ملخص تنفيذي:
في 22 آب/أغسطس 2026، وبانقضاء المهلة الدستورية البالغة 45 يوماً دون اعتراض كونغرسي، اكتمل المسار القانوني لإزالة اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب الأميركية، بعد قرابة 47 عاماً من إدراجها في هذه القائمة.
لا يقتصر أثر هذا القرار على الجانب القانوني أو الاقتصادي، بل يمتد إلى مستويات أعمق تتصل بالهوية الوطنية السورية، وموقعها في النظام الدولي، وقدرتها على تجاوز إرث عقود من العزلة والتصنيفات السياسية التي حجبت صورة البلاد كحضارة وتاريخ وإنسان، وجعلتها رهينة لصورة نمطية اختزالية.
تستعرض هذه الدراسة الأبعاد المتعددة لهذا التحول الاستراتيجي، بدءاً من السياق التاريخي للتصنيف ومروراً بالآثار الاقتصادية والقانونية المتوقعة، وصولاً إلى التداعيات السياسية والنفسية على المستويين الرسمي والشعبي، مع تقديم رؤية استشرافية للتحديات والفرص التي تنتظر سورية في مرحلة ما بعد الرفع، انطلاقاً من رؤية تيار المستقبل السوري القائمة على بناء دولة المؤسسات والاندماج الإقليمي والدولي.
أولاً، الجذور التاريخية للتصنيف:
وضعت إدارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر سورية في 29 كانون الأول/ديسمبر 1979، على قائمة الدول الراعية للإرهاب، في قرار استند إلى قانون "قانون مراقبة الصادرات" لعام 1979 .
وجاء التصنيف مدعوماً باتهامات لدعم منظمات فلسطينية ولبنانية مسلحة، واستضافة قادة فصائل مصنفة إرهابية، مع اتهامات لاحقة بالضلوع في محاولة تفجير طائرة تابعة للخطوط الجوية الإسرائيلية عام 1986 .
ومع مرور الوقت، تحولت سورية إلى صاحبة أطول مدة في هذا التصنيف بين الدول المدرجة عليه، لتصبح القائمة جزءاً من هويتها الدولية.
لم يكن هذا التصنيف مجرد وصف سياسي، بل كان يحمل في طياته عقوبات قانونية واقتصادية شاملة تمثلت حظراً على المساعدات الأميركية، ومنعاً لصادرات الأسلحة، وقيوداً على الصادرات ذات الاستخدام المزدوج، إلى جانب رقابة مشددة على المعاملات المالية .
وفي أيار/مايو 2004، أضيفت طبقة جديدة من العقوبات بموجب "قانون محاسبة سورية واستعادة السيادة اللبنانية"، تلتها إجراءات بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية الأميركي، ثم جاءت ثورة الكرامة عام 2011 لتضاعف حدة العزلة، وصولاً إلى "قانون قيصر" لعام 2019 الذي دخل حيز التطبيق في 2020، والذي جعل التعامل مع سورية أكثر تعقيداً .
المفارقة الأساسية التي يجب تسليط الضوء عليها هي أن العلاقات بين دمشق وواشنطن لم تكن طوال هذه العقود على درجة واحدة من العداء.
فقد شهدت التسعينيات فترات من التعاون والحوار، مما يعني أن التصنيف الذي بدأ كأداة سياسية أخذ مع الوقت يعيش حياة خاصة به، منفصلاً أحياناً عن طبيعة العلاقة الثنائية في لحظاتها المختلفة.
وهذا يعكس كيف تتحول السياسات الخارجية، بعد عقود، إلى سمات لصيقة بالهوية الوطنية، يصعب تغييرها حتى لو تبدلت الأسباب التي أنشأتها.
ثانياً، السياق السياسي للرفع:
جاء قرار الرفع كثمرة لسلسلة من التحولات على الأرض بدأت بسقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وتلاها انخراط الحكومة السورية الجديدة في تحالف دولي لمكافحة الإرهاب، وانضمامها رسمياً إلى "التحالف العالمي لهزيمة داعش" في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 .
