مقدمة:
في كل نقاش حول مستقبل سورية، في كل حديث عن إصلاح السجون، أو تحسين الطرقات، أو تطوير الحوكمة، تتردد عبارة تبدو بريئة لكنها تحمل في طياتها انهياراً فلسفياً عميقاً: "أحسن من زمن الأسد".
هذه العبارة، التي يتداولها السوريون في مجالسهم وتعكس واقعاً ملموساً، تجعل من نظام الأسد – أكثر الأنظمة وحشية في التاريخ السوري الحديث – معياراً للحكم على أداء الدولة الجديدة.
في هذا المقال، نحاول تفكيك هذه المعيارية من منظور فلسفي واجتماعي، مستندين إلى نظريات علمية وإحصاءات حديثة، لنطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمجتمع أن يحرر نفسه من قياس تقدمه بمدى ابتعاده عن ماضيه المظلم؟
كارثة أخلاقية في ثوب بريء:
للوهلة الأولى، تبدو عبارة "أحسن من زمن الأسد" مجرد ملاحظة واقعية، لكنها تحمل ثلاثة أبعاد كارثية:
أولاً: جعل الطاغية معياراً، عندما نقول "السجون أحسن من زمن الأسد"، فإننا نعترف ضمناً بأن الأسد كان المعيار الذي نقيس أنفسنا به.
وكأن جرائمه لم تكن خارجة عن المألوف، بل كانت جزءاً من المألوف الذي نبتعد عنه قليلاً.
وقد عبرت إحدى سكانات دمشق عن هذه المفارقة بدقة، حين قالت بعد سقوط النظام: "أي شيء في الحياة أفضل من بشار… أي شيء أفضل من بشار" .
هذه العبارة، التي تعكس فرحة الخلاص، تحمل في طياتها خطر تحويل "أي شيء" إلى معيار، بدلاً من السعي نحو الأفضل.
ثانياً: تطبيع الأدنى، حين نقارن أنفسنا بالأسد، فإننا نعترف بأن الحد الأدنى للكرامة الإنسانية هو أن نكون أقل وحشية من نظام قتل وأسرى وشرّد ملايين السوريين.
وقد أظهر استطلاع أجراه "مؤشرات بارومتر العرب" (Arab Barometer) في تشرين الأول/نوفمبر 2025، أن 76% من السوريين يرون أن سياسات الرئيس أحمد الشرع أفضل من سياسات الأسد، بينما يعتبر 76% آخرون أن حياة أطفالهم ستكون أفضل .
هذه الأرقام تعكس تفاؤلاً حقيقياً،ط ولاشك، لكنها تكشف أيضاً أن المقارنة بالأسد لا تزال هي الإطار الذهني السائد لتقييم الأداء.
ثالثاً: تحول الأفضل إلى الأقل سوءاً، تصبح الطموحات الوطنية محدودة بمقارنة الحاضر بالماضي البائس.
فبدلاً من أن نسأل: "هل هذه السجون نموذجية وفق المعايير الدولية؟"، نسأل: "هل هي أفضل من سجون الأسد؟".
وقد أظهر استطلاع أجرته منصة "سورية المتجددة" في حزيران 2026 أن نسبة التقييم الإيجابي لأداء الحكومة انخفضت من 25% في نيسان إلى 20% في حزيران، في حين ارتفعت نسبة التقييم السلبي من 44% إلى 52% .
هذا التراجع قد يشير إلى أن "شهر العسل" الذي أعقب سقوط النظام بدأ يتبخر، وأن السوريين بدأوا يقيمون الحكومة الجديدة بمعاييرها الذاتية، وليس فقط بمقارنتها بالأسد.
نظرية "فخ التطلعات":
لفهم جذور هذه المعيارية، يمكننا الاستناد إلى مفهوم "فخ التطلعات"، الذي طوّره الباحثان أفياد هيفيتز وإنريكو مينيلي في نموذج رياضي للاقتصاد السلوكي .
