويل الطاقة من القتال إلى البناء والشراكة هو السبيل الوحيد لضمان عدم تكرار ما حدث، ولبناء دولة مواطنة تتسع للجميع.
العدالة الانتقالية كضمان لعدم التكرار:
مع تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في 17 أيار/مايو 2025، أصبح هناك إطار مؤسسي لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان السابقة، وضمان المساءلة، ودعم المصالحة الوطنية.
وهذا الإطار، الذي يضم 13 عضواً برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف، يمثل الأداة التي يمكن من خلالها كشف الحقيقة، وتعويض الضحايا، ومحاسبة الجناة، بما يضمن عدم تكرار المأساة.
خاتمة:
إن استعراض ملف الانتهاكات والمجازر بين فصائل المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية هو رحلة مؤلمة في تاريخ سورية الحديث.
لكن هذه الرحلة، بقدر ما هي موجعة، تحمل في طياتها درساً بليغاً: أن العنف لا يولد إلا عنفاً، وأن الدماء لا تروي أرضاً ولا تبني وطناً.
لقد دفع السوريون من جميع مكوناتهم ثمناً باهظاً من أرواحهم وممتلكاتهم، قبل أن يدركوا أن لا غالب ولا مغلوب في هذا الصراع، وأن الخيار الوحيد الباقي هو خيار العقل والسلام.
إن اتفاقي آذار وكانون الثاني يمثلان فرصة تاريخية لتجاوز هذا الماضي المظلم، وبناء سورية جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة الانتقالية، والمشاركة السياسية لجميع المكونات.
فليكن هذا الملف الموجع، بدلاً من أن يكون وقوداً للفتنة، حجةً دامغة على ضرورة التمسك بالسلام، وتعزيز المصالحة، وبناء دولة القانون التي تحمي حقوق جميع السوريين، وتكرم ضحاياهم، وتضمن عدم تكرار مآسيهم. فسلامة سورية واستقرارها هي الغاية التي تستحق كل تضحية، وهي الأمانة التي يجب أن نحملها جميعاً.