وقد توج هذا المسار بزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ولقائه الرئيس دونالد ترامب، ثم لقاء أنقرة في 8 تموز/يوليو 2026 حيث سلّمه الرئيس الأميركي رسالة رسمية أبلغه فيها بقراره إخطار الكونغرس بنيّة إلغاء التصنيف، مما أطلق المهلة الدستورية البالغة 45 يوماً .
وقد استندت الإدارة الأميركية في قرارها إلى ثلاثة مبررات رئيسية :
- تغير سلوك الحكومة السورية، حيث لم تقدم الحكومة الجديدة، أي دعم للإرهاب الدولي خلال الأشهر الستة السابقة، وقدّمت "تأكيدات رسمية" بعدم القيام بذلك مستقبلاً.
- التعاون الأمني، حيث انخرطت سورية في عمليات مكافحة الإرهاب بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وشكّل هذا التعاون مبرراً عملياً لإعادة النظر في التصنيف الذي كان يعيق تمويل هذه العمليات .
- الحاجة الاقتصادية، فقد أدركت واشنطن أن استمرار العزلة الاقتصادية لسورية، في ظل احتياجات إعادة الإعمار الهائلة، قد يخلق فراغاً أمنياً تستغله الجماعات المتطرفة، ويُبقي البلاد في دائرة الهشاشة التي تهدد الاستقرار الإقليمي .
ورغم هذه المبررات، يبقى القرار محكوماً بشروط واستثناءات، أبرزها بقاء عقوبات محددة على شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، ومتهمين بانتهاكات حقوق الإنسان، وتجارة الكبتاغون، وجهات مرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة وإيران ووكلائها.
كما أشار مستشار الشؤون الأميركية في الخارجية السورية، جهاد مقدسي، إلى أن "قيوداً أخرى تبقى خاضعة لإجراءات قانونية منفصلة، ولن تُرفع تلقائياً ضمن هذه العملية" .
ثالثاً، الأثر الاقتصادي للرفع:
كان التصنيف على قائمة الدول الراعية للإرهاب يشكل عقبة نفسية ومؤسسية أكثر منها قانونية، إذ ظلّ يشكّل رادعاً للمؤسسات المالية الدولية والشركات الراغبة في التعامل مع سورية، حتى بعد رفع العقوبات الشاملة في حزيران/يونيو 2025 .
وقد وصف المدير التنفيذي للمنظمة غير الربحية "المركز السوري للدفاع عن الحريات"، معاذ مصطفى، التصنيف بأنه كان "قبلة الموت" للاقتصاد السوري، معتبراً إياه "قاتلاً للاتصال المصرفي بسورية ولإعادة الإعمار الاقتصادي" .
الآثار المباشرة المتوقعة للرفع تشمل:
- تيسير التحويلات المالية: رفع الحظر عن المساعدات الأميركية، وتسهيل التحويلات المالية عبر المصارف الدولية، مما يسمح بتدفق الاستثمارات والمساعدات الإنسانية .
وقد أشار محافظ مصرف سورية المركزي، صفوان رسلان، إلى أن القرار يفتح "آفاقاً أوسع للاستثمار والتعافي الاقتصادي وإعادة دمج سورية في الاقتصاد العالمي" . - جذب الاستثمارات: أشارت رسالة الرئيس ترامب إلى الرئيس الشرع إلى أن "الشركات الأميركية مستعدة للاستثمار في سورية" .
ويتوقع أن يحذو حذوها شركات من دول أخرى، خاصة مع الإشارات السعودية إلى استثمارات بمليارات الدولارات . - دعم إعادة الإعمار: تقدّر احتياجات إعادة الإعمار في سورية بنحو 216 مليار دولار، وفقاً لتقديرات البنك الدولي لعام 2025.
ويرى خبراء أن إزالة التصنيف خطوة أساسية لتذليل العقبات أمام التمويل الدولي لإعادة الإعمار، خاصة عبر المؤسسات المالية الدولية . - تخفيف القيود على القطاع النفطي: كانت شركات النفط العالمية، مثل شيفرون وكونوكو فيليبس، قد أبرمت اتفاقيات استكشاف جديدة مع سورية في 2025 و2026، لكن التصنيف أضاف طبقة من المخاطر القانونية على هذه الصفقات.
ومن المتوقع أن يزيل الرفع هذه المخاطر، مما يفتح المجال لاستثمارات أوسع في قطاع الطاقة .