يصف هذا المفهوم حالة يقع فيها الفرد أو المجتمع في دائرة من القرارات غير المثلى، بسبب عدم قدرته على توقع كيفية تغير تطلعاته وقيمه بعد اتخاذ قرار مصيري، مفهوم "فخ التطلعات"، الذي طوّره الباحثان أفياد هيفيتز وإنريكو مينيلي في نموذج رياضي للاقتصاد السلوكي .
يصف هذا المفهوم حالة يقع فيها الفرد أو المجتمع في دائرة من القرارات غير المثلى، بسبب عدم قدرته على توقع كيفية تغير تطلعاته وقيمه بعد اتخاذ قرار مصيري.
في السياق السوري، يمكن قراءة معيارية "أحسن من الأسد" على أنها شكل من أشكال "فخ التطلعات"، فالسوريون، بعد عقود من القمع والفقر، أعادوا تعريف توقعاتهم بناءً على ما عانوه، بدلاً من ما يستحقونه.
وقد عبرت تحليلات الباحثَين عن هذه الظاهرة بقولهما إن "السمة الملاحظة في حالات القمع والحرمان هي الافتقار إلى القدرة على التطلع إلى الأفضل" ، حيث يرى الناس وضعهم على أنه "لا مفر منه"، ويفتقرون أحياناً إلى الدافع لتبني مسارات عمل بديلة، حتى عندما تكون البنية التحتية متاحة.
وهذا ما يفسر لماذا قد يرضى السوري اليوم بحياة هادئة بعد أن كان يحلم بالنجاة، أو بدولة تعمل بعد أن كان يحلم بالخلاص من الديكتاتورية.
عندما يصبح الديكتاتور معياراً:
هنا تبرز إشكالية فلسفية أعمق، كيف نقيس التقدم؟ هل نقيسه بالتحسن عن الماضي، أم بالاقتراب من المثل الأعلى، أم بالمقارنة مع الأفضل في العالم؟
في الفلسفة، هناك فرق بين القياس النسبي والقياس المطلق.
القياس النسبي يقارن الشيء بغيره، أما القياس المطلق فيقيسه بمعيار مستقل.
عندما نقول "السجون أفضل من زمن الأسد"، فإننا نستخدم قياساً نسبياً، أما عندما نقول "السجون يجب أن تكون نموذجية وفق المعايير الدولية"، فإننا نستخدم قياساً مطلقاً.
المشكلة أن السوريين، في خطابهم اليومي، يكتفون بالقياس النسبي، ويتجاهلون القياس المطلق.
وهذا يذكرنا بـالنسبية الأخلاقية، حيث تصبح الأخلاق نسبية وتتغير حسب السياق، فما هو غير مقبول في سويسرا، يصبح مقبولاً في سورية، لأننا نقارن أنفسنا بالأسد، وليس بالسويسريين.
وقد أظهر استطلاع "بارومتر العرب" أن 81% من السوريين يثقون بالرئيس، و 71% بالحكومة الوطنية، و84% بقوات الأمن، و62% بالمحاكم ، هذه النسب العالية قد تعكس ثقة حقيقية، لكنها قد تعكس أيضاً أن السوريين يقارنون هذه المؤسسات بنظيراتها في زمن الأسد، وليس بالمعايير الدولية.
وقد حذرت المحللة أنشال فوهرا من هذا المنطق، في قراءتها للملف السوري على هذه المعضلة السلوكية، وحذرت من خطورة الاكتفاء بـ"المنطق قصير المدى" الذي يقبل بأي بديل لمجرد أنه أوقف المأساة، دون الالتفات للمخرجات الديمقراطية والمؤسساتية على المدى الطويل.
مؤشرات التحول من المعيارية النسبية إلى المطلقة:
مع مرور الوقت، تظهر مؤشرات على أن السوريين بدأوا يتحولون من المقارنة النسبية بالأسد إلى تقييم مطلق لأداء الحكومة الجديدة.