ومع ذلك، هناك حذر من أن "تصنيف الدول الراعية للإرهاب حمل عواقب قانونية ونفسية امتدت إلى ما هو أبعد من العقوبات المباشرة نفسها"، كما أن الرسالة التي أرسلها الرئيس الأميركي حول استعداد الشركات الأميركية للاستثمار هي "تحول ملحوظ في الخطاب الأميركي، إذ تقدم للمرة الأولى رؤية يمكن للقطاع الخاص الأميركي من خلالها المشاركة في إعادة بناء الاقتصاد السوري، بشرط إكمال الإجراءات القانونية والسياسية اللازمة".
رابعاً، الأثر السياسي والنفسي:
يتجاوز أثر رفع التصنيف الجانب الاقتصادي إلى مستويات أعمق تتصل بالهوية الوطنية والعلاقة بين السوري وبلده والعالم.
فمنذ عام 1979، حمل السوري معه، أينما ذهب، صورة سياسية جاهزة عن وطنه، حيث كان اسم سورية يسبقه دائماً شيء آخر: إرهاب هنا، وممانعة هناك، وعقوبات وحروب وتحالفات.
وهكذا عاش السوري بين صورتين متناقضتين، صورة خارجية تقول إن بلده جزء من مشكلة الأمن والإرهاب، وصورة داخلية تقول إن عزلته دليل على صواب موقفه السياسي.
وقد أشارت المحللة ناتاشا هول، من معهد تشاثام هاوس، إلى أن القرار يمثل تحولاً "زلزالياً" بالنسبة لسورية، معتبرة إياه "واحداً من الحواجز النهائية أمام التعافي الاقتصادي".
ولكنها حذرت أيضاً من أن "كثيرين في المجتمع المدني يشعرون بخيبة أمل لأن التركيز لم يكن أكثر على الشمولية، والمساءلة، وبعض القضايا الأخرى التي كانوا يناضلون من أجلها لفترة طويلة".
وفي هذا السياق، يمكن قراءة قرار الرفع كخطوة أولى نحو تحرير السوري من فخ التصنيفات التي حجبت هويته الحقيقية.
فإزالة الاسم من القائمة، وإن كانت إجراءً قانونياً، تفتح الباب أمام سورية لأن تُرى خارج القوالب التي لازمتها لعقود، وتتيح الفرصة لاستعادة صورة البلاد كحضارة وتاريخ، قبل أن تكون موقفاً سياسياً أو تصنيفاً أمنياً.
لكن هذا التحول مشروط بقدرة الدولة السورية على إعادة بناء علاقتها بمواطنيها أولاً، وتقديم نموذج حكم قائم على الشفافية والمساءلة، بما يضمن عدم العودة إلى سياسات العزلة والتهميش التي أضرت بمصالح البلاد لعقود.
خامساً، السيناريوهات المستقبلية وتحديات المرحلة المقبلة:
على الرغم من الأهمية الكبيرة للقرار، تواجه سورية في مرحلة ما بعد الرفع مجموعة من التحديات التي ستحدد مدى قدرتها على الاستفادة من هذا التحول الاستراتيجي:
السيناريو الأول، الاندماج المشروط (الأكثر ترجيحاً):
في هذا السيناريو، تتمكن سورية من اجتياز العقبات الإدارية المتبقية (نشر القرار في السجل الفيدرالي، واستكمال الإجراءات التنفيذية)، وتبدأ في جذب استثمارات محدودة، خاصة من دول الخليج وتركيا، مع استمرار تحسن العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، لكن بشكل تدريجي، في ظل بقاء عقوبات محددة على شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق، واستمرار المخاوف الأمنية لدى بعض المستثمرين .
السيناريو الثاني، التعافي الاقتصادي المتسارع (السيناريو المتفائل):
إذا نجحت الحكومة في استكمال الإصلاحات الاقتصادية والقانونية المطلوبة، وتمكنت من طمأنة المستثمرين الدوليين، واستمر الدعم الأميركي والخليجي، فقد تشهد سورية تدفقاً للاستثمارات وبداية فعلية لعملية إعادة الإعمار، خاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، مما ينعكس إيجاباً على مستويات المعيشة والاستقرار السياسي.
السيناريو الثالث، استمرار التحديات (السيناريو المتشائم):
في حال فشلت الحكومة في معالجة الملفات الداخلية، كالفقر المدقع (حيث يُقدّر أن نحو 15.6 مليون شخص بحاجة لمساعدات إنسانية)، والنزوح (مع بقاء 5.8 مليون نازح داخلي و3.6 مليون لاجئ خارج البلاد)، واستمرار الجمود في ملف العدالة الانتقالية، فقد يظل أثر القرار محدوداً، وتستمر عزوف المؤسسات المالية والشركات الدولية عن الانخراط الكامل في السوق السورية .
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تبلغ 216 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم التحدي، ويؤكد أن رفع التصنيف، رغم أهميته، هو خطوة أولى في طريق طويل نحو التعافي الاقتصادي .
سادساً، توصيات:
انطلاقاً من هذه الرؤية، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- استثمار الزخم السياسي: المبادرة إلى تعزيز التواصل مع المؤسسات المالية الدولية والشركات العالمية، وتقديم رؤية واضحة لفرص الاستثمار في سورية، مع إزالة أي غموض قانوني أو إداري قد يعيق التعامل معها.
- إصلاح المنظومة المصرفية: الإسراع في تطوير القطاع المصرفي وتحديث تشريعاته، بما يتوافق مع المعايير الدولية، ليكون قادراً على استيعاب التدفقات المالية المتوقعة.
- ربط الإعمار بالإصلاح: تقديم إعادة الإعمار كجزء من مشروع وطني شامل للإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، يعزز الشفافية ويحد من الفساد، ويشرك المجتمع المدني في عملية المراقبة.
- تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية: الاستمرار في الانفتاح الدبلوماسي، وتكثيف الجهود لإقناع الدول الأوروبية برفع عقوباتها المتبقية، والاستفادة من الدعم الخليجي لدفع هذه الملفات.
- الحفاظ على المكاسب الأمنية: الاستمرار في التعاون مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وضمان عدم تحول سورية إلى ملاذ آمن لأي جماعات متطرفة، للحفاظ على ثقة المجتمع الدولي وضمان استمرار الدعم.
خاتمة:
يمثل رفع اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد نحو 47 عاماً، لحظة فارقة في تاريخ البلاد الحديث.
فهو لا يزيل عقبة قانونية واقتصادية كبرى فحسب، بل يفتح الطريق أمام سورية لتُرى من جديد، بعيداً عن التصنيفات السياسية التي حجبت صورتها الحقيقية.
غير أن هذا القرار، كما ييدو ليس نهاية الطريق، بل هو بداية مرحلة جديدة تختبر مدى قدرة الدولة السورية على تحويل هذا الزخم السياسي إلى إنجازات ملموسة على الأرض، في مجالات الاقتصاد، وبناء المؤسسات، وتحقيق العدالة الانتقالية .
و ربما يكون السؤال الحقيقي أبسط من كل السياسة التي صنعت هذه القوائم: هل يمكن أن يصبح اسم سورية اسماً فقط؟
وأن يستعيد السوري حقه في أن يُرى قبل أن يُصنَّف؟
وهذا هو التحدي الأعمق الذي تنتظره سورية في مرحلة ما بعد القوائم.
المراجع:
- Middle East Eye. (2026, August 23). US set to remove Syria from ‘sponsors of terrorism’ list. https://www.middleeasteye.net/live-blog/live-blog-update/us-set-remove-syria-sponsor-terrorism-list
- The New Arab. (2026, August 22). Syria set for removal from US terrorism list as deadline nears. https://www.newarab.com/news/syria-set-removal-us-terrorism-list-deadline-nears
- World Bank. (2025). Syria: Damage and Needs Assessment Report (Report No. 216/2025).
- Enab Baladi. (2026, July 12). What would removing Syria from the US list of state sponsors of terrorism mean? https://english.enabbaladi.net/archives/2026/07/what-would-removing-syria-from-the-us-list-of-state-sponsors-of-terrorism-mean/
- Financial Action Task Force (FATF). (2026, June 19). High-risk and other monitored jurisdictions. https://fid.gov.lv/en/news/fatf-updated-lists-with-jurisdictions-under-increased-monitoring-4