فقد أظهر استطلاع "سورية المتجددة" أن نسبة من يرون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح بقيت شبه مستقرة عند 25%، بينما ارتفعت نسبة من يرون أنها تسير في الاتجاه الخاطئ من 30% إلى 46% .
هذا التراجع في التقييم الإيجابي قد يشير إلى أن السوريين بدأوا يقيمون الحكومة بمعاييرها الذاتية، وليس فقط بمقارنتها بالأسد.
كما أظهر الاستطلاع ذاته أن 68% من السوريين يؤيدون تدريس القيم الديمقراطية في المدارس، وهو ما يعكس تحولاً من الرضا بالقليل إلى المطالبة بالكثير .
وفي ملف العدالة الانتقالية، قال 36% من المشاركين إن محاكمة عاطف نجيب لم تعزز ثقتهم بإمكانية محاسبة مرتكبي الانتهاكات، مما يشير إلى أن السوريين بدأوا يطالبون بمعايير أعلى من مجرد "أحسن من الأسد" .
نحو معيارية جديدة:
إذا كانت معيارية "أحسن من زمن الأسد" كارثة، فما هو البديل؟ يمكننا اقتراح ثلاث تحولات:
أولاً: المقارنة بالمستوى المطلوب، لا بالمستوى السابق، إذ يجب أن نقارن سورية ليس بما كانت عليه، بل بما يمكن أن تكون عليه.
وهذا يتطلب رؤية واضحة للمستقبل، ومعايير محددة للتقدم، لا تعتمد على الماضي، بل على الأهداف الوطنية.
ثانياً: المعيارية المزدوجة: معيارية للإنجاز المطلق (المعايير الدولية)، ومعيارية للإنجاز النسبي (التحسن عن الأسد).
فالتحسن عن الأسد هو خطوة في الطريق، لكنه ليس الهدف.
ثالثاً: بناء ثقافة المطالبة، لا ثقافة الرضا، أي يجب أن ننتقل من ثقافة الرضا بالقليل إلى ثقافة المطالبة بالكثير، وهذا يتطلب وعياً مجتمعياً بأن الكرامة ليست نعمة تمنح، بل حق يجب المطالبة به.
خاتمة:
في النهاية، تظل عبارة "أحسن من زمن الأسد" تعبيراً عن واقع ملموس، لكنها ليست معياراً للتقييم، ولا مقياساً للتقدم.
فالأسد ليس معياراً لأي شيء، سوى لانهيار الدولة، وانتهاك الكرامة، وتدمير المستقبل.
ولكن، ربما لا أحد يشعر بفرح المواطن السوري بنهاية حقبة الأسد، ولعل في هذا عزاء وحيد لفكرة المعيارية النسبية.
إن سورية الجديدة يجب أن تُقاس بمدى اقترابها من دولة القانون، والعدالة، والكرامة.
والسؤال الحقيقي بل والواجب أن يظل حاضراً ليس "هل نحن أفضل من زمن الأسد؟"، بل "هل نحن نبني دولة يستحقها السوريون؟".
فلنحرر أنفسنا من معيارية الأسد، ولنقيس أنفسنا بالمثل الأعلى، ولنبني سورية التي تستحقها الأجيال القادمة.
المراجع:
- Heifetz, A., & Minelli, E. (2015). Aspiration traps. The B.E. Journal of Theoretical Economics, 15(2), 125-142.
- Arab Barometer. (2025, December). Fresh insights on post-Assad Syria: Survey findings.
- Clingendael Institute. (2026, April). Syria poll: How Syrians assess their lives, government, and political developments.
- Syria in Transition. (2026, June). Syria poll: Confidence in the People’s Assembly and governance.
- Minelli, E., & Heifetz, A. (2017). Aspiration traps. MaRDI Portal.